[٢] الزكاة، هل تجب في عين النصاب أو ذمة مالكه؟
78 paragraphs · vol. 3, p. 223
Page 2 of 2
- واختلف الأصحاب في ذلك:
-
فمنهم من أقرَّ النَّصَّ على ظاهره، وأجرى المحاصَّة على كِلَا القولين في محلِّ الزَّكاة؛ لأنَّا إن قلنا: هو الذِّمَّة؛ فقد تساويا في محلِّ التَّعلُّق، وفي أنَّ في كلٍّ منهما حقًّا لآدميٍّ، وتمتاز الزَّكاة بما فيها من حقِّ الله عزَّ وجلَّ، وإن قلنا: العين؛ فدين الآدميِّ يتعلَّق بعد موته بالتَّركة
vol. 3, p. 229أيضاً؛ فيتساويان، وهذه طريقة أبي الخطَّاب وصاحب «المحرَّر» .
-
ومنهم من حمل النَّصَّ بالمحاصَّة على القول بتعلُّق الزَّكاة بالذِّمَّة؛ لاستوائهما في محلِّ التَّعلُّق، فأمَّا على القول بتعلُّقها بالنِّصاب؛ فتُقَدَّم الزَّكاة لتعلُّقها بالعين؛ كدين الرَّهن، وهذه طريقة القاضي في «المجرَّد» والسَّامريِّ، وفي كلام أحمد إيماء إليها.
-
ومن الأصحاب من وافق على هذا البناء، لكن بشرط: أن يكون النِّصاب موجوداً؛ إذ لا يعلَّق بالعين إلَّا مع وجوده، فأمَّا (١) مع تلفه؛ فالزَّكاة في الذِّمَّة؛ فتساوي دين الآدميِّ، وهذا تخريج في «المحرَّر» ، مع أنَّ صاحبه ذكر في شرح «الهداية» : أنَّ النِّصاب متى كان موجوداً؛ قُدِّمت الزَّكاة، سواء قلنا: يتعلَّق بالعين أو بالذِّمَّة؛ لأنَّه تعلُّقٌ بسبب المال، يزداد بزيادته، وينقص بنقصه، ويختلف باختلاف صفاته، والزَّكاة من قبيل مؤن المال وحقوقه ونوائبه؛ فيُقَدَّم لذلك على سائر الدُّيون، وحُمِل نصُّ أحمد بالمحاصَّة: على حالة عدم النِّصاب.
-
فأمَّا إن كان المالك حيًّا وأفلس؛ فظاهر كلام أحمد في رواية ابن القاسم: أنَّه يُقدِّم الدَّين على الزَّكاة؛ لأنَّ تأخير إخراج الزَّكاة سائغ للعذر، وهو محتاج ههنا إلى إسقاط مطالبة الآدميِّ له، وملازمته وحبسه؛ فيكون عذراً له في التَّأخير، بخلاف ما بعد الموت؛ فإنَّه لو قُدِّم دين الآدميِّ؛ لفاتت الزَّكاة بالكليَّة.
-
وظاهر كلام القاضي والأكثرين: أنَّه يُقَدِّم الزَّكاة حتَّى في حالة الحجر.
- vol. 3, p. 230
وهذا قد يتنزَّل على القول بالوجوب في العين، إلَّا أنَّ صاحب «شرح الهداية» صرَّح بتقديمها على كلا القولين، مع بقاء النِّصاب؛ كقوله فيما بعد الموت على ما سبق (١) .
-
الفائدة الرَّابعة: إذا كان النِّصاب مرهوناً ووجبت فيه الزَّكاة؛ فهل يؤدِّي زكاته منه؟
- ههنا حالتان:
-
إحداهما: ألَّا يكون له مال غيره يؤدِّي منه الزَّكاة؛ فيؤدِّي الزَّكاة من عينه، صرَّح به الخرقيُّ والأصحاب، وله مأخذان:
أحدهما: أنَّ الزَّكاة ينحصر تعلُّقها بالعين، ودين الرَّهن يتعلَّق بالذِّمَّة والعين؛ فيُقَدَّم عند التزاحم ما اختصَّ تعلُّقه بالعين، كما يُقدَّم حقُّ الجاني على المرتهن؛ إذ الحقُّ المنحصر في العين يفوت بفواتها، بخلاف المتعلِّق بالذِّمَّة مع العين؛ فإنَّه يستوفى من الذِّمَّة عند فوات العين، وهذا مأخذ القاضي.
-
وفيه ضعف، فإنَّ الزَّكاة عندنا لا تسقط بتلف النِّصاب مطلقاً، بل تتعلَّق بالذِّمَّة حينئذٍ؛ فهي إذاً كدين الرَّهن.
-
وأظهر من هذا أن يقال: تعلُّق الزَّكاة قهريٌّ، وتعلُّق الرَّهن اختياريٌّ، والقهريُّ أقوى؛ كالجناية.
-
أو يقال: هو تعلُّق بسبب المال، وتعلُّق الرَّهن بسبب خارجيٍّ، والتَّعلُّق بسبب المال مقدَّم؛ كجناية العبد المرهون.
- vol. 3, p. 231
وعلى هذه المآخذ: متى قيل بتعلُّق الزَّكاة (١) بالذِّمَّة خاصَّة؛ لم يُقدَّم على حقِّ المرتهن؛ لتعلُّقه بالعين، وصرَّح به بعض المتأخِّرين.
-
والمأخذ الثَّاني: أنَّ النِّصاب سبب دين الزَّكاة؛ فقُدِّم دينها عند مزاحمة غيره من الدُّيون في النِّصاب؛ كما يقدَّم من وجد عين ماله عند إنسان (٢) أفلس، وهذا مأخذ صاحب «التَّلخيص» .
-
وعلى هذا؛ فلا يفترق الحال بين قولنا: تتعلَّق (٣) الزَّكاة بالذِّمَّة، أو بالعين.
-
الحالة الثَّانية: أن يكون للمالك مال يؤدِّي منه الزَّكاة غير الرَّهن؛ فليس له أداء الزَّكاة منه بدون إذن المرتهن على المذهب، وذكره الخرقيُّ أيضاً؛ لأنَّ تعلُّق حقِّ المرتهن مانع من تصرُّف الرَّاهن في الرَّهن بدون إذن، والزَّكاة لا يتعيَّن إخراجها منه.
-
وذكر السَّامريُّ أنَّه متى قلنا: الزَّكاة تتعلَّق بالعين؛ فله إخراجها منه أيضاً؛ لأنَّه تعلُّق قهريٌّ، ومنحصر في العين؛ فهو كحقِّ الجناية.
-
الفائدة الخامسة: التَّصرُّف في النِّصاب أو بعضه بعد الحول ببيع أو غيره، والمذهب: صحَّته، ونصَّ عليه أحمد، قال الأصحاب: وسواء قلنا: الزَّكاة في العين أو الذِّمة.
-
وذكر أبو بكر في «الشَّافي» : أنَّا إن قلنا: الزَّكاة في الذِّمَّة؛ صحَّ
vol. 3, p. 232التَّصرُّف مطلقاً، وإن قلنا: في العين؛ لم يصحَّ التَّصرُّف في مقدار الزَّكاة.
-
وهذا متوجِّه على قولنا: إنَّ تعلُّق الزَّكاة تعلُّق شركة أو رهن، صرَّح به بعض المتأخِّرين.
-
ونزَّل أبو بكر على هذا الاختلاف: الرِّوايتين المنصوصتين عن أحمد في المرأة إذا وهبت زوجها مهرها الَّذي لها في ذمَّته؛ فهل تجب زكاته عليها أو عليه (١) ؟
قال: فإن صحَّحنا هبة المهر جميعه؛ فعلى المرأة إخراج زكاته من مالها، وإن صحَّحنا الهبة فيما عدا مقدارَ الزَّكاة؛ كان قدر الزَّكاة حقًّا للمساكينِ في ذمَّة الزَّوج؛ فيلزمه أداؤه إليهم، ويسقط عنه بالهبة ما عداه.
-
وهذا بناء غريب جدًّا.
-
وعلى المذهب: فلو باع النِّصاب كلَّه؛ تعلَّقت الزَّكاة بذمَّته حينئذ بغير خلاف؛ كما لو تلف.
- فإن عَجَز عن أدائها، فطريقان:
-
أحدهما: ما قاله صاحب «شرح الهداية» : إن قلنا: الزَّكاة في الذِّمَّة ابتداء؛ لم يفسخ البيع، كما لو وجب عليه دين لآدميٍّ وهو موسر، فباع متاعه، ثمَّ أعسر، وإن قلنا: في العين؛ فُسِخَ البيع في قدرها؛ تقديماً لحقِّ المساكينِ (٢) لسبقه.
- vol. 3, p. 233
الثَّاني (١) : ما قال صاحب «المغني» : إنَّها تتعيَّن في ذمَّته كسائر الدُّيون بكلِّ حال، ثمَّ ذكر احتمالاً بالفسخ في مقدار الزَّكاة من غير بناء على محلِّ التَّعلُّق.
-
الفائدة السَّادسة: لو كان النِّصاب غائباً عن مالكه لا يقدر على الإخراج منه؛ لم يلزمه إخراج زكاته حتَّى يتمكَّن من الأداء منه، نصَّ عليه أحمد في رواية مهنَّى، وصرَّح به الشَّيخ مجد الدِّين في موضع من «شرح الهداية» ؛ لأنَّ الزَّكاة مواساة؛ فلا يلزم أداؤها قبل التَّمكُّن من الانتفاع بالمال المواسى منه.
-
ونصَّ أحمد في رواية ابن ثواب فيمن وجب عليه زكاة مال فأقرضه: أنَّه لا يلزمه أداء زكاته حتَّى يقبضه؛ لأنَّ عَوْدَه مرجو، بخلاف التَّالف بعد الحول.
-
وهذا لعلَّه يرجع إلى أنَّ أداء الزَّكاة لا يجب على الفور (٢) .
وقال القاضي وابن عقيل: يلزمه أداء زكاته قبل قبضه؛ لأنَّه في يده حكماً، ولهذا يتلف من ضمانه، بخلاف الدَّين الَّذي في ذمَّة غريمه.
-
وكذلك ذكر صاحب «شرح الهداية» في موضع آخر.
-
وأشار في موضع آخر (٣) إلى بناء ذلك على محلِّ الزَّكاة؛ فإن قلنا: الذِّمَّة؛ لزمه الإخراج عنه من غيره؛ لأنَّ زكاته لا تسقط بتلفه، بخلاف
vol. 3, p. 234الدَّين، وإن قلنا: العين؛ لم يلزمه الإخراج حتَّى يتمكَّن من قبضه.
-
والصَّحيح الأوَّل، ووجوب الزَّكاة عن الغائب إذا تلف قبل قبضه مخالف لكلام أحمد.
-
الفائدة السَّابعة: إذا أخرج ربُّ المال زكاة حقِّه من مال المضاربة منه؛ فهل يحسب ما أخرجه من رأس المال ونصيبه من الرِّبح، أم من نصيبه من الرِّبح خاصَّة؟
-
على وجهين معروفين، بناهما بعض الأصحاب على الخلاف في محلِّ التَّعلُّق:
فإن قلنا: الذِّمَّة؛ فهي محسوبة من الأصل والرِّبح؛ كقضاء الدُّيون.
-
وإن قلنا: العين؛ حسبت من الرِّبح؛ كالمؤنة؛ لأنَّ الزَّكاة إنَّما تجب في المال النَّامي، فيحسب من نمائه.
-
ويمكن أن ينبني على هذا الأصل أيضاً: الوجهان في جواز إخراج المضارِب زكاة حصَّته من مال المضاربة؛ فإن قلنا: الزَّكاة تتعلَّق بالعين؛ فله الإخراج منه، وإلَّا فلا، وفي كلام بعضهم إيماء إلى ذلك.
-
وأمَّا حقُّ ربِّ المال؛ فليس للمضارِب تزكيته بدون إذنه، نصَّ عليه في رواية المروذي (١) ، اللَّهمَّ إلَّا أن يصير المضارِب شريكاً؛ فيكون حكمه حكم سائر الخلطاء، والله أعلم.