قاعدة [٩٣] من قبض مغصوبا من غاصبه، ولم يعلم أنه مغصوب؛ فالمشهور بين الأصحاب

104 paragraphs · vol. 2, p. 226

Page 2 of 3

  1. وهو عندي قياس المذهب؛ حيث قلنا في إحدى الرِّوايتين برجوع المغرور بنكاح الأمة على من غرَّه مع استيفائه منفعة البضع واستهلاكها ودخوله على ضمانها، ولهذا طرد محقِّقو الأصحاب هذا الخلاف فيما إذا زوَّجها الغاصبُ ووطئها الزَّوج؛ هل يرجع بالمهر على الغاصب سواء ضمَّنه المالك المهر أو لم يضمِّنه (٢) ؟

    vol. 2, p. 234
  2. وأيضاً؛ فإن المنصوص عن أحمد: أنَّ البائع إذا دلَّس العيب، ثمَّ تلف عند المشتري؛ فله الرُّجوع بالثَّمن (٣) .

  3. وكذلك لو نقص أو تعيَّب وهو موجود؛ فإنَّه يرده بغير شيء، ويأخذ الثَّمن، إلَّا أن يكون حصل له انتفاع بما نقصه، فإنَّه يردُّ عوضه على أحد الوجهين؛ إلحاقاً له بلبن المصرَّاة، مع أنَّه قد دخل على ضمان العين بالثَّمن، ولكن سقط عنه؛ لتدليس البائع العيب (١) ، وهو لا يمنع صحَّة العقد على الصَّحيح من المذهب، فلَأَن لا يستقرَّ الضَّمان على المشتري من الغاصب مع تدليس الغاصب عليه وعدم صحَّة العقد أولى.

    vol. 2, p. 235
  4. وأمَّا المنافع إذا ضمنها المالك للمشتري - بناء على أنَّ منافع المغصوب مضمونة، وهو المذهب -؛ فيرجع بذلك على الغاصب؛ لدخوله على استيفائها في ملكه بغير عوض، وسواء انتفع بها أو تلفت تحت يده.

  5. وعن أحمد رواية أخرى: لا يرجع بما انتفع به؛ لاستيفائه عوضَه كما تقدَّم، وهي اختيار أبي بكر وابن أبي موسى.

  6. وحكم الثَّمرة والولد الحادث من المبيع حكم المنافع، إذا ضمنها رجع ببدلها على الغاصب، وكذلك الكسب، صرَّح به القاضي في «خلافه» ؛ إلَّا أن يكون انتفع بشيء من ذلك؛ فيخرَّج على الرِّوايتين.

  7. وقد أشار أحمد إلى هذا في رواية ابن منصور؛ فيمن باع ماشية أو شاة فولدت، أو نخلاً لها ثمرة، فوجد بها عيباً أو استُحِقَّ: أخذ منه قيمة الثَّمرة وقيمة الولد، إن كان أحدث فيهم شيئاً، أو كان باع، أو

    vol. 2, p. 236استهلك، فإن كان مات أو ذهبت (١) به الرِّيح؛ فليس عليه شيء (٢) .

  8. فأوجب عليه ضمان ما انتفع به من الثَّمرة والنِّتاج، دون (٣) ما تلف في يده بغير فعله، ولم يذكر رجوعاً على الغاصب، وظاهر كلامه: أنَّ ما تلف في يده من النَّماء؛ فليس للمالك تضمينه ابتداء؛ لأنَّه لم يدخل على ضمانه ولم ينتفع به، وهذا يقوِّي التَّخريج المذكور في القسم الَّذي قبله.

  9. وكذلك ظاهر كلام ابن أبي موسى: أنَّه لا يضمن المشتري إلَّا ما يستقرُّ عليه ضمانه، سواء دخل على ضمانه، أو لم يدخل عليه لكن انتفع به؛ كالخدمة ومهر المشتراة، وأمَّا قيمة الأولاد؛ فيرجع بها عنده؛ لأنَّ نفعها لغيره لا له.

  10. وأوجب على الغاصب قيمة غرس المشتري غير مقلوع إذا قلعه المالك، ومراده: ما نقص بقلعه، وإنَّما أجاز للمالك قلع الغراس من غير ضمان نقصه؛ لأنَّ ذلك ليس من باب تضمين القابض من الغاصب، بل هو من باب امتناع المالك من الضَّمان له، فإنَّ تفريغ الأرض من الغراس الَّذي لم يأذن فيه لا بدَّ من تمكينه منه، ولا ضمان عليه فيه، حيث لم يأذن فيه، وإنَّما الضَّمان على الغارِّ؛ لتعدِّيه، كما أنَّ تضمين القابض ما لم يلتزم (٤) ضمانه ممتنعٌ، حيث أمكن تضمين

    vol. 2, p. 237الغاصب؛ لالتزامه الضَّمان (١) وتعدِّيه.

  11. فظهر بهذا أنَّ الَّذي يدلُّ عليه كلام أحمد أنَّ القابض لا يضمن إلَّا ما حصل له به نفع (٢) فيضمنه.

  12. وهل يرجع به؟ على روايتين؛ كرجوع المغرور في النِّكاح بالمهر (٣) .

  13. تنبيه: لو أقرَّ المشتري للبائع بالملك؛ فلا رجوع له عليه.

  14. ولو أقرَّ بصحَّة البيع؛ ففي الرُّجوع احتمالان ذكرهما القاضي.

  15. وقد يخرَّج كذلك في الإقرار بالملك حيث علم أنَّ مستنده اليد، وقد بان عدوانها.

  16. اليد السادسة: القابضة (٤) عوضاً مستحَقًّا بغير عقد البيع؛ كالصَّداق، وعوض (٥) الخلع والعتق والصُّلح عن دم عمد (٦) إذا كان معيَّناً، أو كان القبض وفاءً لدين مستقرٍّ في الذِّمة؛ من ثمن مبيع، أو أجرة، أو صداق، أو قيمة متلف ونحوه، فإذا تلفت هذه الأعيان في يد من قبضها، ثمَّ استُحِقَّت؛ فللمستحِقِّ الرُّجوع على القابض ببدل العين

    vol. 2, p. 238والمنفعة على ما تقرَّر.

  17. ويتخرَّج وجه آخر: أنْ لا مطالبة له عليه، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى في الصَّداق، والباقي مثله.

  18. وعلى القول بالتَّضمين؛ فيرجع على الغاصب بما غرم من قيمة المنافع؛ لتغريره؛ إلَّا ما انتفع به؛ فإنَّه مخرَّج على الرِّوايتين.

  19. وأمَّا قيم الأعيان؛ فمقتضى ما ذكره القاضي ومن اتَّبعه: أنَّه لا يرجع بها؛ لأنَّه دخل على أنَّها مضمونة عليه بحقِّه، وسواء كانت القيمة المضمونة وفق حقِّه أو دونه أو أزيد منه، إلَّا على الوجه المذكور في البيع بالرُّجوع بفضل القيمة.

  20. ثمَّ إن كان القبض وفاءً عن دين ثابت في الذِّمة؛ فهو باق بحاله، وإن كان عوضاً معيَّناً في العقد؛ لم ينفسخ العقد ههنا باستحقاقه، ولو قلنا: إنَّ النِّكاح على المغصوب لا يصحُّ؛ لأنَّ القول بانتفاء الصِّحَّة مختصٌّ بحالة العلم، كذلك ذكره ابن أبي موسى، ويرجع على الزَّوج بقيمة المستحَقِّ في المنصوص، وهو قول القاضي في «خلافه» .

    وقال في «المجرد» : يجب مهر المثل.

  21. وأمَّا عوض الخلع والعتق والصُّلح عن دم العمد؛ ففيها وجهان:

    أحدهما: يجب الرُّجوع فيها بقيمة العوض المستحقِّ، وهو المنصوص؛ لأنَّ هذه العقود لا تنفسخ باستحقاق أعواضها؛ فيجب قيمة العوض، وهو قول القاضي في أكثر كتبه، وجزم به صاحب «المحرر» .

  22. والثَّاني: تجب قيمة المستحقِّ في الخلع والصُّلح عن الدَّم، بخلاف

    vol. 2, p. 239العتق؛ فإنَّ الواجب فيه قيمة العبد؛ لأنَّ العبد له قيمة في نفسه، فيرجع بقيمته، بخلاف البُضع والدَّم؛ فإنَّ القيمة لعوضهما لا لهما، وهو قول القاضي في البيع في «خلافه» (١) .

  23. ويشبه قول أصحابنا فيما إذا جعل عتق أمته صداقها، وقلنا: لا ينعقد به النِّكاح، وأبت أن تتزوَّجه على ذلك: أنَّ عليها قيمة نفسها، لا قيمة مهر مثلها.

  24. وعلى الوجه المخرَّج في البيع أنَّ المغرور يرجع بقيمة العين على الغاصب: فههنا كذلك.

  25. اليد السَّابعة: القابضة بمعاوضة عن المنفعة، وهي يد المستأجر؛ فقال القاضي والأكثرون: إذا ضمنت المنفعة؛ لم يرجع بها.

  26. ولو زادت أجرة المثل على الأجرة المسمَّاة؛ ففيه ما مرَّ من زيادة قيمة العين على الثَّمن، وإذا ضمنت قيمة العين؛ رجعت بها على الغاصب لتغريره.

  27. وفي «تعليقة أبي البركات على الهداية» : يتخرَّج لأصحابنا وجهان:

    أحدهما: أنَّ المستأجر لا ضمان عليه بحال؛ كقول الجمهور.

  28. والثَّاني: يضمن العين، وهل القرار عليه؟ لنا وجهان: أحدهما: عليه. والآخر: على الغاصب، وهو الَّذي ذكره القاضي في «خلافه» ، انتهى.

  29. والوجه الأوَّل منزَّل على القول بأنَّ المغرور لا يضمن شيئاً ابتداء ولا استقراراً.

    vol. 2, p. 240
  30. والوجه الآخر في قرار ضمان العين عليه؛ يتنزَّل على الوجه المذكور في استقرار الضَّمان على المرتهن ونحوه بتلف العين تحت يده.

  31. اليد الثَّامنة: القابضة للشركة، وهي المتصرِّفة في المال بما ينمِّيه بجزء من النَّماء؛ كالشَّريك والمضارب (١) والمزارَع والمساقى، ولهم الأجرة على الغاصب؛ لعملهم له بعوض لم يسلم.

  32. فأمَّا المضارب والمزارع بالعين المغصوبة وشريك العنان، فقد دخلوا على أن لا ضمان عليهم بحال، فإذا ضمنوا على المشهور؛ رجعوا بما ضمنوا، إلَّا حصَّتهم من الرِّبح؛ فلا يرجعون بضمانها؛ لدخولهم على ضمانها عليهم بالعمل، كذلك ذكره القاضي وابن عقيل في المساقى، والمزارع نظيره.

  33. أمَّا المضارب والشَّريك؛ فلا ينبغي أن يستقرَّ عليهم ضمان شيء بدون القسمة، سواء قلنا: ملكوا الرِّبح بالظهور أوْ لا؛ لأنَّ حصَّتهم وقاية لرأس المال، وليس لهم الانفراد بالقسمة؛ فلم يتعيَّن لهم شيء مضمون.

  34. وحكى الأصحاب في المضارب للمضارب بغير إذنٍ وجهاً آخر: أنَّه لا يرجع بما ضمنه؛ بناءً على الوجه المذكور باستقرار الضَّمان على من تلف المال بيده.

  35. ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه لا يملك المالك تضمينهم بحال؛ لدخولهم على الأمانة.

    vol. 2, p. 241
  36. وقد ذكرنا فيما (١) تقدَّم حكم ضمان الشَّريك والمضارب للمال، وإنَّما أعدناه ههنا؛ لذكر النَّماء (٢) .

  37. وأمَّا المساقى إذا ظهر الشَّجر مستحقًّا بعد تكملة العمل؛ فللعامل أجرة المثل لعمله على الغاصب.

  38. وأمَّا الثَّمر إذا تلف؛ فله حالتان:

    إحداهما: أن يتلف بعد القسمة؛ فللمالك تضمين كلٍّ من الغاصب والعامل ما قبضه، وله أن يضمِّن الكلَّ للغاصب، فإذا ضمَّنه الكلَّ؛ رجع على العامل بما قبضه لنفسه؛ لأنَّه أخذ العوض؛ فهو كالمشتري من الغاصب.

  39. وفي «المغني» احتمال: لا يرجع عليه لتغريره، فأشبه من قال لغيره: كُلْ هذا فإنَّه طعامي، ثمَّ بان مستحَقًّا.

  40. وهو قريب من الوجه السَّابق باستقرار ضمان المبيع على الغاصب بكلِّ حال.