الباب السابع في التعارض الحاصل بين أحوال اللفظ
9 paragraphs · vol. 1, p. 351
- vol. 1, p. 351
الباب السابع في التعارض الحاصل بين أحوال الألفاظ اعلم أن الخلل الحاصل في فهم مراد المتكلم ينبني على خمس احتمالات في اللفظ أحدها احتمال الاشتراك وثانيها احتمال النقل بالعرف أو الشرع وثالثها احتمال المجاز ورابعها احتمال الإضمار وخامسها احتمال التخصيص فإن قلت تركت احتمال الاقتضاء قلت الاقتضاء اثبات شرط يتوقف عليه وجود المذكور ولا يتوقف عليه صحة اللفظ لغة كقول القائل اصعد السطح فإنه يقتضي نصب السلم لكن نصب السلم لا يتوقف عليه وجوب الصعود ولا يتوقف عليه صحة اللفظ
vol. 1, p. 352وإنما قلنا إن الخلل في الفهم لا بد وأن يكون لأحد هذه الخمس لأنه إذا انتقى احتمال الاشتراك والنقل كان اللفظ موضوعا لمعنى واحد واذا انتفى احتمال المجاز والاضمار كان المراد باللفظ ما وضع له فلا يبقى عند ذلك خلل في الفهم واذا انتفى احتمال التخصيص كان المراد باللفظ جميع ما وضع له.
-
واعلم أن التعارض بين هذه الاحتمالات يقع في عشرة أوجه لأنه يقع التعارض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية ثم بين النقل والثلاثة الباقية ثم بين المجاز والوجهين الباقيين ثم بين الاضمار والتخصيص فكان المجموع عشرة
-
المسألة الأولى إذا وقع التعارض بين الاشتراك والنقل فالنقل أولى لأن عند النقل يكون اللفظ لحقيقة مفردة في جميع الأوقات إلا أنه في بعض الأوقات مفرد بالاضافة إلى معنى وفي بعض الأوقات مفرد بالاضافة إلى معنى آخر والمشترك مشترك في الأوقات كلها فكان الأول أولى فإن قبل لا بل الاشتراك أولى لوجوه أحدها أن الاشتراك لا يقتضي نسخ وضع سابق والنقل يقتضيه فالاشتراك أولى من النسخ على ما سيأتي بيانه فوجب أن يكون أولى مما لا يحصل إلا عند حصول النسخ
vol. 1, p. 353وثانيها أن الاشتراك ما أنكره أحد من العلماء المحققين والنقل انكره كثير من المحققين فالأول أولى وثالثها أن الاشتراك إما أن يوجد مع القرينة أو لا يوجد مع القرينة فإن حصلت القرينة معه عرف المخاطب المراد على التعيين وإن لم توجد القرينة معه تعذر عليه العمل فيتوقف وعلى التقديرين لا يخطئ في العمل أما في النقل فربما لا يعرف النقل الجديد فيحمله على المفهوم الأول فيقع الغلط في العمل ورابعها أن الاشتراك يمكن حصوله بوضع واحد فإن المتكلم قد يحتاج إلى التكلم بالكلام المجمل فيقول الواضع وضع هذا اللفظ لهذا ولهذا بالاشتراك
-
أما النقل فيتوقف على وضعه أولا ثم على نسخه ثانيا ثم على وضع جديد ولموقوف على أمر واحد أولى من الموقوف على أمور كثيرة وخامسها أن السامع قد يسمع استعمال اللفظ في المعنى الأول وفي المعنى الثاني ولا يعرف أنه نقل من الأول إلى الثاني فيظنه مشتركا فحينئذ يحصل فيه كل مفاسد الاشتراك مع مفاسد أخرى وهي جهله بكون اللفظ منقولا مع جميع المفاسد الحاصلة من النقل
vol. 1, p. 354وسادسها أن المشترك أكثر وجودا من المنقول فلو كانت المفاسد الحاصلة من المشترك أكثر لكان الواضع قد رجح ما هو أكثر مفسدة على ما هو أقل مفسدة وهو غير جائز والجواب أن الشرع إذا نقل اللفظ عن معناه اللغوي إلى معناه الشرعي فلا بد أن يشتهر ذلك النقل وأن يبلغ إلى حد التواتر وعلى هذا التقدير تزول المفاسد المذكورة والله أعلم المسألة الثانية إذا وقع التعارض بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى ويدل عليه وجهان الأول أن المجاز أكثر في الكلام من الاشتراك والكثرة أمارة الظن في محل الشك الثاني أن اللفظ الذي له مجاز إن تجرد من القرينة حمل على الحقيقة وان لم يتجرد عنها حمل على المجاز فلا يعرى على تعيين المراد والمشترك لا يفيد عين المراد عند العراء عن القرينة فإن قيل بل الاشتراك أولى لوجوه
vol. 1, p. 355أحدها أن السامع للمشترك إن سمع القرينة معه علم المراد عينا فلا يخطئ وإن لم يسمع توقف وحينئذ لا يحصل إلا محذور واحد وهو الجهل بمراد المتكلم أما اللفظ المحمول على المجاز بالقرينة فقد يسمع اللفظ ولا تسمى القرينة وحينئذ يحمل على الحقيقة فيحصل محذوران احدهما الجهل بمراد المتكلم والآخر اعتقاد ما ليس بمراد مرادا وثانيها أن الاشتراك يحصل بوضع واحد على ما تقدم بيانه وأما المجاز فيتوقف على وجود الحقيقة وعلى وجود ما يصلح مجازا وعلى العلاقة التي لأجلها يحسن جعله مجازا وعلى تعذر الحمل على الحقيقة وما يتوقف على شئ واحد أولى مما يتوقف على أشياء وثالثها أن اللفظ المشترك إذا دل دليل على تعذر أحد مفهوميه يعلم منه كون الآخر مرادا والحقيقة إذا دل الدليل على تعذر العمل بها فلا يتعين فيها مجاز يجب حملها عليه
vol. 1, p. 356ورابعها أن اللفظ المشترك يفيد أن المراد هذا أو ذاك ودلالة اللفظ على هذا القدر من المعنى حقيقة لا مجاز والحقيقة راجحة على المجاز فالاشتراك راجح على المجاز وخامسها أن صرف اللفظ إلى المجاز يقتضي نسخ الحقيقة وحمله على الاشتراك لا يقتضي ذلك فكان الاشتراك أولى وسادسها أن المخاطب في صورة الاشتراك يبحث عن القرينة لأن بدون
-
القرينة لا يمكنه العمل فيبعد احتمال الخطأ أما في صورة المجاز فقد لا نبحث عن القرينة لأن بدون القرينة يمكنه العمل فينصرف احتمال الخطأ سابعها أن الفهم في صورة الاشتراك يحصل بأدنى القرائن لأن ذلك كاف في الرجحان أما في صورة المجاز فلا يحصل رجحان المجاز إلا بقرينة قوية جدا لأن أصالة الحقيقة لا تترك إلا لقرينة والجواب أن هذه الوجوه معارضة بما ذكرناه في الباب المتقدم من فوائد المجازات
vol. 1, p. 357المسألة الثالثة إذا وقع التعارض بين الاشتراك والإضمار فالإضمار أولى لأن الاجمال الحاصل بسبب الاضمار مختص ببعض الصور والاجمال الحاصل بسبب الاشتراك عام في كل الصور فكان الاشتراك أخل بالفهم فإن قلت الإضمار يفتقر إلى ثلاث قرائن قرينة تدل على أصل الاضمار وقرينة تدل على موضع الاضمار وقرينة تدل على نفس المضمر والمشترك يفتقر إلى قرينة واحدة فكان الاضمار أكثر إخلالا بالفهم قلت هذا لا ينفعكم لأن الإضمار يحتاج إلى ثلاث قرائن في صورة واحدة والمشترك يحتاج إلى قرائن في صور متعددة فيبقى بعضها معارضا للبعض على أن الإضمار من باب الايجاب والاختصار وهو من محاسن الكلام قال عليه الصلاة والسلام أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام
-
اختصارا وليس المشترك كذلك
vol. 1, p. 358المسألة الرابعة إذا وقع التعارض بين الاشتراك والتخصيص فالتخصيص أولى لأن التخصيص خير من المجاز على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والمجاز خير من الاشتراك على ما تقدم فالتخصيص خير من الاشتراك لا محالة المسألة الخامسة إذا وقع التعارض بين النقل والمجاز فالمجاز أولى لأن النقل يحتاج إلى اتفاق أهل اللسان على تغيير الوضع وذلك متعذر أو متعسر والمجاز يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الحقيقة وذلك متيسر فكان المجاز أظهر فان قلت ما ذكرته معارض بشئ آخر وهو أنه إذا ثبت النقل فهم كل أحد مراد المتكلم بحكم الوضع فلا يبقى خلل في الفهم وفي المجاز إذا خرجت الحقيقة فربما خفي وجه المجاز أو تعدد طريقه فيقع خلل في الفهم قلت ما ذكرتموه يعارضه شيئان آخران
vol. 1, p. 359أحدهما أن الحقيقة تعين على فهم المجاز لأن المجاز لا يصح إلا إذا كان بين الحقيقة والمجاز اتصال وفي صورة النقل اذا خرج المعنى الأول لقرينة لم يتعين اللفظ للمنقول إليه فكان المجاز أقرب إلى الفهم من هذا الوجه
-
الثاني أن في المجاز من الفوائد وليس في النقل ذلك فكان المجاز أولى المسألة السادسة إذا وقع التعارض بين النقل والاضمار فالاضمار (أولى والدليل عليه ما ذكرناه في أن المجاز أولى سواء بسواء المسألة السابعة اذا وقع التعارض بين النقل والتخصيص فالتخصيص أولى لأن التخصيص خير من المجاز على ما سيأتي والمجاز خير من النقل على ما تقدم فالتخصيص خير من النقل المسألة الثامنة اذا وقع التعارض بين المجاز والاضمار فهما سواء لأن كل واحد منهما يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الظاهر
vol. 1, p. 360وكما يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المضمر كذلك يتوقع وقوع الخفاء في تعيين المجاز فان قلت الحقيقة تعين على فهم المجاز فكانت أولى قلت والحقيقة تعين على فهم الإضمار لأن حد الاضمار أن يسقط من الكلام شئ يدل عليه الباقي المسألة التاسعة إذا وقع التعارض بين المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى لوجهين الأول أن في صورة التخصيص اذا لم يقف على القرينة يجريه على عمومه فيحصل مراد المتكلم وغير مراده
-
وفي صورة المجاز اذا لم يقف على القرينة يجريه على الحقيقة فلا يحصل مراد المتكلم ويحصل غير مراده الثاني أن في صورة التخصيص انعقد اللفظ دليلا على كل الأفراد فاذا خرج البعض بدليل بقي معتبرا في الباقي فلا يحتاج فيه إلى تامل واستدلال واجتهاد وفي صورة المجاز انعقد اللفظ دليلا على الحقيقة فاذا خرجت الحقيقة بقرينة احتيج في صرف اللفظ إلى المجاز إلى نوع تأمل واستدلال فكان التخصيص أبعد عن الاشتباه فكان أولى المسألة العاشرة إذا وقع التعارض بين الإضمار والتخصيص فالتخصيص أولى
vol. 1, p. 361والدليل عليه أن التخصيص خير من المجاز والمجاز والاضمار سيان فيلزم أن يكون التخصيص خيرا من الإضمار فروع الأول أنك ستعرف إن شاء الله تعالى أن النسخ تخصيص في الأزمان فحيث رجحنا التخصيص على الاشتراك فإنما أردنا به التخصيص في الأعيان أما لو وقع التعارض بين الاشتراك والنسخ فالاشتراك أولى لأن النسخ يحتاط فيه ما لا يحتاط في تخصيص العام ألا ترى أنه يجوز تخصيص العام بخبر الواحد والقياس ولا يجوز نسخ العام بهما والفقه فيه أن الخطاب بعد النسخ يصير كالباطل وبعد التخصيص لا يصير كالباطل فلا جرم يحتاط في النسخ ما لا يحتاط في التخصيص
-
الثاني أن اللفظ اذا دار بين التواطؤ والاشتراك فالتواطؤ أولى لأن مسمى اللفظ المتواطئ واحد والتعدد واقع في محاله ومسمى المشترك ليس بواحد والافراد أولى من الاشتراك على ما تقدم بيانه الثالث إذا وقع التعارض بين أن يكون مشتركا بين علمين وبين معنيين كان
vol. 1, p. 362جعله مشتركا بين علمين أولى لأن الاعلام إنما تنطلق على الأشخاص المخصوصة كزيد وعمرو وأما أسماء المعاني فإنها تتناول المسمى في أي ذات كان فكان اختلال الفهم بجعله مشتركا بين علمين أقل فكان أولى الرابع جعل اللفظ مشتركا بين علم ومعنى أولى من جعله مشتركا بين معنيين لأن الاختلال الحاصل عند الاشتراك بين العلم ولمعنى أقل مما عند الاشتراك بين المعنيين الخامس اللفظ إذا تناول الشئ بجهة الاشتراك وبجهة التواطؤ كان اعتقاد أنه مستعمل بجهة التواطؤ أولى وبيانه ان لفظ الأسود يتناول القار والزنجي بالتواطؤ ويتناول القار والرجل المسمى بالأسود بالاشتراك فاذا وجد شخص أسود ومسمى بالأسود ثم أطلق عليه لفظ الأسود فاعتقاد أنه أطلق عليه هذا الاسم باعتبار كونه ملونا أولى لأن الاطلاق بهذا الاعتبار اطلاق بجهة التواطؤ والاطلاق بجهة التلقيب اطلاق بجهة الاشتراك والتواطؤ أولى من الاشتراك فكان ذلك أولى والله أعلم