الوجه الرابع: أن نقل المذاهب بالاستنباط والاستدلال
11 paragraphs · vol. 2, p. 347
- vol. 2, p. 348
[٨٩/ ب] [ ... ] (١) ابن عباس. فقال: إني نذرت لأنحرنَّ نفسي. فقال ابن عباس: { [لَقَدْ كَانَ] (٢) لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] ، ثم تلى ابن عباس: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: ١٠٧] .
قال البيهقي: هذا يدل على أنه أراد برسول الله إبراهيم.
قال (٣) : قد روي عن ابن عباس فيمن نذر أن يذبح نفسه فَتْوى أخرى، وروى بإسناده الثابت عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس قال: أتاه رجل، فقال: إني نذرت أن أنحر نفسي. قال: وعند ابن عباس رجل يريد أن يخرج إلى الجهاد ومعه أبواه، وابن عباس مشتغل به يقول له: أقم مع أبويك. قال: فجعل الرجل يقول: إني نذرت أَنْ أنحر نفسي. فقال له ابن عباس: ما أصنع بك؟! اذهب فانحر نفسك! فلما فرغ ابن عباس من الرجل وأبويه، قال: عليَّ بالرجل. قال: فذهبوا فوجدوه قد بَرَكَ على ركبتيه يريد أن ينحر نفسه، فجاؤوا به إلى ابن عباس فقال له: ويحك! لقد أردت أنْ تُحِلَّ ثلاث خصال: أَنْ تُحِلَّ بلدًا حرامًا، وتقطع رحمًا حرامًا ــ نفسُك أقرب الأرحام إليك ــ، وأن تسفك دمًا حرامًا. أتجد مائة من
vol. 2, p. 349الإبل؟ قال: نعم. قال: اذهب فانحر في كل عام ثلثًا، لا يَفْسُدِ اللحمُ.
-
وفي رواية: ابن نمير (١) عن الأعمش. قال كريب: فترصدته (٢) عامين، فأما الثالث فلا أدري ما فعل.
قال (٣) : ورواه الثوري، عن الأعمش بمعناه، وزاد: قال الأعمش: فبلغني عن ابن عباس أنه قال: لو اعتلَّ عليَّ (٤) لَأَمَرْتُهُ بكبشٍ.
قال البيهقي (٥) : وقد روي من وجه آخر عن ابن عباس: أنه أمر في هذه المسألة بكبش.
-
وروى البيهقي من حديث إسحاق الأزرق، حدثنا ابن عون، حدثني رجل أَنَّ رجلًا سأل ابن عمر عن رجل نذر ألا يكلم أخاه فإن كلمه فهو ينحر نفسه بين المقام والركن في أيام التشريق. فقال: يا ابن أخي أبلغ من وراءك أنه لا نذر في معصية الله، لو نذر ألا يصوم رمضان (٦) فصامه كان خيرًا له، ولو نذر ألا يصلي فصلى كان خيرًا له؛ مُرْ صاحبك فليكفر عن يمينه، وليكلم أخاه (٧) .
- vol. 2, p. 350
فهذه الآثار ثابتة عن ابن عباس باتفاق أهل العلم، وقد تبع ابن عباس جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم.
وقال مالك: من حلف فقال: أنا أنحر ابني إن فعلت كذا، فحنث فعليه كفارة يمين (١) .
-
[٩٠/ أ] وقال مرة: إن كان نوى بذلك الهدي؛ عليه هدي، وإن كان لم [ينو فيها؛ لا] (٢) شيء عليه، لا هدي ولا كفارة (٣) .
وقال مرة: إن نذر ذلك عند مقام [إبراهيم] (٤) فعليه هدي، وإن لم يقل عند مقام إبراهيم فكفارة يمين (٥) .
وقال أبو حنيفة: من نذر ذبح ولده فعليه شاة (٦) ، وطائفة لم تتبعه، بل قالوا: لا شيء في ذلك، كالشافعي ويذكر هذا رواية عن أحمد، وظاهر مذهبه كما قال ابن عباس، لكن أفتى أحمد في غير موضع بكفارة يمين، كما روي عن ابن عباس من رواية القاسم (٧) ، وهو اختيار طائفة من أصحاب
vol. 2, p. 351أحمد كأبي الخطاب وأبي محمد قالوا: لأنَّ هذا نذر معصية، ونذر المعصية فيه كفارة يمين في ظاهر مذهب أحمد، كما نقل عن الصحابة في ذلك، وأفتى في مواضع بكبش، كما نقل عطاء وعكرمة عن ابن عباس، وهو اختيار كثير من أصحابه: كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وطائفة من أصحابه كالخرقي وغيره قالوا عن أحمد فيمن حلف ينحر ولده روايتان: إحداهما يلزمه كفارة يمين، والأخرى يذبح كبشًا (١) .
-
لكن أكثر نصوص أحمد تُفرِّق بين أن يحلف بذلك وبين أن ينذر ذلك؛ وهو القول الرابع في مذهبه، وهذا مقتضى نصوصه بالجواب بكفارة يمين فيمن حلف بذلك، وبالكبش فيمن نذر ذلك، لأنَّ من أصله أن من حلف بالنذر الواجب فعليه كفارة يمين. فكيف إذا حلف بالنذر الذي لا يجب بعينه بل يجب بدله؟!
-
ونظير هذا لو قال: إنْ فعلت كذا فعليَّ أنْ أصوم يوم العيد، فهنا تجزئه كفارة يمين ولا يحتاج إلى صوم لا نزاع فيه، فإنه لو قال: إِنْ فعلت كذا فلِلّه عليَّ أَنْ أصوم؛ أجزأته كفارة يمين، وكذلك لو قال: إِنْ فعلت كذا فلله عليَّ أَنْ أهدي بدنة أو مائة من الإبل؛ أجزأته كفارة يمين بلا خلاف في مذهبه، فكيف لا تجزئ هنا كفارة يمين؟!
-
وأما إذا نذره على وجه التبرر يعتقد أن ذبح ابنه أو نفسه قربة يتقرب بها إلى الله، فهنا يكون الجواب بأنه يذبح كبشًا، كما قال ابن عباس ويقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] وهو إبراهيم، فإنَّ
vol. 2, p. 352الله يقول: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الممتحنة: ٤] ، وإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - [٩٤/ ب] لَمَّا أُمِرَ بذبح ابنه، ثم حرم عليه ذلك، فداه الله بِذَبْح كبش (١) ، وجعل هذا بدلًا مما أوجبَ أولًا من ذبح الابن.
-
والواجب بالنذر كالواجب بالشرع، إذا تعذر الأصل انتقل إلى البدل؛ كما لو نذر أن يصوم يومًا فأفطر لعذر فإنه يصوم يومًا مكانه، ولهذا إذا أبدل المنذور بخيرٍ منه أجزأه، كما لو نذر أن يصلي بالمسجد الأقصى فصلى في أحد المسجدين ــ المسجد الحرام، أو مسجد المدينة ــ أجزأه ذلك (٢) .
-
ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما أنه يجوز إبدال الهدي والأضحية بخير منهما (٣) ؛ وهذا بخلاف تعيين الشارع، فإنه لا يعين الشيء إلا وهو أفضل من غيره، وأما الناذر فقد يُعَيِّنُ الشيءَ وغيرُهُ أفضل منه.
-
ولهذا جاز أن يفعل عن الميت كل نذر لم يفعله حتى الاعتكاف والصلاة في أصح الروايتين عن أحمد، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل النذر كالدين الذي في ذمة الميت، والدين يقبل فيه قضاء الغير فالله أحق بالقضاء (٤) ، ويقبل فيه أداء خير منه، لكن الغير لا يفعل عنه العبادات البدنية إلا مع العجز، لأنه غير بدنه وليس بدن غيره أفضل؛ فصار كما إذا نَذَرَ عبادة فاضلة