أولا: المصوبة وأدلتهم

16 paragraphs · vol. 2, p. 325

  1. تقول المصوِّبة: إن كل مجتهد مصيب في اجتهاده، وإنَّ كل قول من أقوال المجتهدين فيها حق، وإن كل واحد منهم مصيب، وهو رأي الأشعرية والمعتزلة والقاضي الباقلاني من المالكية وصاحبي أبي حنيفة، والقاضي سريج من الشافعية.

    vol. 2, p. 325
  2. والباعث لهم اعتقادهم أن ليس للَّه تعالى في المسألة التي لا نص فيها -قبل الاجتهاد- حكم معين من جواز، أو حظر، أو حلال، أو حرام، وأن حكم اللَّه تعالى فيها تابع لظن المجتهد.

  3. ثم اختلفت عباراتهم في البيان، فقال الأشعرية: إن الواقعة التي لا نص فيها ولا إجماع ليس فيها حكم معين، وإنما يتعين الحكم بالظن، ثم يكون حكم اللَّه فيها هو ما غلب على ظن كل مجتهد، وينتج عن قولهم: إنَّ الحقَّ يتعدد، وكل مجتهد مصيب.

    وقال المعتزلة: إن الواقعة التي لا نص فيها، لها حكم معين عند اللَّه، ويتوجب على المجتهد أن يطلبه، وإن لم يكلف إصابته، ويكون المجتهد مصيبًا وإن أخطأ ذلك الحكم المعين ما دام قد بذل جهده في طلبه، وينتج عن قولهم: إن الحق لا يتعدد، ولكن بما أنه لا يمكن معرفته يقينًا، فكل مجتهد مصيب.

  4. واستدل المصوِّبة على قولهم بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.

  5. [١ - الكتاب]

  6. قال اللَّه تعالى في قصة داود وسليمان عليهما السلام مع اختلافهما في الحكم: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: ٧٩] ، فالآية دلت على أن كل مجتهد مصيب، مع اختلافهما، ولو كان أحدهما مخطئًا، لما وصفه القرآن بالحكم والعلم، فتبين أن كل مجتهد مصيب.

  7. وناقش العلماء هذا الاستدلال بأن الآية دلت أن كل واحد منهما أوتي حكمًا وعلمًا، وهذا نكرة في سياق النفي، فلا تعم، ولا تدل على الصواب والحكم والعلم في حكم المسألة التي نظراها، والآية حجة عليهم؛ لأن اللَّه تعالى بين بعد ذلك مباشرة أن الحق فيما قضى به سليمان {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} مما يدل أن الحق معه فقط.

    vol. 2, p. 326
  8. [٢ - السنة]

    قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "أصحابي كالنجوم، بأيَّهم اقتدَيْتهُم اهتديتم" (١) ، فالحديث جعل الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى، مع اختلافهم في الأحكام إثباتًا ونفيًا، فدلّ أن كلًّا منهم مصيب.

    1. (١)هذا الحديث رواه ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٩١).
  9. واعترض العلماء على هذا الدليل بأن الحديث ضعيف لا يحتج به في مثل هذه المسألة المهمة، ولو فُرضت صحته، فلا عموم له؛ لأنه لا يلزم من العموم في الأشخاص العموم في الأحوال، كما يمكن حمل الحديث على الاقتداء بالصحابة في الرواية، لا في الرأي والاجتهاد، فالحديث لا يدل على محل النزاع.

  10. [٣ - الإجماع]

  11. ثبت بالتواتر المعنوي أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم اجتهدوا واختلفوا، وأجمعوا على تسويغ الخلاف بينهم، ولم ينكر أحد ذلك، ولم يخطئ بعضهم بعضًا في الاجتهاد، مع احترام الرأي الآخر، وتعظيم بعضهم لبعض، فدل ذلك على أن كل واحد مصيب فيما ذهب إليه، ولو كان المصيب واحدًا والآخر مخطئًا لأنكر عليه، وقد ثبت إنكارهم لمن خالف النص أو الإجماع، مما يدل على أن كل مجتهد مصيب.

  12. واعترض العلماء على هذا الاستدلال، وأنه ثبت أن بعضهم خطّأ، الآخر، وهذا لا يتنافى مع أدب الحوار والخلاف والاحترام، وإن الإنكار يتحتم إذا تعين المخطئ، وهذا غير معين، وكان كل مجتهد يعمل بما غلب

    vol. 2, p. 327على ظنه، وهو مثاب عليه، مع تعدد الأقوال.

  13. [٤ - المعقول]

  14. قرر العلماء أن كل واحد من المجتهدين ملزم باتباع ما غلب على ظنه، فهذا يدل على كونه صوابًا، وأن كل مجتهد مصيب، ولو كان الحق متعينًا في جهة واحدة أو قول واحد، لما وجب على المجتهدين ذلك، ولو كان الحق متعينًا عن اللَّه في باب الاجتهاد في كل مسألة، لنصب عليه دليلًا قطعيًّا دفعًا للإشكال، ويكون الاجتهاد المخالف لذلك فسقًا، وفاعله آثم، كالمخالف في العقليات؛ لأنه حكم بغير ما أنزل اللَّه، وهذا لا ينطبق على المجتهدين، فثبت أن كل مجتهد مصيب.

  15. واعترض العلماء على ذلك بأنه لا يُلزم الشارع بمراعاة وجه الحكمة والمصلحة في ذات التشريع، فقد تكون الحكمة مختصة بعلم اللَّه تعالى، ويدعو المجتهدين للاجتهاد فيها؛ ولأن المجتهد مكلف بالعمل بما أداه إليه اجتهاده، ولم يكلف بإصابة الحق، فلو أداه اجتهاده إلى حكم، لزمه العمل به، ولو كان خطأ في الواقع وعند الله تعالى مما لا يعلمه الإنسان.

  16. كما يترتب على قول المصوبة أن حكم اللَّه تابع لظن المجتهد، وقد يجتهد اثنان ويختلفان، فيقع اجتماع النقيضين أو الضدين، وأن هذا التناقض منسوب للَّه تعالى، وهذا غير مقبول شرعًا (١) .

    1. (١)سنذكر المصادر والمراجع لهذا الرأي وأدلته مع مصادر ومراجع الرأي الثاني فيما يأتي.