الدروس الأساسية للتعليم بجامع الزيتونة، وبيان طريقة المؤلف في نقد العلوم المقررة
181 paragraphs · vol. 1, p. 245
Page 5 of 5
- vol. 1, p. 286
[علم التاريخ]
-
بدأ الشيخ ابن عاشور حديثه عن هذا العلم بحصر موضع نظره وبحثه. فحرص على تحديد موضوع درسه ببيان أن المراد بالتاريخ ما ألفت فيه الكتب العربية، وهل كانت دراسة هذا العلم في جامع الزيتونة وبين طلابه إلا بالنظر والوقوف عليها وحدها دون غيرها من المصادر.
-
ومن هذا الإطار الذي حصر فيه المادة التي عني ببحثها ونقدها، ومن التجارب التي مرّ بها، والحقائق التي وقف عليها من خلال دراساته الكثيرة ومطالعاته الواسعة، اتجه في كلمته هذه الوجيزة عن علم التاريخ إلى أربع نقاط هي: طبيعة علم التاريخ، ومصادر التاريخ عند العرب، وأسباب ضعف علم التاريخ لديهم، والمنهج الجديد المقترح للإفادة من هذا العلم أكمل إفادة.
-
فإذا كان علم التاريخ كما وصفوه، عبارة عن معرفة أحوال الأمم والطوائف، وبلدانهم، ورسومهم، وعاداتهم، وصنائع أشخاصهم، وأنسابهم ووفياتهم ونحو ذلك، وكان موضوعه أحوال الأشخاص الماضية من الأنبياء والأولياء والحكماء والملوك والشعراء وغيرهم (١) ، فإن ذلك يعدّ من الفطرة، لأن حديث الناس بما وقع أو
vol. 1, p. 287جرى لهم سنة آدمية. وقد بدأ تدوينه مع عصر النهضة حين أحسّ الناس بالحاجة الأكيدة إلى وزان مستقبلهم بماضيهم.
-
وقد تجلّى هذا الأمر عند العرب من أقدم العصور في أشعارها. فهي ديوانها ومجتلى أخبارها ومفاخرها ومحامدها. ثم برزت حقائق التاريخ ووقائعه وأحداثه في ما تضمنه القرآن الكريم من قصص الأمم الخالية والشعوب الماضية. وألّفت بعد ذلك أنواع من كتب التاريخ كالسير والتراجم أو المصنفات، مثل سيرة ابن هشام وتاريخ البخاري، وسجَلت حوادث الإسلام كما فعل الطبري في تاريخه، ودوّنت أحداث السياسة والوقائع كما في تاريخ المسعودي، وإن اقتصر صاحبه على سرد الوقائع، عَرِيًّا عن النظر في الغاية المقصودة وهي الاستعانة به في السياسة. وهنا يعتذر الشيخ رحمه الله لهذا المؤرخ عن تقصيره في هذا الجانب.
- وأسباب ضعف علم التاريخ كما يراها المؤلف هي:
-
أولاً: إن المسلمين أَجِدَّاء في السياسة إذ لم يكن للعرب من قبل ملك. والسياسة إنما هي خلاصة التجارب المتولّدة عن معالجة أحوال الدول والحروب.
-
ثانياً: نسجه من الأساطير القديمة المعروفة بالميتولوجيا. وهي في غالبها متخيّلة بعيدة عن الواقع، مشحونة بالأغاليط والمبالغات. فلا تذكر أو تروى من أجل تصوير الماضي على حقيقته، ولكنه التفكُّه والأدب.
-
ثالثاً: سيطرة الوهم القديم على العقول بصرفها عن العناية بعلم التاريخ لخلوّه من المسائل الكليّة أي القواعد. وقد وقَر في نفوسهم أن ما خلا من القواعد ليس علماً ولا طائل من دراسته.
- vol. 1, p. 288
رابعاً: ما يغلب على كثير من المؤرخين من تعصّبات وأغراض تحجب عنهم الحقائق مهما كانت جلية، وما ينتصبون له من المفاضلة والحكم على الأشياء دون موضوعية أو تجرّد. وهذا ما وصمت به جملة من كتب التاريخ، فلم يؤخذ بها ولا اعتمد عليها لبُعدها عن الحقيقة والإنصاف. ولم تسلم من ذلك سوى مصنّفات قليلة عرف أصحابها بالتحرّي والنقد وصحة النقول والروايات. وهذه مثل تاريخ محمد بن جرير الطبري، وتاريخ ابن الأثير الجزري، وتاريخ ابن خلدون.
-
خامساً: التساهل في رواية الأخبار مع سوء المآخذ وفساد الاستنتاج، كما هو شأن مؤرخي عصرنا في الشرق. ولاجتناب هذه الطريقة وما يترتّب عليها من مساوىء وأخطاء يوصي المؤلف المؤرخين بأن يحتاطوا للأمر بالاستناد إلى ما دلّت عليه الآثار كآثار المصريين، وإن كانت هي الأخرى لم تخلُ من مبالغات، أو باعتماد كتب الماضين المتقدمين مثل مؤرخ اليونان (بلوتارك) ، ومؤرخ الرومان (حانون القرطاجني) ، أو باستمداد التاريخ من الاستنتاجات الصحيحة الواضحة، لأن الغرض من علم التاريخ هو الاعتبار بأسباب نجاح الدول والأمم وبأسباب خيبتها، ولا يحصل ذلك إلا بسلامة الاستمداد وصحة المصادر.
-
ثم يحذّر الشيخ في نهاية ذكر السبب الخامس، المؤرِّخَ ويوصيه بأن لا تشتبه أو تختلط عليه الأحوال المقارنة للأفعال، فيظنها سبب نجاح الفعل أو خيبته، فإن الاشتباه خطر عظيم.
-
وحين تتبيّن عوائق التقدّم بعلم التاريخ يدعونا المؤلف إلى منهج جديد، هو تجريد هذا العلم عما يملأ حوافظ التلامذة من ذكر
vol. 1, p. 289الحوادث والسنين إلى الاقتصار على الجانب العملي النفعي منه، وهو معرفة أحوال الأمم والدول وأسباب النهوض والسقوط لديها، فيكون ذلك طريقاً للاعتبار، ويفيد منه الدارس نظراً واقتداء واتقاء، تماماً كما يقدّمه لنا القرآن الكريم للاتِّعاظ بما سيقت القصة التاريخية لأجله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} (١) . وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (٢) .
-
[العلوم الفلسفية والرياضية]
-
يُنهي الشيخ ابن عاشور رحمه الله نظرته إلى العلوم ونقدَها، بالحديث عن فنون كادت تكون أجنبية، أو هي أجنبية عما يدرّس ويتلقّى من تكوين ومعارف بالجامع الأعظم. وفي هذا الفصل على قصره يشعر القارىء من جهة بالحسرة والتبرّم، ومن أخرى بالحرص والتطلّع.
-
حسرة وتبرّم بما كان يعوز التعليم الزيتوني من تدريس للمواد الفلسفية والرياضية. والجامع الأعظم هو المدرسة الكبرى الوحيدة للتعليم في البلاد بالحاضرة وأطراف الإيالة. وهو بمعزل عن علوم كثيرة نافعة، كأنها غير ذات جدوى بالنسبة للطلبة وسكان البلاد.
-
ولعل من أهم الأسباب في ذلك أن الكتب القليلة الموجودة كانت في محتواها مقصورة على ما هي عليه في لغة اليونان، وأن الكتب الموضوعة للتدريس قديمة لم تبق مناسِبةً لزمننا. وقد حصلت في موادها تغييرات وتطوّرات كثيرة لم تظهر في الكتب العربية
vol. 1, p. 290المترجمة بما يساير ما هي عليه في اللغات الأجنبية التي وضعت فيها.
-
وأمر آخر هو أن فنوناً عديدة لم تنقل بعد إلى العربية، فظلت محجوبة عنا زمناً طويلاً؛ منها الجيولوجيا أو علم طبقات الأرض، والتاريخ الطبيعي، وعلوم الاقتصاد، والعمران أو الاجتماع، والفلسفة، على أن مثل هذه المادة الأخيرة لم تكن تعرف إلا من خلال كتب الكلام؛ مثل كتاب المواقف للإيجي المستمدة مادته الفلسفية من مقالات اليونان. وهذا الوضع المزري الذي جمدنا عليه يقتضي بدون شك التغييرَ والإصلاح.
-
أما التطلع والحرص فكانا يظهران في المناداة بأمرين:
أولهما: ترجمة كتب العلوم المعاصرة ترجمة لائقة، ومواكبة لما هي عليه عند غيرنا من التطوّر والتقدّم العلمي، عساها تكفي الطلاب العرب كلَلَ التخبّط فيما لا طائل تحته، وتساعد المقبلين عليها على السمو بهمة إلى منازل قرنائهم في الأمم المعاصرة.
-
ثانيهما: توسيع نطاق ترجمة هذه العلوم الرياضية والفلسفية توسيعاً هاماً يحيط بأكثر الفنون الموجودة في الخارج، وفي اللغات الأخرى. فإن ما نمارسه منها مقصور على مقدمات ومبادىء الحساب، والجغرافيا، والهندسة والمساحة ولا يتجاوزها إلى الطبيعة، والكيمياء، والفيسيولوجيا، والجيولوجيا، والجبر، والفلك، وحوادث الجو، والطب، وعلوم السياسة، والاقتصاد، والفلاحة، والصنائع، والتجارة، وتهذيب الأخلاق وغيرها. فإن هذه العلوم ليست حكراً على أحد. وقد كان لأسلافنا عناية بها، ونحن في أشدّ الحاجة إليها. وإن في تنشيط هذه الحركة والإقبال على شتى نواحي
vol. 1, p. 291العلم واختصاصاته لقوّةً للأمة، ونهضة بها، ورقياً وتقدماً لأفرادها.
-
وبعد هذه الوقفات التأمّلية في سير إصلاح التعليم الزيتوني، التي صاحبنا فيها الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله، عن طريق ما دوّنه من ذلك في كتابه أليس الصبح بقريب؛ وبعد تلمّسنا للأسباب التي دعته إلى ذلك نجده قد سار على خطى شيوخه ومعاصريه في الداخل والخارج، وعمل على مواصلة ما أنجزه المشيران الأمير أحمد باشا باي الأول، والأمير محمد الصادق باي، من تنظيمات وترتيبات، أهمها ما كان أعدّه بنظر فاحص، وتوجّهٍ إصلاحي صادقٍ الوزير أبو محمد خير الدين. وتملكه حبُّ المشاركة في هذا العمل الجليل الذي نادت به ثلّة من المصلحين من أمثال الأستاذ البشير صفر رئيس الجمعية الخلدونية، بما دبّجته أقلامهم أو أعربت عنه خطبهم ومحاضراتهم من مواقف متجاوبة مع الحركة الإصلاحية العامة بتونس، فتصدى الإمام بكل جهوده إلى حركة إصلاح التعليم الزيتوني، يوجهها ويقيّمها متنقلاً بها من مرحلة إلى مرحلة قدر الوسع.