الجواب عن الاعتراض بأن هذا النقل تركب من نقل الإجماع على الطلاق والنزاع في العتاق

10 paragraphs · vol. 2, p. 345

  1. ومعلومٌ أَنَّ مثل هذا لو [٩٣/ ب] فَعَلَهُ (١) الإنسان بمن هو دون الصحابة = لكان فيه من القول بلا علم وتقويل الأكابر من الخطأ ما لم يقولوه (٢) ما فيه من حَقِّ الله وحقهم، وما يتصل بذلك من الكلام في الدين بالباطل ما يكون أقل أحواله: أن يكون مردودًا على قائله.

    vol. 2, p. 345
  2. الوجه الثالث: أن هذا القول لم يُعرف عن أحدٍ من المسلمين قبل أبي ثور، ولا نقله أَحَدٌ عن أَحَدٍ قبل أبي ثور، ولولا أَنَّ أبا ثور قاله لم يعرف به قائل في الإسلام، فلا يعرف في الإسلام من جعل في الحلف بالنذر والعتق: الكفارة، وألزم الحالف بالطلاقِ الطلاقَ إلا أبا ثور، ولو كان هذا مما يعرف عن أحد من الصحابة أو يفهم من كلامهم = لكان هذا مما يتوفر نقل العلماء له عنهم، ولكان نقل ذلك عنهم أولى من نقله عن أبي ثور.

  3. وإذا قيل: هذا النقل تركب من نقل الإجماع على الطلاق والنزاع في العتاق.

  4. قيل: أول من حكى هذا الإجماع من العلماء هو أبو ثور، وأبو ثور قد صَرَّحَ عن نفسه بأنَّ مرادي في الإجماع الذي أحكيه: عدمُ العلمِ بالمنازع؛ فليس معه عن هؤلاء الصحابة إلا عَدَمُ علمِهِ بقولهم في الطلاق (٣) .

  5. وإذا لم أعلم قول قائل في مسألة وقد أفتى في نظيرها = لم يجز أنْ أجزم عنه بأنَّ فتياه في نظيرها مخالف فتياه فيها، بل إما أنْ أجعل قوله في

    vol. 2, p. 346نظيرها كقوله فيها، أو أسكت عن التخريج، فأما أَنْ أجعل قوله في نظيرها مخالفًا لقوله فيها، ثم أحكم بخطئه = فهذا لا يفعله أحد من العلماء بأحد ممن هو دون الصحابة فضلًا عن الصحابة، ولا يُجَوِّزُ مثلَ هذا مَنْ يدري ما يقول، وما علمتُ عالمًا فعل هذا بالصحابة.

  6. فإنَّ أبا ثور وإن ظن الإجماع، فهو يقول بالفرق بين الطلاق والعتق؛ فعلى قول أبي ثور: يكون هؤلاء الصحابة فَرَّقُوا بين الطلاق والعتق، والفرق صحيح، [و] (١) هو حكم الله ــ عز وجل ــ ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، لا يقول أبو ثور: إنهم فرقوا وأخطأوا في الفرق.

  7. ومن جعل هذا الفرق باطلًا وسَوَّى بين العتق والطلاق إما في اللزوم وإما في عدمه كسائر العلماء من الأئمة كأبي حنيفة ومالك [٩٤/ أ] والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل، بل داود [بن علي] (٢) وغيره=لم يحك أَحَدٌ من هؤلاء إجماعًا لا على وقوع الطلاق ولا [العتاق] (٣) .

  8. والذين جاؤوا بعد أبي ثور مثل: محمد بن نصر وابن عبد البر نقلوا الإجماع الذي ظَنَّهُ أبو ثور مع تسويتهم بين الطلاق والعتاق، ومع نقلهم لأقوال الصحابة الذين أفتوا في الحلف بالعتق بكفارة يمين؛ فهؤلاء يلزمهم أَنْ يُخَطِّئُوا الصحابة، وأَنْ يُقَوِّلُوهم ما لم يقولوه، ويقولوا مع ذلك إنهم أخطأوا فيه، ولا علم عندهم بذلك إلا تقليد أبي ثور في إجماعٍ ليس عنده فيه إلا عدم العلم.

  9. ومن جزم بخطأ الصحابة ولا مستند له إلا عدم علمه كان هو أحق بالخطأ من الصحابة، ولا ريب أن من ظن إجماعًا في هذه المسألة فهو مخطئ قطعًا، لا سيما من ظن إجماعًا على وقوع الطلاق، فإن النزاع في وقوع الطلاق معروف عن غير واحد من العلماء قديمًا وحديثًا؛ منهم من يقول الطلاق المعلَّق بالصفة لا يقع بحال، ومنهم مَنْ يُفَرِّق بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به الإيقاع؛ وعلى هذا القول فإذا قصد به اليمين لم يلزمه، وهل عليه كفارة؟ على قولين؛ فهذه ثلاثة أقوال أخر للمسلمين وهي أقوال [معروفة] (١) ، فخطأ من لم يعلم النزاع معلوم قطعًا.

    vol. 2, p. 347
  10. وأما الصحابة الذين خَطَّأهم هؤلاء فلم يقولوا قولًا يظهر فيه خطؤهم، بل الكتاب والسنة والاعتبار يدل على صواب أقوال الصحابة - رضي الله عنهم -، فكيف يحكم بخطئهم دون خطأ الذين قد علمنا قطعًا أن في نقلهم خطأ عليهم، بل وعلى غيرهم من الصحابة والتابعين؟ ! فإنه من لم يُنقل عنه من الصحابة فتيا لا بالتكفير ولا باللزوم لا يجوز أن يقول: هو كان يعتقد لزوم الطلاق أو الطلاق المحلوف به؛ فكيف إذا كان مِنْ قوله: أَنَّ العتقَ المحلوف به لا يلزم بل يجزئ فيه كفارة يمين؟ كيف يجوز مع ذلك أن يحكم عليه أنه [اعتقد] (٢) فرقًا يعلم أنه خطأ وهو لم يفرق؟