القاعدة: [٥٢] ١٣ - لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان

77 paragraphs · vol. 1, p. 353

Page 1 of 2

  1. ١٣ - لا يُنكر تغيُّر الأحكام بتغير الأزمان (م/٣٩)

    vol. 1, p. 353
  2. التوضيح

    قد يكون بعض الأحكام الشرعية يبنى على عرف الناس وعاداتهم، فإذا اختلفت العادة عن زمان قبله، تتغير كيفية العمل بمقتضى الحكم، وأما ما أصله على غير ذلك فلا تتغير..

  3. فالأحكام الشرعية الاجتهادية تنظم ما أوجبه الشرع الذي يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد، فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية، فكم من حكم كان تدبيراً نافعاً لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو يفضي إلى عكسه، وعلى هذا أفتى كثير من الفقهاء في شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم الأولون.

    قال ابن عابدين: كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله

    لحدوث ضرورة أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان أولاً، للزم المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، ولهذا نرى مشايخ المذهب (الحنفي) خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمانهم لقال بما قالوا به، أخذاً من قواعد مذهبه. أهـ.

  4. فلا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، أي بتغير عرف أهلها وعادتهم، فإذا كان عرفهم وعادتهم يستدعيان حكماً ثم تغيرا إلى عرف وعادة أخرى فإن الحكم يتغير إلى ما يوافق ما انتقل إليه عرفهم وعادتهم.

    vol. 1, p. 354
  5. وإن ذلك مقرر ومسلم وثابت في الشرع، وهو سنة الله سبحانه في تشريعه لعباده، فإنه تعالى حين بدأ خلق الإنسان، وكان الحال ضيقاً لقلة عدد الذرية أباح نكاح الأخت لأخيها، ووسع في أشياء كثيرة، وبقي ذلك إلى أن حصل الاتساع، وكثرت الذرية، فحرم ذلك في زمن بني إسرائيل، وحَرّم عليهم السبت والشحوم ولحوم الإبل وأموراً كثيرة، وكانت توبة الإنسان بقتله، وإزالة النجاسة بقطعها، إلى غير ذلك من التشديدات، ثم لما جاء آخر الزمن، وضعف التحمل، وقلّ الجلد، لطف الله سبحانه بعباده، وخفف عنهم بإحلال تلك المحرمات، ورفع تلك التكليفات

    وقبول التوبات، كل ذلك بحسب اختلاف الأحوال والأزمان، سنة الله الجارية في خلقه.

  6. وقيل: تغير الأحكام إحداثها وابتداء سنّها بعد أن لم تكن، كما فعل عمر بن عبد العزيز، فإنه قال: ستحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.

  7. وإذا ادُّعي اختلاف الأحوال إلى تغير بعض الأحكام، أو إثبات أحكام، فلا بدَّ أن تكون تلك الأحكام المسنونة بحال تشهد لها قواعد الشرع بالاعتبار، أو تكون بحال إذا لم تشهد لها بالاعتبار لا تشهد عليها بالإبطال، كان تكون من المصالح المرسلة، وهي التي لم يشهد الشرع باعتبارها ولا بإلغائها، ولوحظ فيها جهة منفعة، فإنها يجوز العمل بها، وإن لم يتقدمها نظير في الشرع يشهد باعتبارها، كما وقع لسيدنا الصديق في توليته عهد الخلافة لعمر رضي الله عنهما، وكترك الخلافة شورى بين ستة، وكتدوين الدواوين، وضرب السكة، واتخاذ السجون، وغير ذلك كثير مما دعا إلى سنّه تغير الأحوال والأزمان، ولم يتقدم فيه أمر من الشرع، وليس له

    vol. 1, p. 355نظير يلحق به، ولوحظ فيه جهة مصلحة، كما تقتضي القاعدة الأخرى "الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة" (م/ ٣٢) .

  8. ولكن ما الأحكام التي يجب تغييرها بتغير الزمان؟ وما الأحكام التي لا يجوز

    تغييرها بتغير الزمان؟

  9. والجواب: أنه اتفقت كلمة المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية التي بُنيت على القياس ودواعي المصلحة.

  10. فإذا أصبحت لا تتلاءم وأوضاع الزمان ومصلحة الناس وجب تغييرها، وإلا كانت عبثاً وضرراً، والشريعة منزهة عن ذلك، ولا عبث فيها.

  11. أما الأخكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها بنصوصها الأصلية: الآمرة والناهية، كحرمة الظلم، وحرمة الزنى، والربا، وشرب الخمر والسرقة، وكوجوب التراضي في العقد، ووجوب قمع الجرائم وحماية الحقوق، فهذه لا تتبدل بتبدل

    الزمان، بل هي أصول جاءت بها الشريعة لإصلاح الزمان والأجيال.

  12. ولكن وسائل تحقيقها، وأساليب تطبيقها، قد تتبدل باختلاف الأزمنة

    والمحدثات، فوسيلة حماية الحقوق مثلاً، وهو القضاء كانت محاكمه تقوم على

    أسلوب القاضي الفرد، وقضاؤه على درجة واحدة قطعية، فيمكن أن تتبدل إلى أسلوب محكمة الجماعة، وتعدد الدرجات للاحتياط، فالتبدل في الحقيقة في مثل هذه الأحكام، ما هو إلا تبدل الوسائل للوصول إلى الحق، والحق ثابت لا يتغير.

  13. والحقيقة أن الأحكام الشرعية التي تتبدل بتبدل الزمان، المبدأ الشرعي فيها

    واحد، وهو إحقاق الحق، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وليس تبدل الأحكام إلا تبدل الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإن تلك الوسائل والأساليب في

    vol. 1, p. 356الغالب لم تحددها الشريعة الإسلامية، بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كل زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً، وأنجح في التقويم علاجاً.

  14. والضابط في هذه القاعدة أن الأحكام المبنية على المصلحة والعرف تتغير بتغير

    مصالح الناس وأعرافهم وعوائدهم مع تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال.

  15. التطبيقات

    أ - لما كان لون السواد في زمن الإمام أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، يعدّ عيباً قال بان الغاسب إذا صبغ الثوب بالسواد يكون قد عيبه، ثم بعد ذلك لما تغير عرف الناس، وصاروا يعدونه زيادة، قال الصاحبان: إنه زيادة.

  16. (الزرقا ص ٢٢٧) .

  17. ٢ - لما كانت الدور تبنى بيوتها على نمط واحد، قال المتقدمون غير زفر: يكفي لسقوط خيار الرؤية رؤية بيت منها، ولما تبدلت الأزمان، وصارت بيوت الدور تبنى على كيفيات مختلفة، واختلف طراز الإنشآءات وصارت الدار يختلف بعض بيوتها عن بعض بحسب عادتهم رجح المتأخرون قول زفر من أنه لا بدَّ من رؤية كل البيوت ليسقط الخيار، فهذا ليس اختلاف حجة وبرهان، بل اختلاف عصر وزمان.

  18. (الزرقا ص ٢٢٧، الدعاس ص ٤٣) .

  19. ٣ - قال المتقدمون: إن الدائن ليس له استيفاء دينه من مال المدين حال غيبته إلا إذا كان من جنس حقه، لما كان في زمانهم من انقياد الناس إلى الحقوق، ثم لما انتقلت

    vol. 1, p. 357عادة الناس إلى الجحود، قال الفقهاء: للدائن استيفاء دينه ولو من غير جنس حقه.

  20. (الزرقا ص ٢٢٧) .

  21. ٣ - قال المتقدمون: على الزوجة أن تتابع زوجها بعد الفائه لها معجل مهرها حيث

    أحبّ، لما كان في زمانهم من المودة والوفاء، ثم لما انتقلت عادة الناس إلى العقوق والإضرار، قال المتأخرون: لا تجبر الزوجة على متابعة الزوج إلى غير وطنها الذي

    نكحها فيه، وإن أوفاها معجل مهرها لتغير حال الناس إلى العقوق.

  22. (الزرقا ص ٢٢٧) .

  23. ٤ - لما ندرت العدالة، وعزت في هذه الأزمان المتأخرة قالوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل، والأقل فجوراً فالأقل.

  24. (الزرقا ص ٢٢٩) .

  25. فالشهود الذين يقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولاً، أي ثقات، وهي المحافظة على الواجبات الدينية

    والمعرفة بالصدق والأمانة، إلا أن الكثير من الفقهاء المتأخرين لاحظوا ندرة العدالة الكاملة لكزة الفساد وضعف الذمم والوازع الديني، فإذا تطلب القضاة دائماً العدالة الشرعية في الشهود ضاعت الحقوق لامتناع الإثبات، فلذا أفتوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل من القوم، حيث تقل العدالة، ومعنى الأمثل فالأمثل أي الأحسن فالأحسن حالاً من الموجودين، ولو كان في ذاته غير كامل العدالة بحدها الشرعي.

  26. أي أنهم تنازلوا عن اشتراط العدالة المطلقة إلى العدالة النسجية.

  27. (الدعاس ص ٤٤) .

  28. ٥ - وقالوا مثل ذلك في القضاة وغيرهم، إذا لم يوجد العدول أقمنا أصلحهم وأقلهم فجوراً، لئلا تضيع المصالح، وتتعطل الحقوق والأحكام، فقد حسن ما كان قبيحاً، واتسع ما كان ضيقاً، واختلفت الأحكام باختلاف الأزمان، فإن خيار زماننا هم أراذل أهل العصر الأول، وولاية الأراذل فسوق.

  29. (الزرقا ص ٢٢٩) .

  30. ٦ - جوز الفقهاء تحليف الشهود عند إلحاح الخصم، وكذا إذا رأى الحاكم ذلك لفساد الزمان.

  31. (الزرقا ص ٢٢٩) .

  32. ٧ - جوزوا أيضاً إحداث أحكام سياسية لقمع الدعار وأرباب الجرائم عند كثرة فساد الزمان، وأول من فعله عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، فإنه قال: ستحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.

    vol. 1, p. 358
  33. (الزرقا ص ٢٢٩) .

  34. ٨ - ومما يتفرع على القاعدة: منع عمر بن عبد العزيز عماله عن القتل إلا بعد إعلامه وإذنه به بعد أن كان مطلقاً لهم، لما رأى من تغير حالهم.

  35. (الزرقا ص ٢٢٩) .

  36. ٩ - القيام بالواجبات الدينية، لا يجوز أخذ الأجر عليها، كالإمامة وخطبة

    الجمعة، وتعليم القرآن. . إلخ.

  37. بل على المقتدر أن يقوم بذلك مجاناً، لأنه واجب شرعي، غير أن المتأخرين من الفقهاء لاحظوا قعود الهمم عن هذه الواجبات.

  38. فأفتوا بجواز أخذ الأجرة عليها حرصاً على تعليم القرآن ونشر العلم، وإقامة الشعائر الدينية بين الناس.

  39. (الدعاس ص ٤٣) .

  40. ١٥ - إن المدين - في أصل المذهب الحنفي - تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها، باعتبار أن الديون تتعلق بذمته، فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ فيها تصرفه، وهذا مقتضى القواعد القياسية.