٢٥٨ - فضل الصبر على الجوع والفقر، وذم الشبع

27 paragraphs · vol. 1, p. 312

  1. قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه سئل عن قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أعوذ بك من الفقر" (١) . كيف هذا وفي الفقر ما فيه من الفضل؟

    vol. 1, p. 313فقال: إنما استعاذ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من فقر القلب (١) .

    1. (١)رواه الإمام أحمد ٢/ ٣٠٥، وأبو داود (١٥٤٤)، والنسائي ٨/ ٢٦١، والبخاري في "الأدب المفرد" (٦٧٨)، وابن حبان ٣/ ٣٠٥ (١٠٣٠)، والطبراني في "الدعاء" ٣/ ١٤٢٦ (١٣٤١) والحاكم ١/ ٥٤٠ - ٥٤١، والبيهقي ٧/ ١٢ من طرق عن حماد ابن سلمة، عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللهم إنِّي أعوذ بك من الفقر، والقلة، والذلة وأعوذ بك أن أَظلِمَ أو أُظلَمَ". قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. = قال الألباني في "صحيح أبي داود" (١٣٨١): هذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فهو من رجال مسلم. وانظر: "الإرواء" (٨٦٠). وروى الإمام أحمد ٦/ ٥٧، والبخاري (٦٣٦٨)، ومسلم (٥٨٩/ ٤٩) من حديث عائشة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يدعو بهؤلاء الدعوات. . . وفيه "ومن شر فتنة الفقر".
    2. (١)هذا التفسير إنما أخذه الإمام أحمد من حديث أبي ذر مرفوعًا: "يَا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟ " قلت: نعم يَا رسول اللَّه. قال: "فترى قلة المال هو الفقر؟ " قلت: نعم، يَا رسول اللَّه. قال: "إنما الغنى عنى القلب والفقر فقر القلب. . " الحديث بطوله. رواه النسائي كما في "تحفة الأشراف" ٩/ ١٥٧ مختصرًا، وابن حبان ٢/ ٤٦٠ (٦٨٥)، والطبراني في "مسند الشاميين" ٣/ ١٧٤ (٢٠٢٠)، والحاكم ٤/ ٣٢٧، والبيهقي في "الشعب" ٧/ ٢٩٠ (١٠٣٤٤). قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وصححه الألباني في "الصحيحة" (٣٣٥٠).
    vol. 1, p. 312
  2. "سؤالات الأثرم" (٢٢)

    قال المروذي: وقال أبو عبد اللَّه: كأنك بالموت وقد فرق بيننا، ما أعدل بالفقر شيئًا، أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء، إنِّي لأتمنى الموت صباحًا ومساءً؛ أخاف أن أفتن في الدنيا.

  3. "الورع" (١٦)

    قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء، وقال: ما أعدل بالفقر شيئًا.

  4. "الورع" (١٥٢)

    قال المروذي: ذكرت لأبي عبد اللَّه: رجلًا صبورًا على الفقر في إطمار، فكان يسألني عنه، ويقول: اذهب حتَّى تأتيني بخبره، سبحان اللَّه الصبر على الفقر! ما أعدل بالصبر على الفقر شيئًا، تدري الصبر على الفقر أي شيء هو؟ وقال: كم بين من يُعْطى من الدنيا ليفتتن إلى آخر تُزوى عنه.

    vol. 1, p. 314وقال المروذي: ذكرت لأبي عبد اللَّه: الفضل وعريه، وفتح الموصلي وعريه وصبره؛ فتغرغرت عينه وقال: رحمهم اللَّه، كان يقال: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.

  5. "الورع" (٢٦٦ - ٢٦٧)

    قال المروذي: وقال لي أبو عبد اللَّه يومًا: إنِّي لأفرح إذا لم يكن عندي شيء.

  6. وجاءه ابنه الصغير بعقب هذا الكلام، فطلب منه، فقال: ليس عند أبيك قطعة، ولا عندي شيء.

  7. "الورع" (٢٨٠)

    قال المروذي: قلتُ لأبي عبد اللَّه؛ أحمد بن حنبل -رضي اللَّه عنه-: إن أصحاب التقلل يقولون: ليس شيء أفضل من القلة والجوع، وإذا عود الرجل نفسه ألا يأكل إلَّا في كلِّ يومين أو ثلاثة آجر له، وهو بمنزلة من تعود صيام الدهر؟

    قال: إنما يجوز هذا لمن كان وحده، فأما من كان معيلًا فكيف يقوى؟ لقد أفطرت أمس، ودعتني نفسي إلى أن أفطر اليوم، ما أعدل بالفقر شيئًا. إنِّي لأذكر أولئك الفتيان أصحاب الصلاة.

    ثم قال: إذا شبعوا مِنَ الخبز والتَّمر فأيش يريدون؟ وجعل يعظم أمر الجوع والفقر.

  8. "الورع" (٣٢١)

    قال المروذي: قلتُ لأبي عبد اللَّه: يؤجر الرجل في ترك الشهوات؟

    قال: وكيف لا يؤجر، وابن عمر يقول: ما شبعتُ منذ أربعة أشهر (١) ؟

    vol. 1, p. 315قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: لا يجد الرجل من قلبه رقة وهو يشبع؟

    قال: ما أرى.

    وقال معاذ الخلال وغيره من أصحابنا: كان محمد بن الحسين يزن قوته.

    1. (١)رواه الإمام أحمد في "الزهد" ص ٢٣٧، وابن أبي الدنيا في "الجوع" (٥٩)، والطبري في "تهذيب الآثار" ٢/ ٧١٩ (١٠٣٩)، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٣٠٠.
  9. عن ابن سيرين قال: قال رجل لابن عمر: ألا أجيئك بجوارش؟

    قال: وأي شيء هو؟ قال: شيء يهضم الطعام إذا أكلته!

    قال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، فليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركتُ أقوامًا، يجوعون أكثر مما يشبعون (١) .

    1. (١)انظر تخريج الحديث السابق.
  10. حدثنا عاصم بن عمر بن حمزة بن عبد اللَّه بن عمر قال: كنت جالسًا مع أبي، فمر رجلٌ، فقال: أخبرني ما قلتَ لعبد اللَّه بن عمر، يوم رأيتَك تكلمه بالجرف؟ قال: قلتُ: يَا أبا عبد الرحمن رقت مضغتك، وكبر سنك، وجلساؤك لا يعرفون لك حقك، ولا شرفك، فلو أمرت أهلك أن يجعلوا لك شيئًا؛ يلطفوك إذا رجعت إليهم!

    قال: ويحك، واللَّه ما شبعتُ منذ إحدى عشرة سنة، ولا اثنتي عشرة سنة، ولا ثلاث عشرة سنة، ولا أربع عشرة سنة، مرة واحدة، فكيف بي، وإنما بقي منه كظمئ الحمار.

  11. عن النعمان بن بشير قال: سمعت عمر بن الخطاب -وذكر ما أصاب الناس من الدنيا- فقال: لقد رأيتُ نبيكم -صلى اللَّه عليه وسلم- يلتوي؛ ما يجد دقلًا يملأ به بطنه (٢) .

    1. (٢)رواه الإمام أحمد ١/ ٥٠، ومسلم (٢٩٧٨/ ٣٦).
  12. أخبرني يحيى بن جابر قال: سمعتُ المقدام يقول: سمعتُ رسول اللَّه

    vol. 1, p. 316-صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "ما ملَأَ آدَمِيٌّ وِعاءً، شرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْب ابن آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كانَ لا مَحالةَ، فَثُلُثٌ لِطَعامِ، وثُلُثٌ لِشَرابِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ" (١) .

    1. (١)رواه الإمام أحمد ٤/ ١٣٢، والترمذي (٢٣٨٠)، والنسائي في "الكبرى" ٤/ ١٧٧ (٦٧٦٩) من هذِه الطريق. ورواه ابن ماجه (٣٣٤٩) من طريق محمد بن حرب، عن أمه، عن أمها أنها سمعت المقدام من الحديث. وصححه الحاكم ٤/ ٣٣١ - ٣٣٢. وحسنه الحافظ في "الفتح" ٩/ ٥٢٨، وصححه الألباني في "الإرواء" (١٩٨٣).
  13. عن عروة، عن عائشة قالت: والذي بعث محمدًا بالحق، ما رأى منخلًا, ولا أكل خبزًا منخولًا منذ بعثه اللَّه إلى أن قبض.

    قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول: أُف أُف.

  14. حدثنا ابن لهيعة؛ أن بكر بن سوادة أخبره؛ أن حنشًا حدثه؛ أن أم أيمن غربلت دقيقًا؛ لتصنع لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رغيفًا، فمر بها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "ما هذا؟ " قالت: طعام صنعته في أرضنا، وأحببتُ أن أصنع لك رغيفًا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رُدِّيه، ثم اعجنيه" (٢) .

    1. (٢)رواه ابن ماجه (٣٣٣٦)، ونعيم بن حماد في زوائده على "الزهد" لابن المبارك (١٩٩٩)، وابن أبي الدنيا في "الجوع" (١٧٤)، وأبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٦٧ - ٦٨، وحسن إسناده البوصيري في "الزوائد" (١٠٩٦)، والألباني في "صحيح ابن ماجه" (٢٦٩٦).
  15. "الورع" (٣٢٢ - ٣٢٩)

    قال المروذي: قرأت على أبي عبد اللَّه: أحمد بن الحجاج قال: حدثني مسلمة بن عبد الملك قال: دخلتُ على عمر بن عبد العزيز بعد الفجر -في بيت كان يخلو فيه، فلا يدخل عليه أحد- فجاءته جارية بطبقٍ عليه تمر صيحاني -وكان يعجبه التمر- فرفع بكفه منه، فقال:

    vol. 1, p. 317يَا مسلمة! أترى لو أن رجلًا أكل هذا، ثم شرب عليه من الماء أكان يجزيه إلى الليل؟ قلت: لا أدري.

    قال: فرفع أكثر منه. فقال: هذا؟

    قلت: نعم يَا أمير المؤمنين، كان كافيه دون هذا، حتَّى لا يبالي أن لا يذوق طعامًا غيره.

    فقال: فعلَام يدخل النار!

    قال مسلمة: فما وقعت مني موعظة ما وقعت هذِه.

  16. حدثني محمد بن إدريس البزار قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم من الحلال؛ لأنه إذا شبع من الحلال، دعته نفسه إلى الحرام، فكيف من هذِه الأقذار؟ !

  17. سمعتُ بعض أصحابنا - وهو: أبو حفص؛ ابن أخت بشر- قال: سمعت بشرًا يقول: ما شبعت منذ خمسين سنة.

  18. سمعتُ أبا نصر التمار يقول: قال لي بشر بن الحارث: إنِّي لأشتهي هذا الباذنجان منذ عشرين سنة.

  19. حدثنا عباد بن راشد، عن الحسن قال: قيل لسمرة: إن ابنك قد بشم الليلة. فقال: لو مات ما صليت عليه.

  20. عن عمرو بن الأسود العنسي؛ أنه كان يدع كثيرًا من الشبع؛ مخافة الأشر.

  21. "الورع" (٣٣٠ - ٣٥٣)

    قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا الفضل، عن الحسن: قال لقمان لابنه: يا بني، لا تأكل شبعًا فوق شبع، فإنك إن تُلْقِه بنَبْذِه للكلب خير لك من ذلك.

  22. "الزهد" ص ٩٧

    vol. 1, p. 318قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الملك بن عمير، حدثنا عباد، عن الحسن قال: قيل لسمرة: إن ابنك لم ينم الليلة. قال: أبشمًا (١) ؟ قيل: بشمًا، قال: لو مات لم أصل عليه.

    1. (١)كلمة تعني: التخمة. انظر "لسان العرب" ١/ ٢٩٠.
  23. "الزهد" ص ٢٤٨

    قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا مهدي، عن محمد بن سيرين قال: أعرس ابن أخت لنا فصنع طعامًا؛ فقال ابن سيرين: كان الرجل من أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- يمكث أيامًا لا يأكل، فإذا وجد جلدة اجتزأ بها، فإن لم يجد عصب على بطنه حجرًا.

  24. "الزهد" ص ٣٧٥

    قال عبد اللَّه: قرأت على أبي: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت أن عسعسًا كان يقول: تعال فلنجعل يومنا طرسًا: يعني: الطرس الذي لا يأكل ولا يشرب.

  25. "الزهد" ص ٣٧٩

    قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا هاشم، حدثنا المبارك، عن الحسن قال: أتى رجل عمر -رضي اللَّه عنه- وهو ينهج قد ركبه اللحم، قال: ما هذا؟ قال: بركة اللَّه يَا أمير المؤمنين قال: كذبت، بل هو عذاب اللَّه، وهو يقول: هاه هاه.

  26. "الزهد" ص ٤٧٧

    قال ابن الجوزي: أَخبرنا محمد بن أَبي منصور، قال: أَنبأَنا الحسن بن أَحمد بن البنا، قال: الحسن بن محمد الخلال، قال: ثنا أبو بكر أَحمد بن محمد بن غالب، قال: قرأتُ على أَبي بكر محمد بن أَحمد بن جعفر بن يزيد بن خالد الفامي، حدثنا محمد بن العباس المُسْتَمْليّ، قال: حدثنا

    vol. 1, p. 319أبو بكر المَرُّوذي، قال سمعتُ أَحمد بن حنبل، يقول: ما أعدل بالفقر شيئًا، أتدري الصبر على الفقر أي شيء هو؟ قد رأيتُ قومًا صالحين: لقد رأيتُ عبد اللَّه بن إدريس وعليه جبة لبود، وقد أتى عليه السنون والدهور، ولقد رأيتُ أبا داود الحفري وعليه جبة مخرقة، قد خرج القطن منها، يصلي بين المغرب والعشاء وهو يترجَّح من الجوع، ورأيتُ أيوب بن النجار بمكة وقد خرج مما كان فيه ومعه رشاء يستقي به في مكة وقد خرج من كل ما يملكه، وكان من العابدين، وكان في دنيا فتركها في يدي يحيى القطان، وقد رأيتُ ابن بجالة العابد وكنتُ أسمع صوت خفه في الطواف بالليل، ولقد كان في المسجد رجل يقال له: العَرَفي، يقوم من أول الليل إلى الصباح يبكي.

    قال: فاشتهيتُ النظر إليه، فإذا هو شاب مصفر، ولقد رأيتُ حسينًا الجُعْفيّ، وكان يُشَبّه بالراهب، ما رأيتُ بالكوفة أفضل من حُسيْن الجُعْفِيّ، وسعيد بن عامر بالبصرة.

  27. "المناقب" ٨١