قاعدة [١٦٠] تستعمل القرعة في تمييز المستحق إذا ثبت الاستحقاق ابتداء لمبهم غير معين عند تساوي أهل الاستحقاق.
317 paragraphs · vol. 3, p. 157
Page 5 of 8
- vol. 3, p. 186
وقد قال أحمد في رواية علي بن سعيد (١) في حديث عليٍّ؛ في ثلاثة وقعوا على امرأة، فأقرع بينهم (٢) ؛ قال: (لا أعرفه صحيحاً) ، وأوهنه (٣) ، وقال في رواية ابن منصور: (وحديث عمر في القافة أعجب
vol. 3, p. 187إليَّ) (١) ؛
-
يعني: من هذا الحديث.
-
وعلى هذا؛ فهل يضيع نسبه، أو يترك حتَّى يبلغ فينتسب إلى من يميل طبعه إليه من المدَّعِينَ له فيلحق به؟ على وجهين:
والأوَّل: قول أبي بكر.
-
والثَّاني: قول ابن حامد.
-
واختار صاحب «المحرَّر» : أنَّه يلحق بالمدَّعِيَيْنِ معاً؛ كالمدَّعيين لعين ليست في يد أحدهما إذا استويا في البيِّنة أو عدمها؛ فإنَّ العين تُقسم بينهما، كذلك ههنا يلحق النَّسب بهما؛ إذ لا يمكن إلحاقه بالقرعة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أبا عبد الله عن حديث عمر: أنَّ رجلين اختصما إليه أنَّهما وقعا على امرأة في طهرها؛ أيش (٢) يقول فيه؟
vol. 3, p. 188قال أحمد: إن وَلَدَتْ؛ خَيَّرتُ الابنَ أيَّهما شاء اختار، ويرثهما جميعاً، ويخيَّر في حياتهما أيَّهما شاء من الأبوين اختار (١) .
قال القاضي: هذا موافق لقول ابن حامد: أنَّه ينسب إلى من اختار منهما.
وقال الحارثيُّ: إنَّما دلَّ على أنَّه ينسب إليهما، كما اختاره صاحب «المحرَّر» ؛ لأنَّه ورثه منهما، ولم يوقفه إلى بلوغه، وتخييره إنَّما هو للحضانة.
-
والأظهر عندي: أنَّ مراد أحمد أنَّه إذا ألحقته القافة بالأبوين معاً؛ وَرِثَهما، وخُيِّر في المقام عند من يختاره منهما؛ فإنَّه سئل عن حديث عمر، وحديث عمر فيه هذان الحُكْمان.
-
وعن أحمد: أنَّه يقرع بينهما؛ فيلحق نسبه بالقرعة، ذكرها في «المغني» (٢) في كتاب الفرائض.
- vol. 3, p. 189
وهي مأخوذة - والله أعلم - مما روى صالح عن أبيه أنَّه قال: القرعةَ أَراها، قد أقرع النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في خمس مواضع)، فذكر منها: وأقرع في الولد حديث الأجْلَحِ عن الشَّعبيِّ عن أبي الخليل عن زيد بن أرقم (١) ، وهو مختلف فيه، وأَذْهبُ إلى القرعة؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أقرع.
قلت: إنَّ بعض النَّاس لا يجيزون القرعة إلَّا في الأموال.
فقال: أليس قد أقرع النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بين نسائه، والقرعة في القرآن في موضعين (٢) .
-
وظاهر هذا: أنَّه أخذ بالقرعة في النَّسب.
-
وقد ذكرنا طرق حديث زيد بن أرقم، والاختلافَ فيه، وكلامَ الحفَّاظ عليه، وتوجيهَ ما تضمَّنه من توزيع الغرم، في جزء مفرد.
-
وقد قال أبو بكر عبد العزيز: لو صحَّ؛ لقلنا به.
-
وأمَّا حكم تحريم النِّكاح؛ فإن أَلحَقَت القافةُ الولدَ بأحد الواطئَينِ، وكان بنتاً؛ حلَّت لأولاد الآخر، ولم تحل لأحد من الواطِئَينِ؛ لكونها رَبيبةً له.
- vol. 3, p. 190
وإن لم توجد قافة؛ فإن قلنا: يضيع النَّسب؛ حَرُمت على الواطِئَيْنِ وأولادهما؛ كما إذا اشتبهت ذاتُ مَحْرمٍ بأجنبيَّة، وإن قلنا: تترك حتَّى تبلغ، فتنتسب إلى أحدهما بميل الطَّبع؛ ففي حلِّها لولد الآخر (١) احتمالان، ذكرهما صاحب «التَّرغيب» في الرَّضاع بلبن هذه المرأة.
-
وأمَّا حكم العدَّة؛ فقال أكثر الأصحاب: إن ألحقت القافة الولد بأحدهما؛ انقضت به عدَّتها منه، ثمَّ اعتدَّت للآخر، وإن ألحقته بهما؛ انقضت به عدَّتها منهما.
-
وفي «الانتصار» لأبي الخطَّاب: لا يمتنع على أصلنا أن نقول: تنقضي به عدَّة أحدهما لا بعينه، وتعتدُّ للآخر فيما إذا ألحقته القافة بهما؛ كما لو وطئها رجلان بشبهة وجهل السَّابق.
-
وأمَّا إن ضاع نسبه؛ بأن لم يوجد قافة، أو أشكل عليهم؛ ففي «الإقناع» لابن الزَّاغونيِّ: يضاف إلى أحدهما بالقرعة، وتنقضي به عدَّتها منه، قال: (ويحتمل أن تستأنف العدَّة لهما؛ لأنَّه لا يعلم به البراءة من ماء أحدهما؛ حيث لم ينسب إلى واحد منهما) .
-
وفي «المجرَّد» و «الفصول» و «المغني» : يلزمها أن تعتدَّ بعد وضعه بثلاثة قروء؛ لأنَّه إن كان من الأوَّل؛ فقد أتت بما عليها من عدَّة الثَّاني، وإن كان من الثَّاني؛ فعليها أن تكمل عدَّة الأوَّل؛ ليسقط الفرض بيقين.
-
وأمَّا حكم الميراث إذا تعذَّر إلحاق النَّسب بواحد منهما، ومات
vol. 3, p. 191الولد: ففي «المجرَّد» في كتاب العدد: (قياس المذهب أنَّه يقرع بينهما، فمن تقع عليه القرعة؛ حُكِم له بالميراث؛ كما قلنا: إذا طلَّق إحدى نسائه ومات) ، ثمَّ قال: (فإن (١) كان للطفل أمٌّ ولأحد المتداعيين فيه ولدان، أو كان لها ولد ولأحدهما ولد؛ فيجوز أن يكون للميِّت أَخَوان، ويجوز ألَّا يكون؛ فيحكم لها بالثُّلث، ولا تحجب بالشَّكِّ).
قال الشَّيخ مجد الدِّين: (وفي هذا عندي نظر من وجهين:
أحدهما: أنَّ القرعة إنَّما تشرع عندنا إذا امتنع الجمع بين الأمرين، وهنا يمكن أن يكون منهما عندنا.
-
والثَّاني: أنَّ القاضي ذكر في «المجرَّد» في كتاب الفرائض: أنَّه يوقف المشكوك فيه حتَّى يصطلح عليه، ثمَّ العجب أنَّه جعل للأمِّ هنا الثُّلث؛ حيث يُشَكُّ؛ هل لها الثُّلث أو السُّدس؟ وكان ينبغي أن تعطى (٢) بمقتضى القرعة؟!) انتهى.
-
وأقول: القرعة هنا أرجح من الإيقاف؛ لأنَّ فيها فصلاً للأحكام، وأمَّا احتمال كونه منهما؛ فهو بعيد جدًّا؛ فلا تعويل عليه، وإنَّما التَّعويل على العادة الغالبة، وأنَّه ابن لواحد منهما.
-
نعم، لو عوَّلنا على هذا الاحتمال؛ لقسمنا إرثه بينهما بالسَّويَّة، وهو متوجِّه أيضاً.
-
وأمَّا دخول القرعة فيما تستحقه الأمُّ من الثُّلث أو السُّدس (٣) ؛ فغير
vol. 3, p. 192ممكن، كما لا تدخل (١) القرعة فيما يستحقه الخنثى من ميراثِ ذكرٍ أو أنثى، ولا فيما يستحِقُّه مَن له حاجب مفقود، ونحو ذلك.
- تنبيه:
-
هذا الكلام في إلحاق النَّسب ابتداء بالقرعة، فأمَّا إذا أقرَّ بولد مبهم من أَمَةٍ (٢) له، ثمَّ مات ولم يبيِّن (٣) ، وتعذَّرت القافة؛ أقرعنا لأجل الحريَّة، فمن خرجت عليه القرعة؛ فهو حرٌّ.
-
وهل يثبت نسبه بذلك؟ فيه خلاف سبق ذكره (٤) ؛ لأنَّ الحريَّة هنا مستندة إلى الإقرار (٥) ، والقرعة مرجِّحة.
-
ومنها: أنَّ الغلام إذا بلغ سبع سنين؛ فإنَّه يخيَّر بين أبيه وأمِّه في الحضانة على ظاهر المذهب، فإن لم يختر واحداً منهما، أو اختارهما جميعاً؛ أقرع بينهما على المشهور.
- vol. 3, p. 193
وفيه وجه: يعطى لأمِّه.
-
وأمَّا قبل السَّبع؛ فإذا استوى في استحقاق حضانته رجلان؛ كأخوين، أو امرأتان؛ كأختين؛ فإنَّه يعيَّن أحدهما بالقرعة أيضاً.
-
ومنها: إذا استحقَّ القَوَدَ جماعة، وتشاحُّوا في مباشرة الاستيفاء؛ ففيه وجهان:
أشهرهما: أنَّه يقدَّم أحدهم بالقرعة.
-
والثَّاني: بتعيين الإمام، قاله ابن أبي موسى.
-
هذا إذا كان المقتول واحداً.
-
فإن كانوا جماعة، وطلب وليُّ كلِّ واحد منهم أن يقتصَّ على الكمال؛ ففيه وجهان أيضاً:
أحدهما: أنَّه يقرع بينهم، فمن خرجت قرعته؛ أُقيد به، ويجب للباقين الدِّيَة.
-
والثَّاني: يبدأ بالسَّابق في القتل؛ فيقاد به، وتتعيَّن الدَّيَة للباقين، فإن قتلهم دفعة واحدة؛ قُدِّم من تخرج (١) له القرعة.
-
ولم يذكر صاحب «المغني» سوى هذا الوجه.
وقال أبو الخطَّاب في «الانتصار» : يقتل للجميع، ويؤخذ من ماله بقيَّة ديات الجميع يقسم بينهم، وحكى أنَّ المنصوص عن أحمد: أنَّهم إذا طلبوا القتل؛ فليس لهم غيره، ويكون قد أخذوا بعض حقوقهم، ويسقط (٢) بعضها.
- vol. 3, p. 194
وبَعَّده: بأنَّ القصاص لا يتبعَّض في الاستيفاء (١) والإسقاط.
-
ومنها: إذا أعطينا الأمان لمشرك في حصن ليفتحه لنا، ففعل، ثمَّ اشتبه علينا، وادَّعى كلٌّ منهم أنَّه المستأمِن؛ ففيه وجهان:
أحدهما، وهو المنصوص في رواية ابن هانئ: أنَّه يحرم قتلهم واسترقاقهم جميعاً. (٢)
-
والثَّاني: يخرج أحدهم بالقرعة؛ فيكون حرًّا، ويرقُّ الباقون، وحكي عن أبي بكر والخرقيِّ؛ لأنَّ القرعة تميِّز الحرَّ من العبد عند الاشتباه؛ ولو كان حرَّ الأصل، كما لو أقرَّ أنَّ أحد هذين الولدين من هذه الأمة ولدُه، ثمَّ مات ولم توجد (٣) قافة؛ فإنَّا نقرع بينهما للحريَّة؛ وإن كان حرَّ الأصل.
-
ومن (٤) نصر الأوَّل؛ قال: إرقاق الباقين هنا يؤدِّي إلى ابتداء الإرقاق مع الشَّكِّ في إباحته، بخلاف من أعتق أحد عبيده واشتبه عليه؛ فإنَّه ليس فيه سوى استدامة الإرقاق مع الشَّكِّ في زواله؛ فالاستدامة تبقية على الأصل الَّذي لم يتحقَّق زواله، والابتداء نقل عن الأصل المتحقِّق مع الشَّكِّ في إباحته.
-
نعم، لو كان المعطى (٥) للأمان امرأةً، واشتبهت علينا؛ لتوجَّه جواز
vol. 3, p. 195استرقاق (١) النِّساء سوى واحدة بالقرعة؛ لأنَّ النِّساء يصرن أرقَّاء بنفس السَّبي؛ فقد اشتبه ههنا الرَّقيق بحرِّ الأصل؛ فهي كمسألة الإقرار المشار إليها.
-
وكذلك لو أسلم واحد من حصن قبل فتحه، ثمَّ فتحناه، وادَّعى كلُّهم أنَّه المسلم؛ فإنَّه يخرج بالقرعة واحد فلا يسترقُّ، ويسترقُّ الباقون؛ لأنَّهم إنَّما أسلموا بعد القهر، وذلك يوجب استرقاقهم على المنصوص؛ فقد اشتبه ههنا الحرُّ بمن ثبت استرقاقه؛ فيميَّز بالقرعة.