[٢] الزكاة، هل تجب في عين النصاب أو ذمة مالكه؟
78 paragraphs · vol. 3, p. 223
Page 1 of 2
- اختلف الأصحاب في ذلك على طرق:
-
إحداها: أنَّ الزَّكاة تجب في العين رواية واحدة، وهي طريقة ابن أبي موسى، والقاضي في «المجرَّد» .
-
والثَّانية: أنَّ الزَّكاة تجب في الذِّمَّة رواية واحدة، وهي طريقة أبي الخطَّاب في «الانتصار» ، وصاحب «التَّلخيص» ؛ متابعة للخرقيِّ.
-
والثَّالثة: أنَّها تجب في الذِّمَّة، وتتعلَّق بالنِّصاب، وقع ذلك في كلام القاضي وأبي الخطَّاب وغيرهما، وهي طريقة الشَّيخ تقيِّ الدِّين.
-
والرَّابعة: أنَّ في المسألة روايتين:
إحداهما: تجب في العين.
-
والثَّانية: في الذِّمَّة، وهي طريقة كثير من الأصحاب المتأخِّرين.
-
وفي كلام أبي بكر في «الشَّافي» ما يدلُّ على هذه الطَّريقة، ولكن آخر كلامه يشعر بتنزيل القولين على اختلاف حالين (١) ، وهما: يسار المالك وإعساره، فإن كان موسراً؛ وجبت الزَّكاة في ذمَّته، وإن كان معسراً (٢) ؛ وجبت في عين ماله، وهو غريب.
- vol. 3, p. 224
وللاختلاف في محلِّ التَّعلُّق - هل هو العين أو الذِّمة - فوائد كثيرة:
الأولى: إذا ملك نصاباً واحداً ولم يؤدِّ زكاته أحوالاً، فإن قلنا: الزَّكاة في العين؛ وجبت زكاة الحول الأوَّل دون ما بعده، ونصَّ عليه أحمد (١) ، واختاره أكثر الأصحاب؛ لأنَّ قدر الزَّكاة زال الملك فيه على قول، وعلى آخر: ضَعُف الملك فيه؛ لاستحقاق تملُّكه، والمستحَقُّ في حكم المؤدَّى؛ فصار كالمنذور سواء، فإنَّ المنذور يجوز عندنا إبداله بمثله، وهذا كذلك.
-
وإن قلنا: الزَّكاة في الذِّمَّة؛ وجبت لكلِّ حول، إلَّا إذا قلنا: إنَّ دين الله عزَّ وجلَّ يمنع الزَّكاة.
وقال السَّامريُّ: (تتكرَّر زكاته لكلِّ حول على القولين) ، وتأوَّل كلام أحمد بتأويل فاسد.
-
وهذا فيما كانت زكاته من جنسه.
-
فأمَّا إن كانت من غير جنسه؛ كالإبل المزكَّاة بالغنم؛ تكرَّرت زكاته
vol. 3, p. 225لكلِّ حول على كِلا القولين، نصَّ عليه؛ معلِّلاً بأنَّه لم يستحقَّ إخراج جزء منه؛ فبقي (١) الملك فيه تامًّا (٢) .
-
وهكذا ذكر الخلَّال، وابن أبي موسى، والقاضي، والأكثرون.
-
وذكر الشِّيرازيُّ في «المبهج» : أنَّه كالأوَّل؛ لا يجب فيه سوى زكاة واحدة.
-
ومتى استأصلت الزَّكاةُ المالَ؛ سقطت بعد ذلك، صرَّح به في «التَّلخيص» .
-
ونصَّ أحمد في رواية مهنَّى: على وجوبها في الدَّين بعد استغراقه بالزَّكاة.
-
فإمَّا أن يحمل ذلك على القول بالوجوب في الذِّمَّة.
-
وإما أن يفرَّق بين الدَّين والعين: بأنَّ الدَّين وصف حكميٌّ لا وجود له في الخارج؛ فتتعلَّق زكاته بالذِّمَّة رواية واحدة.
-
ولكن نصَّ أحمد في رواية غير واحد: على التَّسوية بين الدَّين والعين في امتناع الزَّكاة فيما بعد الحول الأوَّل، وصرَّح بذلك أبو بكر وغيره.
- تنبيه:
-
تعلُّق الزَّكاة بالعين مانع من وجوب الزَّكاة في الحول الثَّاني وما بعده، وهل هو مانع من انعقاد الحول الثَّاني ابتداء؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه مانع منه؛ لقصور الملك؛ فهو كدين الآدميِّ وأولى؛ لتعلُّقه بالعين، وهو قول القاضي في «شرح المذهب» ، وصاحب «المغني» .
-
والثَّاني: أنَّه غير مانع من الانعقاد، وهو قول القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل، ونقل صاحب «المحرَّر» الاتِّفاق عليه، وهو ظاهر ما ذكره الخلَّال في «الجامع» ، وأورد عن أحمد من رواية حنبل ما يشهد له.
-
فلو أخرج الزَّكاة الأولى من غير النِّصاب في أثناء الحول الثَّاني؛ بنى الحول الثَّاني على الأوَّل من غير فصل بينهما على هذا.
-
وعلى الأوَّل: يستأنفه من حين الإخراج.
-
وينبني على هذين الوجهين مسألة معروفة في باب الخلطة، والله أعلم.
-
الفائدة الثَّانية: إذا تلف النِّصاب أو بعضه قبل التَّمكُّن من أداء الزَّكاة وبعد تمام الحول؛ فالمذهب المشهور: أنَّ الزَّكاة لا تسقط بذلك، إلَّا زكاة الزُّروع والثِّمار إذا تلفت بجائحة قبل القطع؛ فتسقط زكاتها اتِّفاقًا؛ لانتفاء التَّمكُّن من الانتفاع بها.
-
وخرَّج ابن عقيل وجهاً: بوجوب زكاتها أيضاً. وهو ضعيف مخالف للإجماع (١) .
- vol. 3, p. 227
وعن أحمد رواية ثانية: بالسُّقوط.
-
فمنهم من قال: هي عامَّة في جميع الأموال.
-
ومنهم من خصَّها بالمال الباطن دون الظَّاهر.
-
ومنهم من عكس ذلك.
-
ومنهم من خصَّها بالمواشي.
- واختلفوا في مأخذ الخلاف على طريقين:
-
أحدهما: أنَّه البناء على الخلاف في محلِّ الزَّكاة؛ فإن قيل: هو الذِّمَّة؛ لم تسقط، وإلَّا سقطت، وهو طريق الحلوانيِّ في «التَّبصرة» والسَّامريِّ، وقيل: إنَّه ظاهر كلام الخرقيِّ، وفي كلام أحمد إيماء إليه أيضاً.
-
والطَّريق الثَّاني: عدم البناء على ذلك، وهو طريق القاضي والأكثرين.
-
فوجه استقرار الوجوب مطلقاً: أنَّا إن قلنا: التَّعلُّق بالذِّمَّة؛ فظاهر، وإن قلنا: بالعين؛ فلأنَّ وجوبها كان شكراً لنعمة تمَّ سببها - وهو النِّصاب (١) النَّامي -، وشرطها - وهو الحول -؛ فاستقرَّ وجوبها بتمام الانتفاع بهذا المال حولاً؛ كالأجرة المعيَّنة المستقِرَّة بانقضاء مدَّة الإجارة.
- vol. 3, p. 228
وأيضاً؛ فمنهم من قال: تعلُّقها (١) بالعين لا ينفي تعليقها بالذِّمَّة؛ فهي (٢) كدين الرَّهن.
-
ووجه السُّقوط مطلقاً: أنَّا إن قلنا: تعلقها بالعين؛ فواضح؛ كالأمانات والعبد الجاني، وإن قلنا: بالذِّمَّة؛ فالوجوب إنَّما يستقِرُّ فيها (٣) بالتَّمكُّن من الفعل؛ كالصَّلاة على رواية.
-
يوضحه: أنَّ الزَّكاة وجبت مواساة للفقراء من المال؛ فتسقط بتلفه وفقر صاحبه.
-
واختار السُّقوط مطلقاً صاحب «المغني» .
-
الفائدة الثَّالثة: إذا مات من عليه زكاة ودين، وضاقت التركة عنهما؛ فالمنصوص عن أحمد: أنَّهما يتحاصَّان (٤) ، نقله عنه أحمد بن القاسم، وحرب، ويعقوب بن بختان.