نقل كلام للمعترض، والرد عليه
15 paragraphs · vol. 2, p. 295
- vol. 2, p. 295
وكذلك حديثٌ أَنَّ في المِلْطَاة (١) نصف الموضحة (٢) ، ثم ترك روايته لَمَّا رأى العمل بخلافه (٣) ،
وكثير من أهل الحديث يكون عنده حديث عَمِلَ الناس بخلافه فلا يحدث به.
-
وأما قوله: (إذا كان الصحابة ــ كما قال المُصَنِّف ــ على وفق هذه الرواية؛ فمن أين تحصل الهيبة؟! والرواية كانت في إثر عصرهم، لأن المسقطين لها حميد وغيره من التابعين قبل حدوث المتأخرين المخالفين لها بزعمه) (٤) .
-
فيقال له: حميد لم يكن من المشهورين بالفتيا والفقه كسليمان التيمي، بل كان شيخًا مُعَمَّرًا عاش بعد سليمان التيمي [إلى] (٥) سنة بضع وأربعين ومائة، وكان المشهورون بالرأي بالعراق وبالمدينة مثل: ربيعة الرأي وعثمان البَتِّي
vol. 2, p. 296وأبي حنيفة وغيرهم يفتون بأنَّ فيه كفارة يمين (١) ، وكان من الملوك من يكره أَنْ يُفْتَى في مثل هذا بكفارة يمين، كما هو الواقع في كثيرٍ من الأزمنة.
-
حتى إِنَّ مالكًا لما أفتى بأن يمين المكره لا تلزم، جَعَلَ من أراد (٢) الانتقام منه هذا حجة في ضربه، وحتى شهروه وضربوه ثلاثين سوطًا (٣) ، وقد (٤) [٧٨/ ب] روي عن الشافعي أنه قال: إنما حقد أمير المدينة عليه لتفضيله عثمان على علي، وسئل عن ذلك. فقال: لا أجعل من خاض في الدماء كمن لم يخض فيها (٥) ، ولكن الهاشمي لم يمكنه إظهار العقوبة على هذا، فجعل ذلك حجة ليقال إنه عاقبه غضبًا للمنصور، وأنه حَلَّ أيمان البيعة، واتفق هو وقاضي المدينة على هذا.
-
وكذلك الشافعي؛ رُوِيَ (٦) أنه لمَّا قدم بغداد في زمن الرشيد نُهِيَ أن يتكلم في الحلف بالطلاق المعلق على النكاح، لكراهة الرشيد لذلك (٧) . وقد رأينا من ذلك في زماننا وغيره ما فيه عبرة؛ فكيف لا يقال مع ذلك: إنَّ حميدًا هاب ذكر العتق خوفًا من هؤلاء العلماء المُفَتِّنِيْنَ ومن الولاة المسلَّطين؟!
-
وكان الإفتاء بلزوم العتق مشهورًا بالعراق، وهذا لما اشتهر تحليف
vol. 2, p. 297الناس بالطلاق والعتاق وإن لم يكن ذلك مشهورًا على عهد الصحابة، حتى إنه قد اِدَّعَى الإجماع على لزوم العتق المحلوف به من ادعاه من العلماء، كما ذكر ذلك ابن جرير عمن ذكره وأنكره عليه (١) ، وكما ذكر إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الإجماع على أَنَّ العتق المحلوف به والطلاق المحلوف به لا كفارة فيهما (٢) ؛ فلولا ظهور العمل بأن الحالف بذلك يلزمه ولا تنفعه الكفارة ما ادعى الإجماع مَنْ هو مِنْ أهل العلم.
-
وإذا ظهر العمل بقول في بلد أو بلاد هاب مَنْ يهاب ذكر ما يخالف ذلك، لاسيما إذا اقترن بذلك غَرَضُ بعض الولاة وعقوبتهم لمن يخالفهم، حتى إنَّ البلاد التي تظهر فيها بدعة من البدع لا يمكن أهل الحديث أن يظهروا من الأحاديث ما يخالف تلك البدعة.
-
ولما أظهرت محنة الجهمية امتحنوا الناس عليها، حتى كتب ابن أبي دؤاد على أستار الكعبة (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) ولم يكتب {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١] ؛ حتى كانوا إذا افْتَكُّوا الأسير امتحنوه، فإنْ قال: القرآن (٣) مخلوق؛ جعلوه مسلمًا فافتكوه وإلا لم يفتكوه، وقطعوا أرزاق (٤) من لم يوافقهم وعزلوه، وكان في تلك المدة لا يُظهر أحد في [ ... ] (٥) الأحاديث المخالفة لقول الجهمية.
- vol. 2, p. 298
وكذلك مذهب الرافضة [٧٩/ أ] إذا ظهر في بلد لم يُمَكِّنُوا أحدًا من رواية ما يخالف مذهبهم، حتى إنه في مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر فيها قول الرافضة مع كثرة من يوجد فيها من أهل السنة ــ أيضًا ــ طلبوا قراءة البخاري فما أمكنهم قراءته إلا بين الحجر والحائط الشرقي في ذلك الموضع المستور، ثم لما ظهر عليهم الرافضة منعوهم حتى أظهر الله السنة بعد ذلك، حتى إنَّ بني عُبيد لما استولوا على مصر لم يمكن أحدًا من أهل الحديث أن يروي شيئًا من الحديث، حتى جرت مع إبراهيم بن سعيد الحبال صاحب عبد الغني بن سعيد قصة مع الصدفي (١) .
-
ولما حَدَّثَ الشعبي في الكوفة بحديث فاطمة بنت قيس، وأَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «لا سكنى لكِ ولا نفقة» (٢) قام بعض أكابر فقهاء الكوفة [ ... ] (٣) حضره، وقالوا: تُحَدِّثُ بحديثٍ أنكره عمر؟! (٤) وهذا حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه.
-
وفقهاء الحديث كأحمد بن حنبل في ظاهر مذهبه وغيره يعملون به، وقد جعل بعض الحنفية هذا عِلَّة، فقالوا: إذا رَدَّ السلف الحديث لم يُعمل به؛ ومثلوه بهذا (٥) .
- vol. 2, p. 299
وقد كان أبو هريرة يحدِّث بأحاديث يقول: حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرابين؛ أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم مني البلعوم (١) (٢) ، وذلك الجراب وإن لم يكن فيه شيء من الأحكام وأصول الدين، وإنما فيه ذكر الملاحم والفتن.
-
فالمقصود: أَنَّ المحدث قد يترك التحديث بأشياء خوفًا من أذًى يلحقه، ولم نَقُلْ أَنَّ كل مسألة فيها نزاع تَرَكَ كُلُّ الناس ما روي فيها، بل يَرْوِي ما فيها مَنْ لم يخف لظهور القول بذلك، أو لكونه لا يُؤذى إذا خالف ذلك، أو لا يُنكر عليه إذا حَدَّث به ونحو ذلك.
-
وفي الجملة؛ فنحن لا نجزم بأنَّ الترك كان لهذه العلة، بل هذا أمر محتمل، وقد رأينا لهذا نظائر متعددة، يكون في الحديث لفظ يمنع منه بعض الناس، فيترك الراوي ذكره؛ إما مطلقًا وإما في بعض الأحوال.
-
وبكر بن عبد الله قد حَدَّثَ بهذا الحديث مرات؛ فلعله تارة كان يستوفيه وتارة يختصره، فإنَّ هذا يقع كثيرًا ــ أيضًا ــ؛ وإنما (٣) كان يستوفيه لبعض الناس ويختصره لبعضهم.