القسم الثالث في المباحث المشتركة

5 paragraphs · vol. 1, p. 343

  1. القسم الثالث في المباحث المشتركة بين الحقيقة والمجاز وفيه مسائل المسألة الأولى في أن دلالة اللفظ بالنسبة إلى المعنى قد تخلو عن كونها حقيقة ومجازا أما في الأعلام فظاهر وأما في غيرها فالوضع الأول ليس بحقيقة ولا مجاز لأن الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه فالحقيقة لا تكون حقيقة إلا إذا كانت مسبوقة بالوضع الأول والمجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي فيكون هو أيضا مسبوقا بالوضع الأول فثبت أن شرط كون اللفظ حقيقة أو مجازا حصول الوضع الأول فالوضع الأول وجب أن لا يكون حقيقة ولا مجازا المسألة الثانية في أن اللفظ الواحد هل يكون حقيقة ومجازا معا أما بالنسبة إلى معنيين فلا شك في جوازه

    vol. 1, p. 344وأما بالنسبة إلى معنى واحد فإما أن يكون بالنسبة إلى وضعين أو إلى وضع

    vol. 1, p. 343
  2. واحد أما الأول فجائز لأن لفظ الدابة بالنسبة إلى الحمار حقيقة بحسب الوضع اللغوي مجاز بحسب الوضع العرفي وأما الثاني فهو محال لامتناع اجتماع النفي والاثبات في جهة واحدة المسألة الثالثة في أن الحقيقة قد تصير مجازا وبالعكس الحقيقة إذا قل استعمالها صارت مجازا عرفيا والمجاز إذا كثر استعماله صار حقيقة عرفية المسألة الرابعة في أن اللفظ متى كان مجازا فلا بد وأن يكون حقيقة في غيره ولا ينعكس أما الأول فلأن المجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي وهذا تصريح بأنه وضع في الأصل لمعنى آخر فاللفظ متى استعمل في ذلك الموضوع كان حقيقة فيه وأما الثاني فلأن المجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي لمناسبة بينهما وليس يلزم من كون اللفظ موضوعا لمعنى أن يصير موضوعا

    vol. 1, p. 345لشئ آخر بينه وبين الأول مناسبة المسألة الخامسة فيما به تنفصل الحقيقة عن المجاز الفروق المذكورة منها صحيحة ومنها فاسدة أما الصحيحة فنقول الفرق بين الحقيقة والمجاز إما أن يقع بالتنصيص أو الاستدلال

  3. أما التنصيص فمن ثلاثة أوجه أحدها أن يقول الواضع هذا حقيقة وذلك مجاز وثانيها أن يذكر أحدهما وثالثها أن يذكر خواصهما وأما الاستدلال فمن وجوه أربعة أحدها أن يسبق المعنى إلى افهام جماعة أهل اللغة عند سماع اللفظ من دون قرينة فيعلم أنها حقيقة فيه فإن السامع لولا أنه اضطر من قصد الواضعين إلى أنهم وضعوا اللفظ لذلك المعنى لما سبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره

    vol. 1, p. 346وثانيها أن أهل اللغة إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى اقتصروا على عبارات مخصوصة واذا عبروا عنه بعبارات أخرى لم يقتصروا عليها بل ذكروا معها قرينة فيعلم أن الأول حقيقة إذ لولا أنه استقر في قلوبهم استحقاق تلك اللفظة لذلك المعنى لما اقتصروا عليها وثالثها إذا علقت الكلمة بما يستحيل تعليقها به علم أنها في أصل اللغة اللغة غير موضوعة له فيعلم أنها مجاز فيه كقوله تعالى واسئل القرية ورابعها أن يضعوا اللفظ لمعنى ثم يتركوا استعماله إلا في بعض مجازاته ثم استعملوه بعد ذلك في غير ذلك الشئ علمنا كونه مجازا عرفيا مثل استعمال لفظ الدابة في الحمار فالخاصيتان أبي الأوليان للحقيقة والأخريان للمجاز وأما الفروق الضعيفة فقد ذكر مها الغزالي وجوها أربعة

  4. أحدها أن الحقيقة جارية على الاطراد فقولنا عالم لما صدق على ذي علم واحد صدق على كل ذي علم والمجاز ليس كذلك فإنه لما صح واسئل القرية صح واسأل البساط

    vol. 1, p. 347وهذا ضعيف لأن الدعوى العامة لا تصح بالمثال الواحد وأيضا إن أراد باطراد الحقيقة استعمالها في جميع موارد نص الواضع فالمجاز أيضا كذلك لأنه يجوز استعماله في جميع موارد نص الواضع فلا يبقى بينهما فيه فرق وان أراد استعمال الاسم في غير موضع نص الواضع لكونه مشاركا للمنصوص عليه في المعنى فهذا هو القياس وعنده لا قياس في اللغات سلمنا جواز القياس في اللغة لكن دعوى اطراد الحقيقة ممنوعة لأن الحقيقة لا تطرد في مواقع كثيرة الأول أن يمنع منه العقل كلفظ الدليل عند من يقول إنه حقيقة في فاعل الدلالة فإنه لما كثر استعماله في نفس الدلالة لا جرم لم يحسن استعماله في حق الله تعالى إلا مقيدا الثاني أن يمنع السمع منه كتسمية الله تعالى بالفاضل والسخي فإنها ممنوعة شرعا مع حصول الحقيقة فيه الثالث ان تمنع منه اللغة كامتناع استعمال الأبلق في غير الفرس

    vol. 1, p. 348فان اعتذروا عنه بأن الأبلق موضوع للمتلون بهذين اللونين بشرط كونه فرسا فنقول جوز في كل مجاز لا يطرد أن يكون سبب عدم

  5. اطراده ذلك وحينئذ لا يمكن الاستدلال بعدم الاطراد على كونه مجازا وثانيها قال الغزالي رحمه الله امتناع الاشتقاق دليل كون اللفظ مجاز فإن الأمر لما كان حقيقة في القول اشتق منه الآمر والمأمور ولما لم يكن حقيقة في الفعل لم يوجد منه الاشتقاق وهذا ضعيف لما تقدم أن الدعوى العامة لا تصح بالمثال الواحد لأنه ينتقض بقولهم للبليد حمار وللجمع حمر وعكسه أن الرائحة حقيقة في معناها ولم يشتق منها الاسم وثالثها أن تختلف صيغة الجمع على الاسم فيعلم أنه مجاز في أحدهما إذ الأمر الحقيقي يجمع على الأوامر وإذا أريد به الفعل يجمع على أمور

    vol. 1, p. 349وهو ضعيف لأن اختلاف الجمع لا اشعار له ألبتة بكون اللفظ حقيقة في معناه أو مجازا ورابعها أن المعنى الحقيقي إذا كان متعلقا بالغير فإذا استعمل فيما لا تعلق له بشئ كان مجازا فالقدرة إذا أريد بها الصفة كان متعلقا بالمقدور وإذا أطلق على البيان الحسن لم يكن له متعلق فيعلم كونه مجازا فيه وهذا أيضا ضعيف جدا لاحتمال أن يكون اللفظ حقيقة فيهما ويكون له بحسب إحدى الحقيقتين متعلق دون الأخرى والله أعلم