قول المعترض: (إن الأئمة لم يعتنوا بالآثار كما اعتنوا بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم) حجة عليه، وبيان ذلك
10 paragraphs · vol. 2, p. 334
- vol. 2, p. 334
الرواة ظنها أنصارية وبعضهم ظنها قرشية؟!
-
فإنَّ مثل هذا لا يضر لا جهله ولا الاختلاف فيه في الرواية، ثم جمهور الثقات الأثبات لم يذكروا قبيلتها البتة، فلم يذكروا أنها أنصارية ولا أنها قرابة لعمر، بل ذكروا اسمها ليلى بنت العجماء، وفيهم من لم يُسَمِّهَا.
-
فلو قُدِّرَ طرح رواية أولئك لم يكن هذا قادحًا في رواية هؤلاء الثقات الأثبات، حتى إنه لا يجوز القدح بمثل ذلك في الشهادة، فلو شهد عدد من الشهود وقُدِّرَ أنَّ بعضهم اختلفوا اختلافًا يقدح في شهادتهم، لم يقدح ذلك في شهادة من لم يختلفوا ولم يذكروا ما يقدح في شهادتهم؛ مع العلم بأنَّ باب الرواية أوسع من باب الشهادة (١) .
-
الثالث: أنه إِنْ كان هذا الاختلاف موجبًا للتوقف في حديث ليلى بنت العجماء؛ فالتوقف في حديث عثمان بن (٢) حاضر بالاختلاف الكثير الذي فيه، وبمخالفته ما رواه الثقات الأثبات عن الصحابة = أولى وأحرى، بل لا يَستريب عالم أنَّ القوادح في حديث عثمان بن حاضر أعظمُ بكثيرٍ من القوادح في حديث ليلى [٨٨/ أ] بنت العجماء.
-
وحينئذٍ؛ فقول القائل: (إِنَّ الأئمة لم يعتنوا بالآثار كما اعتنوا بأخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر عللها والاختلاف فيها وتحقيق الصواب فيه، لأنهم رأوا أَنَّ
vol. 2, p. 335الخطب في نقل مذاهب العلماء يسير) (١) = هو حجةٌ عليه في احتجاجه بحديث عثمان بن (٢) حاضر على مذاهب الصحابة، مع كثرة اضطرابه وعدم معرفة شهرة رواته بالعلم والضبط، ومخالفته لما هو الثابت المعروف عن الصحابة، واتفاق أهل العلم على عدم اتباعه؛ فما ذكره بكونه طعنًا في حديث عثمان بن حاضر أولى من كونه طعنًا في حديث ليلى، وغاية ما يقال: إنه لم يَثبت لا هذا ولا هذا، فلا يثبت عن الصحابة - رضي الله عنهم - في الحلف بالعتق شيء، لا إلزام ولا القول بالتكفير، كما لم يثبت ذلك عنهم في الحلف بالطلاق.
-
وأما التابعون: فقد ثبت عنهم النزاع في الحلف بالعتق من وجوهٍ ثابتة ــ كما تقدم ــ، وحينئذٍ؛ فثبت النزاع في العتق وهو المطلوب؛ إذ (٣) المقصود أنَّ الأمة لم تتفق على أن العتق المحلوف به يلزم؛ فمتى ثبت النزاع عن الصحابة أو عن التابعين إذا لم يكن عن الصحابة في ذلك شيءٌ= حصل المقصود.
-
وإذا لم يكن إجماعٌ؛ فما تنازع فيه المسلمون وَجَبَ رَدُّهُ إلى الله والرسول.
-
وأيضًا؛ فما ذكره من عدم الاعتناء بنقل الآثار لأنهم رأوا أن الخطب في نقل مذاهب العلماء يسير، يَسُدُّ عليه طريق المعرفة بإجماع العلماء، فإنه إذا كان قول الواحد والاثنين والثلاثة من الصحابة لم يثبت عنده مع نقله بهذه الطرق المشهورة المتصلة؛ فكيف يَثبت عنده قول كل واحد من علماء الصحابة أو علماء التابعين أو تابعي التابعين مع أنه ليس معه نقل بسند عن جمهورهم؛ بل غاية ما عنده نقل عن بعضهم، وأكثر النقل هو دون هذا النقل في الصحة، وما
vol. 2, p. 336كان أقوى من هذا فغايته أنْ يثبت النقل فيه عن عدد من أهل العلم، ليس معه نقل عن كل واحدٍ واحد، والعلماء عنده لم يعتنوا بنقل مذاهب السلف.
-
فإذا كان معرفة أقوال بعضهم مما يتوقف فيه عنده [فلماذا] (١) لا يتوقف في نقل مذاهبهم كلهم مع انتفاء النقل المسند في ذلك، بل [والنقل] (٢) المرسل؟! فإنه ليس أحدٌ ممن ينقل الإجماع يسمي كلَّ واحدٍ من علماء الصحابة والتابعين [٨٨/ ب] [ ... ] (٣) فأما أن يجعل قوله ما رواه عثمان بن حاضر فوق ما رواه [مَنْ هو أوثقُ] (٤) منه = فهذا لا يقوله عالم.
-
فتبين أنَّ ما قاله العلماء قاطبة [موافق للذي] (٥) تضمنه ذكر الحلف بالعتق في حديث ليلى بنت العجماء هو إفتاؤها (٦) بالكفارة في قولها (٧) : إنْ فعلت كذا فكل مملوك لي حر، وأَنَّ من أثبت هذه (٨) الرواية وزعم أنهم لم يفتوها بالكفارة إلا في غير العتق، فهو مع مخالفته (٩) لعلماء المسلمين المتفقين على خلاف هذا = قولُهُ ظاهرُ الخطأ.