الدروس الأساسية للتعليم بجامع الزيتونة، وبيان طريقة المؤلف في نقد العلوم المقررة
181 paragraphs · vol. 1, p. 245
Page 4 of 5
- vol. 1, p. 275
ثالثاً: الاستناد في تقعيد القواعد لدى المتأخّرين من النحاة، على التمثيل لها بصيغ مصنوعة أو أبيات وشواهد منحوتة أو موضوعة. وقد نجم عن الأولى إقصاء الأذواق، في تكوينها وصقلها عن الاستعمال العربي، وترتَّب على نوعي الشواهد المصنوعة والمذكورة خطأٌ في استنباط القواعد، لأن الأبيات الواردة من ذلك أكثرها موضوع أو منحوت. وهو ما شهد به المؤرخون للغة العربية وآدابها حين أثبتوا انتحال الأشعار، ووضع خلف الأحمر الكثير
vol. 1, p. 276منها. وأمثال هذه الأبيات تقصر عن أن تكون أساساً لبناء القواعد عليها، لأن ذلك لا يُعتمد عليه إذا لم يكن ممّا جرى به كلام العرب حقاً. والتقعيد إنما هو لكلام العرب لا لما انتحله الرواة.
-
ومن الخطأ في استنباط القواعد من اللحن ما أوردوه من الأمثلة:
١ - مكرهٌ أخاك لا بَطَل، في لغة من يلتزم الألف في إعراب الأسماء الخمسة. وهذا باطل قد ردّه الجاحظ في البيان والتبيين وعده لحناً (١) .
- ٢ - قول الشاعر الحماسي:
-
كذاك أدِّبْتُ حتى صار من خلقي ... أنّي وجدت ملاكُ الشيمة الأدبُ (٢)
-
ففي ظاهر البيت إلغاء لعمل أفعال القلوب عند التقديم، وهو ما يحملهم على تقدير ضمير الشأن أو لامِ الابتداء لتصحيح الكلام.
- vol. 1, p. 277
وإنما وقعوا في ذلك لأنهم نقلوا البيت مفرداً عن سابقه وهو:
أُكَنّيه حين أناديه لأُكرمَه ... ولا أُلقِّبه، والسوأةَ اللقبا (١)
-
وقد جعل ابن جني في شرحه للحماسة الرفع أحد روايتين.
قال الشيخ ابن عاشور: "وهو بعيد عن معنى البيت الأول" (٢) .
- ٣ - قول الشاعر:
-
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... تغنّت على ورقاء خُضرٍ قيودُها
بكسر خضر. ومن فساد التقعيد الخطأ في الإعراب، كالإعراب الناشىء عن سوء الفهم حين احتجوا بهذا على ثبوت إعراب المجاورة. وهذا ليس صحيحاً لأن خضر المكسورة مع كونها وصفاً لحمامة ينقضه وقوع الموصوف لورقاء واحدة الورق به أي الحمام، ويمكن أن يعتبر "خضرٍ" صفة لورقاء بمعنى الشجرة، والقيود الأغصان على تشبيهها بمقيّد في سلاسل.
- vol. 1, p. 278
[علم البلاغة]
-
عُرف هذا العلم قديماً بعلم البديع مرّة، وبعِلم البيان أخرى. ثم قسّمه المتأخرون إلى فنون ثلاثة: المعاني والبيان والبديع.
-
فالمعاني منه: ما يُبحث فيه عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
-
والبيان: ما يعرف به إيراد المعاني بطرق مختلفة في وضوح الدلالة من حقيقة ومجاز.
-
والبديع: هو تحسين الألفاظ أو المعاني بما يجعلها مستظرفة لدى السامع.
-
والغاية من هذا العلم، بمختلف شعبه، ضبطُ طرق الاستعمال للكلام البليغ، والتمرينُ على أن يكون التعبير مفيداً لجميع مراد المتكلم بأسرع طريق وأنفذه إلى فهم السامع. وتتضمَّن مسائلُه بعضَ قواعد الاستعمال مطلقاً. وهو بذلك تكميل لما تركه علم النحو أو لم يستوعبه من تعليم أحوال لسان العرب. وإذا كان النحو والصرف قد انصرفا من جهة إلى إفادة كيفية أخذ المفردات وتركيبها دفعاً للخطأ وبطءِ الفهم، فإن علم البلاغة اتجه إلى إفادة كيفية الإسناد، وأسلوب العرب في التعبير. وهذا التلازم بل التكامل بين علوم العربية وأسرارها، الملاحظ في المصنفات الشهيرة من الأمهات في هذا العلم، ينبّه عند المقارنة بين النحو والبلاغة إلى أن هذا العلم قد تناول مع مشاركته لعلم النحو موضوعات خاصة به كالفصاحة
vol. 1, p. 279والإيجازِ والإطنابِ والفصلِ والوصلِ ومسائلِ البيان.
-
وتوفّرت المؤلفات النقدية والأدبية على العناية بأمثلة رائعة نجدها عند قدامة بن جعفر في نقد الشعر، وعند الجاحظ في البيان، وعند الزمخشري في تفسيره، وعند المرزوقي في شرحه لديوان الحماسة، وعند غيرهم من جهابذة الفن. وإنما بدأ الاشتغال بعلم البلاغة بصورة دقيقة رائعة ومعمّقة مع عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني في مصنفيه أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز. ومن يبحث في مصنفات هذا الفن يجدها قد عُنِيت في المحل الأول ببيان الطرق والمسالك إلى اختيار المعاني الجيّدة والألفاظ القريبة. ثم تبعتها تآليف أخرى أتمُّها المفتاح للسكاكي الذي شغل الناس بروائعه وإبداعاته، فصُرِف الكثيرُ من العلماء والنقّاد من بعده إلى شرحه أو التعليق عليه أو اختصاره، من غير تفكير في اكتشاف جوانب جديدة تعين على تطور هذا العلم وتقدّمه. وممن عنى بالمفتاح الأئمة: سعد الدين التفتازاني، والسيد الشريف، والأستاذ عبد الحكيم. وأصبحوا بما قدّموه من ذلك قطب الدائرة. وإن لاحظنا لديهم خلطاً في المسائل واشتغالاً بغير الفن عند إطالة الحديث عن تعريف الجنس، والحديث عن (الـ) الاستغراقية، وهل هما بمعنى، أم بينهما تفاوت؟ أو عند بيان مسألة عطف الإنشاء على الخبر، ومسألة الخلاف في حدِّ البلاغة، ثم هل هي مطابقة الكلام لجميع مقتضى الحال أو لمقتضى الحال في الجملة، كما ورد ذلك كثيراً في مباحث المطول (١) .
-
وجاء بعد هذا اختصار المفتاح للقزويني، وكان دقيقاً متميّزاً
vol. 1, p. 280لولا انصرافه عن الشواهد من كلام العرب إلى التمثيل بالتراكيب الصناعية.
-
ولا ينسى المؤلف، في ختام هذه الملاحظات وما لازمها من تقويم لمسائل العلم وكُتبه التي اشتغلت بهذا الفن، أن يلفت نظر طالب هذا العلم إلى وجوب التدرّب أو إجراء التمارين اللازمة لتربية الملكة والذوق. وذلك بأن يعهد إلى الطلبة بالحكم على ما يرونه من حسن في الكلام وقبحه، بإشراف الشيوخ والأساتذة الذين يقومون بتصويب أو تخطئَة ما يقدّمونه من الآراء في ذلك. ويُنهي الشيخُ رحمه الله هذا الفصل بالحديث عن علم الوضع، وعن رسالة العضد الإيجي فيه، منبّهاً إلى أهمية هذا التأليف وموضوعاته وما حظيَ به من عناية الشرّاح والمحدّثين.
-
وعلم الوضع في الحقيقة ألصق بعلمي العربية والبلاغة. وهو لا يتميّز عنهما في كثير. وموضوعه كما حدّده المؤلف البحثُ عن المعاني التي وضعت لها الألفاظ من ذوات وأحداث، ومن أنواع أو أشخاص، ومن كلي أو جزئي.
- vol. 1, p. 281
[ج - العلوم المساعدة]
-
[العلوم الإنسانية]
-
لم يكن اشتغال الإمام الأكبر، بما يدرَّس من العلوم الأساسية بالجامع الأعظم من مقاصد ووسائل، بالذي يمنعه من بيان رأيه واضحاً في العلوم المساعدة؛ كعلمي المنطق والتاريخ أو العلوم الفلسفية والرياضية.
-
[علم المنطق]
-
لعلم المنطق أو الاستدلال صلة بعلوم العرب، كما ذكر ذلك السكاكي (١) . وهو لا يبحث في شيء زائد عن أسرار النحو كما صوّره ابن سينا (٢) . وهو لارتباطه بهذه الفنون وَرَدَ تابعاً لها، ولكونه
vol. 1, p. 282حاكماً على جميع العلوم في الصحَّة والسقم، والقوَّة والضّعف، وأجلّها نفعاً وأعظمها، جعله الفارابي رئيساً لها، ولكونه آلة في تحصيل العلوم المكتسبة النظرية والعملية عدّه ابن سينا خادماً للعلوم.
-
مهّد ابن عاشور لتفصيل القول فيه بتعريفه. فهو علم يعصم الأفكار من الخطأ في المطلوب التصوّري الذي تتعرّف منه حقيقة الشيء، وفي المطلوب التصديقي الذي يتعرَّف منه العلم مع دليل ما. وهو من علوم الأوائل، نقل عن اليونان في عصر النهضة. وشمل من الأبواب الكليات الخمس، والتعريفات، والتصديقات، والقياس، وختموا مطالبه بذكر الصناعات الخمس: البرهان، والجدل، والخطابة، والشعر، والمغالطة أو السفسطة. تشهد لذلك أصول المؤلفات المنقولة عن أرسطو وأمثاله، ممّا وضع بعدها من التآليف. وسمّي بالمنطق لأن الغاية منه استقامة المنطق، كما عرف بالميزان لأنه قانون اللّسان من حيث إنه آلة التعبير عن المعاني.
-
ويخلص الشيخ ابن عاشور من تعريفه لهذا العلم وبيان الأصل فيه ومصدره، ونقله إلى لغة العرب، وأَوْجُه تسمياته لينبّهنا إلى أن موضوعات هذا العلم ومسائله فطرية عقلية، وأنه لذلك موجود في كل لغة، وأن فائدته تحريك الذهن بمسائله وتمرينه، وإقامة الحجّة على المكابر وقت الجدل، حين يريد مغالطة الفطرة ومغالبة الحق. وقد ذكر لهذا المعنى ما يصوّره في القرآن العظيم، وهو قول الله عز وجلّ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} (١) .
- vol. 1, p. 283
وجعل الآية مثالاً لنقض السالبة الكلية بالموجبة الجزئية عند المناطقة.
-
ومن أسباب انصراف كثير من الناس عن الاشتغال بالمنطق انقسام العلماء إزاءه طائفتين:
الأولى: اعتبرته كثير الألغاز فاستهانت به، وعاملته بمثل ما عاملت به الإنشاء والتاريخ والأدب. وربما أصبح من المشهور على ألسنة الغلاة عدُّه مدعاة لتكفير طالبيه ومعتقديه، فكانوا في ذلك على رأي الشافعي في علم الكلام. قال ابن تيمية: "ولهذا ما زال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمّونه ويذمّون أهله وينهون عنه وعن أهله" (١) . وأبرز من يمثل هذا الاتجاه المحدّثون والفقهاء. فقد صرّح السيوطي في كتابه عقود الجمان في المعاني والبيان بما نصّه: "إنا معشر أهل السنة لا ننجس تصانيفنا بقذر المنطق الذي اتفق المعتبرون خصوصاً المحدثين والفقهاء من كل المذاهب، من الشافعية وأهل المغرب، على تحريمه والتغليظ على المشتغلين به وإهانتهم وعقوبتهم. وقد جمعت في ذلك تأليفاً نقلت فيه كلام الأئمة في الحظِّ عليه. وهو كتاب مهم. وقد نصّ أئمة الحديث كالسِّلَفي والذهبي وابن رُشيد على عدم قبول رواية المشتغل به، وقد تركت الأخذ عن جماعة لذلك، وبالله التوفيق" (٢) .
-
ونازع هذه الفئة كثير من العلماء الذين عنوا بالمنطق مادة درس وتأليف. ورأينا المغيلي في بعض شروح السلّم يعرّض بخصومه ومناقضيه، ويرد على السيوطي بأبيات من شعره.
- vol. 1, p. 284
الطائفة الثانية التي قيل عنها: إنها المتحرّرة مما أصاب الأولى من جمود، صنَّفَت فيه واستخدمت قواعده وقوانينه في عامة العلوم الإسلامية، ومن أجل ذلك نجد تنويه ابن سينا به حين قال: المنطق نعم العون على إدراك العلوم كلها. وقد رَفض هذا العلم وجحد منفعته من لم يفهمه ولا اطلع عليه، عداوةً لما جهل، وتوهّماً لكونه يشوش العقائد، مع أنه موضوع للاعتبار والتحرير (١) .
-
وقد ألمع الشيخ رحمه الله إلى هذه الحقيقة ببيان موقف الغزالي من علم المنطق وبما اشتهر به من قوله:
حكمةُ المنطق شيءٌ عجب ... واختلاف الناس فيها أعجبُ
ثم تعرّض لأسباب اختلال هذا العلم فعدّ منها:
أولاً: ما أشار إليه قبل من اختلاف مواقف العلماء من هذا العلم وإهمال الجمهور الكبير له.
-
ثانياً: ورود استعمالات كثيرة لدى المناطقة لا تقرّها اللغة العربية. وقد ذكر الإمام الأكبر أربعة أمثلة لهذا:
الأول: كقولهم: السالبة تصدق بنفي الموضوع، مع أنه غير موجود في اللغة.
- واحتجوا لذلك بقول الشاعر:
-
على لا حب لا يُهتدى بمناره (٢) ... [إذا ساقهُ العَوْدُ الدفافيُّ جرجرا]
- vol. 1, p. 285
وهو بعيد عن الصواب لأن هذا من قبيل الكناية، والمنار علامة الطريق ولا يفارقه الاهتداء. فإذا انتفى عنه الاهتداء انتفى ملزومه وهو المنار.
-
الثاني: استعمالهم الرابطة وهي كلمة (هو) لتصحيح الحمل. وهي مفقودة في العربية بهذا المعنى.
-
الثالث: ذكر الاستثناء بـ (لكن) في القياس الاستثنائي مع أن ما بعدها ليس مغايراً لما قبلها. وهي منقولة عن اليونانية.
-
الرابع: وضعهم كلمة (لو) للواقع مع أنها في العربية للامتناع.
-
ثالثاً: فراغ بعض مسائله وشغورها من التمرين في الصناعات الخمس وغيرها. وما ذلك إلا لغفلة المتأخّرين عن الغرض من وضعه. فإن المنطق من العلوم التي لا يظهر أثرها عند دراسة كل مسألة، بل هو من العلوم التمرينيّة التي تظهر نتائجها بعد طول عمل دفعة.
-
وما زال إتقان هذا العلم يحتاج إليه في دراسة كتب التراث، وفي الوقوف على القضايا والمسائل الجدلية أو الخلافية، لأن هذه قائمة على استخدام قوانين المنطق ومرتبطة به في أحوال كثيرة. وإن كان علم المنطق في عصرنا الحاضر قد اضمحل أو كاد لاختفاء المنطق الأرسطي، وقيام منطق العلوم مكانه.