القاعدة: [٥٢] ١٣ - لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان
77 paragraphs · vol. 1, p. 353
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 358
ثم لما فسدت ذمم الناس، وكثر الطمع وقلَّ الورع، وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء المذهبين الحنفي والحنبلي بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين إلا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله.
-
(الدعاس ص ٤٤) .
-
١١ - ورد في "صحيح البخاري " وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ضالة الإبل: هل يلتقطها من يراها لتعريفها وردّها على صاحبها متى ظهر؛ (كضالة الغنم ونحوها من الأشياء الصغيرة التي يخشى عليها) فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التقاطها؛ لأنها لا يخشى عليها
vol. 1, p. 359ما يخشى على غيرها من الضياع، وأمر بتركها ترد الماء، وترعى الكلأ حتى يلقاها ربها، فاستثنى الإبل من حكم التقاط الضالة.
-
فلما كان عهد عثمان بن عفان أمر بالتقاط ضوال الإبل وبيعها، كبقية الضوال، على خلاف ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - واستثناه، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها.
-
وروى ذلك مالك عن ابن شهاب الزهري؛ لأن عثمان رأى أن الناس قد دبَّ إليهم فساد الأخلاق والذمم، وامتدت أيديهم إلى الحرام، فهذا التدبير أصون لضالة الإبل، وأحفظ لحق صاحبها، خوفاً من أن تنالها يد سارق أو طامع.
-
فهو بذلك - وإن خالف أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظاهر - إنما هو موافق لمقصوده.
-
إذ لو بقي العمل على موجب ذلك الأمر بعد فساد الزمان لآل إلى عكس مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - في صيانة الأموال، وكانت نتيجته ضرراً.
-
(الدعاس ص ٤٦) .
-
١٢ - ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن كتابة أحاديثه، وقال لأصحابه:
"من كتب عني غير القرآن فليمحه " .
-
إلا ما ثبت استثناء من كتابة بعض الصحابة.
-
واستمر الصحابة والتابعون غالباً يتناقلون السنة النبوية حفظاً وشفاهاً لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري عملاً بهذا النهي.
-
ثم انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني إلى تدوين السنة النبوية بأمر الخليفة
العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى؛ لأنهم خافوا ضياعهم بموت حفظتها، ورأوا أن سبب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كتابتها إنما هو خشية أن تختلط بالقرآن، إذ كان الصحابة يكتبون ما ينزل منه على رقاع، فلما عَمَّ القرآن، وشاع حفظاً وكتابة ولم يبق
هناك خشية في اختلاطه بالحديث النبوي، لم يبق موجب لعدم كتابة السنة، بل أصبحت كتابتها واجبة، لأنها الطريقة الوحيدة لصيانتها من الضياع، والحكم يدور مع علته ثبوتاً وانتفاءً.
-
(الدعاس ص ٤٦) .
- vol. 1, p. 360
ويمكن أن يقال مثل ذلك في حفظ السنة الآن وتدوينها وجمعها بالحاسوب.
-
والطباعة الحديثة، وأجهزة التسجيل، ونشرها بأجهزة الإعلام حتى التلفاز
والإنترنت.
-
١٣ - جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في زماننا وذلك صيانة للمسجد عن العبث والسرقة؛ لأن وظيفة معظم المساجد اليوم اقتصرت على الصلاة، وغابت عنها وظائف المسجد ورسالته المقررة شرعاً.
-
(السدلان ص ٤٣٦) .
-
١٤ - الأصل أن تنفذ تصرفات المدين بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها، ما دام لم يحجر عليه؛ لأن الديون تتعلق بذمته، وتبقى أعيان أمواله حرة فينفذ فيها تصرفه.
-
ولكن لما فسد الزمان، وخربت الذمم، وكثر الطمع، وقل الورع، وأصبح
المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها، أو هبتها لمن يثقون به ليعيدها فيما بعد، أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية، والحنابلة في وجه عندهم، وهو ظاهر مذهب المالكية بعدم جواز وعدم نفاد هذه التصرفات من المدين إلا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله.
-
(السدلان ص ٤٣٧) .
-
١٥ - ومن الأمثلة على تطور الزمان اختلاف بناء الدور والبيوت والفلل
والعمارات، واختلاف الأعراف في الحجرات والمرافق والكسوة، فتبع ذلك
اختلاف كيفية رؤية المبيع، والحاجة لرؤية جميع المبيع اليوم، لأن رؤية البعض لا يكون دليلاً على المقصود.
-
(السدلان ص ١٤٣٨.
-
١٦ - وجوب تسجيل النكاح لدى المأذون وتوثيقه من القاضي أو نائبه في المحكمة وضبطه في السجلات لتغير أعراف الناس، وأحوالهم، وتطور أساليب حياتهم، وحفظاً على الأعراض ونسب الأولاد، وحقوق الزوجين.
-
(السدلان ص ٤٣٩) .
-
١٧ - وجوب تسجيل السيارات، وعمل ترخيص لها، والتأمين الشرعي عليها، لتحقيق مقاصد عديدة، والحفاظ على المصالح المتجددة.
-
(السدلان ص ٤٣٩) .
-
١٨ - إنشاء المدارس، ومراحل التعليم، وفتح الجامعات، ومنح الشهادات المتنوعة لما
vol. 1, p. 361يترتب على كل منها من حقوق، وكذلك فتح المحاكم على درجات، وتجدد أحكام القضاة وأصول المحاكمات بما يحقق مصالح الناس، وينظم أمورهم.
-
(السدلان ص ٤٤٠) .
- تنبيه: الأصل في الشريعة ثبات الأحكام:
-
إن لفظ الأحكام الوارد في القاعدة ليس عاماً، ولذلك تعتبر القاعدة خاصة
- واستثناء، مع التذكير بما يلي:
-
١ - إن الأحكام الأساسية الثابتة في القرآن والسنة والتي جاءت الشريعة لتأسيسها بنصوصها الأصلية: الآمرة والناهية، كحرمة الظلم، وحرمة الزنى والربا، وشرب الخمر والسرقة، وكوجوب التراضي في العقد، ووجوب قمع الجرائم، وحماية الحقوق، فهذه لا تتبدل بتبدل الزمان، بل هي أصول جاءت بها الشريعة لإصلاح
الزمان والأجيال، وتتغير وسائلها فقط.
-
٢ - إن أركان الإسلام، وما علم من الدين بالضرورة، لا يتغير ولا يتبدل.
-
ويبقى ثابتاً كما ورد، وكما كان في العصر الأول، لأنها لا تقبل التبديل والتغيير.
-
٣ - إن جميع الأحكام التعبدية التي لا مجال للرأي فيها، ولا للاجتهاد، لا تقبل التغيير ولا التبدل بتبدل الأزمان والأماكن والبلدان والأشخاص.
-
٤ - إن أمور العقيدة أيضاً ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، ولا تقبل الاجتهاد، وهي ثابتة منذ نزولها ومن عهد الأنبياء والرسل السابقين، حتى تقوم الساعة، ولا تتغير بتغير الأزمان.
-
وإلى هنا تتثهي القواعد الفقهية الأساسية الخمس، وهي متفق عليها بين
المذاهب، وألحقنا بها القواعد الفقهية المتفرعة عنها ليكتمل الموضوع، ولتكون واضحة في مكان واحد.