ثانيا: المخطئة وأدلتهم
18 paragraphs · vol. 2, p. 327
- vol. 2, p. 327
تقول المخطئة: إن المصيب في الاجتهاد في المسألة واحد، وغيره مخطئ، وإن الحق لا يتعدد، لأن للَّه تعالى حكمًا معينًا في كل واقعة قبل الاجتهاد، فمن أصابه باجتهاده فهو المصيب، ومن لم يصبه فهو المخطئ، فالمصيب واحد، مع إثبات الأجرين للمصيب، والأجر الواحد للمخطئ؛ لأن المجتهد ليس مكلفًا بإصابة الدليل؛ لخفائه وغموضه، لذلك كان معذورًا بخطئه، مأجورًا عند اللَّه على اجتهاده (٢) .
- (٢)انظر دلالة الحديث ومعناه عند الماوردي رحمه اللَّه تعالى في (الحاوي ٢٠/ ١٩٢).
- vol. 2, p. 328
هذا من الناحية النظرية، ومن الناحية العملية فالمجتهد مأمور بالعمل بما أداه إليه اجتهاده، وكذا من اتبعه وقلَّده، وأن مخالفه مصيب في العمل بما وصل إليه اجتهاده، وإن كان مخطئًا في ظن مخالفه (١) ، وهذا قول الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة في قول، وهو التحقيق عند الحنفية، وعند معظم الفقهاء.
قال الإمام أحمد: إن الحق واحد عند اللَّه، فليس كل مجتهد مصيبًا، ولكن المصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد؛ لتحريه الصواب وطلبه إياه.
وقال ابن النجار الفتوحي الحنبلي: "والمسألة الظنية: الحق فيها واحد عند الله تعالى، وعليه دليل، وعلى المجتهد طلبه حتى يظن أنه وصله، فمن أصابه فمصيب، وإلا فمخطئ مثاب عند أحمد وأكثر أصحابه، وقاله الأوزاعي ومالك والشافعي ... ، وذكره أبو المعالي (الجويني) عن معظم الفقهاء" ثم قال: "ولا يأثم مجتهد في حكم شرعي اجتهادي، ويثاب عند الأربعة؛ وخالف الظاهرية وجمع" (٢) .
- (١)وقع اختلاف فقهي في مسألة يُظن أنها مترتبة على اختلاف بين المصوّبة والمخطئة، والواقع أنها مبنية على أدلة أخرى، وهي من اشتبهت عليه القبلة واجتهد، وصلى إلى جهة غلب على ظنه أنها جهة القبلة، ثم بان له يقين الخطأ، فقال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: يلزمه القضاء لفوات الحق، والخطأ ينفي الإثم دون القضاء، كما ينبغي التأثيم دون التضمين في باب الغرامات، وهذا يتفق مع قول المخطئة، وعند الحنفية: لا يلزمه القضاء، لتصويبه فيما مضى، وإن بان أنه خطأ، وهذا يتفق مع قول المصوبة من الحنفية (انظر: تخريج الفروع على الأصول، للزنجاني، تحقيق الدكتور محمد أديب صالح ص ٢٦، الحاوي ٢٠/ ١٩٠).
- (٢)شرح الكوكب المنبر (٤/ ٤٨٩، ٤٩١)، وانظر: المستصفى (٢/ ٣٥٧، ٣٦٣)، الإحكام للآمدي (٤/ ١٨٣)، الرسالة للشافعي ص ٤٨٩، ٤٩٦، المحصول (٣/ ٤٧، ٨٨)، التبصرة ص ٤٩٦، المنخول ص ٤٥٣، نهاية السول (٣/ ٢٤٦)، البرهان (٢/ ١٣١٩)، المعتمد (٢/ ٩٤٩، ٩٥٦، ٩٦٤)، فواتح الرحموت (٢/ ٣٨٠)، كشف الأسرار (٤/ ١٦، ١٨، ٢٥)، تيسير التحرير (٤/ ٢٠٢)، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٨، ٤٣٩، البحر المحيط (٦/ ٢٣٦)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٨٩)، إرشاد الفحول ص ٢٥٩، الحاوي للماوردي (٢٠/ ١٨٩)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ١٠٩٦)، أصول = = الأحكام ص ٣٧٢، علم أصول الفقه، خلاف ص ٢٢٠.
- vol. 2, p. 329
واستدل الجمهوز على قولهم بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
-
[١ - الكتاب]
قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] ، قال الماوردي رحمه اللَّه تعالى: "وقد نسب اللَّه تعالى نبيه داود إلى الخطأ، وسليمان إلى الإصابة" (١) ، وتدل الآية أن اللَّه تعالى خصص سليمان بفهم الحق في الواقعة، دون داود، حتى يكون التخصيص مفيدًا، فتبين أن حكم اللَّه واحد، وأن المصيب فيه واحد.
- (١)الحاوي (٢٠/ ١٩٠).
-
لكن اعترض بعض العلماء على هذا الاستدلال بأن الدلالة على عدم فهم داود كانت بطريق المفهوم، وهو مختلف بالاحتجاج به.
-
[٢ - السنة]
قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإن اجتهد فاخطأ فله أجر" (٢) ، وهذا يدل على أن الاجتهاد قسمان: صواب وخطأ، وأن المجتهد قد يُصيب وقد يخطئ، وأن من أصاب الحق فهو المصيب، وما عداه فهو مخطئ، فالحق واحد لمن أصابه، ولو كان الحق متعددًا لكان كل مجتهد مصيبًا، وهو خلاف الحديث.
- (٢)هذا الحديث سبق بيانه.
-
واعترض بعض العلماء على الاستدلال، بأن الحديث لا يدل على محل النزاع في كون الحق واحدًا، والمصيب واحدًا، بل يدل فقط على أن المجتهد إذا اجتهد في مسألة منصوص عليها، أو مجمع عليها، وأصاب، فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
-
واستدل الجمهور بحديث صريح في محل النزاع، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - لأمير السرية: "وإنْ طلبَ منك أهلُ حصن النزولَ على حكم اللَّه، فلا تُنْزِلْهم على حكمِ اللَّه، فإنَّك لا تدري: أتصيبُ حكمَ اللَّه فيهم أم لا" (٣) ، وتأكد ذلك مع سيدنا علي وابن عباس
vol. 2, p. 330رضي اللَّه عنهم في مناظرة ومجادلة الخوارج بالمعقول.
- (٣)هذا الحديث رواه مسلم، والترمذي وصححه، وابن ماجه وأحمد من حديث طويل = = عن بريدة رضي اللَّه عنه، في باب الدعوة قبل القتال (نيل الأوطار ٧/ ٢٤٣).
-
[٣ - الإجماع]
-
اجتهد الصحابة رضي اللَّه عنهم في القضايا التي لا يوجد فيها نص، وأبدى المجتهدون منهم رأيهم في ذلك، وأجمعوا على إطلاق لفظ الخطأ في الاجتهاد الذي صدر منهم مما يدل على أن الحق واحد، فمن أصابه فهو مصيب، ومن أخطأه فهو مخطئ، والأمثلة من تاريخ الصحابة كثيرة، منها:
قال أبو بكر رضي اللَّه عنه عندما سئل عن الكَلالة، وهم الذين لا والد لهم ولا ولد، قال: "أقول فيها برأيي، فإنْ يكنْ صوابًا فمن اللَّه، وإنْ كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسولهُ منه بريئان" .
وقال عمر رضي اللَّه عنه لكاتبه: "اكتب: هذا ما رأى عمر، فإن يكن خطأ فمنه، وإن يكن صوابًا فمن اللَّه" ، وقال للمرأة التي اعترضت عليه في تحديد المهر: "أصابت امرأة، وأخطأ عمر" .
-
وقال علي رضي اللَّه عنه في المرأة التي استدعاها عمر، فأجهضت ما في بطنها، وردّ على عثمان وعبد الرحمن بن عوف القائلين لعمر: "إنما أنت مؤدب، لا نرى عليك شيئًا" ، فقال علي: "إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وإن لم يجتهدا فقد غشاك، أرى عليك الدِّية" .
-
وقال ابن مسعود في المفوِّضة التي مات عنها زوجها قبل الدخول، وليس لها صداق مفروض، قال: أقول فيها برأي، فإن كان صوابًا فمن اللَّه ورسولهِ، وإنْ كان خطأ فمني ومن الشيطان، إنَّها تستحقُّ مهرَ المثل في تركة المتوفى ".
-
وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما في إنكار العَوْل في الفرائض: "من شاء باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددًا، لم يجعل في مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا، هذان نصفان ذهبا بالمال، فأين موضوع الثلث؟ " والمباهلة: الملاعنة على عادة العرب، وذكرها القرآن الكريم (١) .
- (١)نصب الراية (٤/ ٦٤)، تفسير ابن كثير (١/ ٤٦٧)، المستدرك (٤/ ٣٤٠)، السنن = = الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٥٦)، الحاوي (٢٠/ ١٩١)، وانظر مسألة العول والآراء فيها في كتابنا: الفرائض والمواريث والوصايا ص ٢٣٨ وما بعدها.
- vol. 2, p. 331
وأخبار الصحابة كثيرة في الخطأ والصواب في الاجتهاد، وأن الحق واحد، مما يؤيد قول الجمهور القائلين بالتخطئة، وأن الحق واحد، والمصيب واحد.
-
واعترض بعض العلماء على الاستدلال بهذه الآثار والإجماع أنها خاصة في غير الأهل للاجتهاد، أو الأهل للاجتهاد إذا قصر، أو لم يقصر، ولكنه خالف النص والإجماع والقياس الجلي.
-
[٤ - المعقول]
-
إن القول بتعدد الحق، وتصويب المجتهدين المختلفين في النفي والإثبات، أو الحل والحرمة، أو الصحة والفساد في مسألة واحدة وزمن واحد، يؤدي إلى اجتماع النقيضين أو الضدين، ونسبته إلى الشرع، وهذا محال وباطل، فكل ما يؤدي إليه فهو باطل.
-
واعترض بعض العلماء على هذا الاستدلال بأن التناقض الممنوع إذا كان في شخص واحد، وحالة واحدة، أما بالنسبة لشخصين أو لحالين، فليس تناقضًا، ولا ممنوعًا، فالمقيم يصلي أربعًا، ويفصل بين الصلاتين، ويصوم، فإن سافر صلى قصرًا، وجمع بين الصلاتين، وأفطر، والميتة محرَّمة في الأحوال العادية، وتحل لنفس الشخص عند الضرورة، ولا تناقض في ذلك، ومثله الاجتهاد والاختلاف فيه بين شخصين، كل منهما حكم بما أداه إليه اجتهاده بالحل أو بالحرمة، ولا تناقض في ذلك، وهو الواقع (١) .
- (١)انظر هذه الآراء وأدلتها ومناقشتها في: المستصفى (٤/ ٣٥٢، ٣٦٠)، الإحكام للآمدي (٤/ ١٧٨، ١٨٢)، المحصول (٣/ ٤١، ٤٦، ٥٠)، الإحكام لابن حزم (٢/ ٦٤٧، ٦٥٨، ١١٥٩)، البرهان (٢/ ١٣١٦، ١٣٢٠)، المعتمد (٢/ ٩٤٩، ٩٥٨)، كشف الأسرار (٤/ ١٧)، فواتح الرحموت (٢/ ٣٧٧)، تيسير التحرير (٤/ ١٩٤)، مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٩٤)، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٨، البحر المحيط (٦/ ٢٣٦، ٢٤١)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩١)، المسودة ص ٤٩٥، ٤٩٧، التبصرة ص ٤٩٦، مختصر الطوفي ص ٢٥٩، إرشاد الفحول ص ٢٥٩، الروضة ص ٣٦٢، ٣٦٨، = = أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ١٠٩٦)، أصول الأحكام ص ٣٧٢، الحاوي (٢٠/ ١٩١)، علم أصول الفقه، خلاف ص ٢٢٠.