الوجه الأول من الجواب: بيان خطأ المعترض بقوله: (مقصوده بهذا رد تلك الرواية بهذه الرواية)
23 paragraphs · vol. 2, p. 389
- vol. 2, p. 389
فأعرض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قِبَلَه. فقال (١) : يا رسول الله! [إنَّ] الأَخِرَ قد زنا فأعرض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فعاد فقال له ذلك، فأعرض عنه، فتنحى الرابعة؛ فلما شَهِدَ على نفسه أربع شهادات دعاه فقال: «هل بك جنون؟» . قال: لا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اذهبوا به فارجموه» وكان قد أحصن.
-
وعن الزهري قال: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى بالمدينة، فلما أذلقته الحجارة جمز، حتى أدركناه بالحرة، فرجمناه حتى مات.
-
فهذا مقصود البخاري في الترجمة يُبيِّنُ أَنَّ مراده اعتبار نية المطلِّق، وحينئذٍ؛ فالجواب من وجوه:
أحدها: قوله: (مقصوده بهذا رَدُّ تلك الرواية بهذه الرواية) .
-
فيقال له: ليس الأمر كذلك؛ لا في كلام المجيب ما يدل على ذلك ولا هو قصد ذلك، وإنما ذكر هذا لِيُبيِّنَ أنه عن ابن عباس ما يبين أَنَّ الطلاق والعتاق المحلوف به لا يقع، كما قدمناه عنه وعن غيره من الصحابة [١٠٢/أ] أَنَّ التعليق الذي يقصد به اليمين يمين، وأنَّ تعليق العتق الذي يقصدُ به [اليمين] (٢) يمينٌ مكفرة.
-
وذكرنا أَنَّ ما يعارض هذا عنه من رواية عثمان بن حاضر؛ إما أن تكون
vol. 2, p. 390باطلة، وإما أن تكون عنه روايتان، وكذلك ذكرنا هذا الأثر عنه موافقًا لما ثبت عنه مما يؤيد ذلك، وإذا ثبت هذا عنه = كان أحد الأمرين لازمًا: إما ترجيح الروايات الثابتة عنه على الرواية الضعيفة، وإما أن يكون عنه روايتان، لا أَنَّا بمجرد نقل هذا الجواب نرد تلك الرواية، فإنَّ هذا ليس بطريق صحيح.
-
فإنه إذا ثبتت تلك الرواية وثبتت هذه= لم يكن رَدُّ إحداهما بالأخرى بأولى من العكس، بل بَيَّنَّا أَنَّ تلك الرواية ليس فيها ولا في غيرها أَنَّ ابن عباس أو غيره من الصحابة فَرَّقُوا بين الحلف بالعتق وبين الحلف بالنذر، كما يقوله من يقول بذلك من يحتج بقولهما ممن قال: إن قوله موافق لقول أحد من الصحابة من الفرق بين الحلف بالعتق والنذر، فقوله لم يُنقل عن أحد من الصحابة.
-
وأحمد لم يَنقل عن أحد من الصحابة أنه فرق بين العتق وغيره لا هو ولا غيره من العلماء، بل لما نُقِلَ له عن بعضهم القول في العتق ولم تبلغه تلك الرواية إلا من طريق واحد عللها، فلم يثبت عنده عن الصحابة في العتق إفتاء بالتكفير، ثم رأى في هذه الرواية إفتاء بعضهم بلزومه إذا حلف به، فأفتى هو بلزومه ولزوم الطلاق دون لزوم النذر، كما قال ذلك أمثاله من العلماء كالشافعي وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم، وليس في هؤلاء مَنْ نَقَلَ قوله عن الصحابة، بل ولا من بعدهم كمحمد بن نصر المروزي وأمثاله مع موافقتهم لهم= لم يَنْقُلْ أَحَدٌ من هؤلاء عن أحدٍ من الصحابة أنهم فَرَّقُوا بين الحلف بالعتق والنذر، ولا بين الحلف بالطلاق والعتاق والحلف بالنذر، ولا بين الحلف بالطلاق والحلف بالعتق، ولا بين الحلف بالطلاق والحلف بالنذر = فهذه الفروق لم ينقلها أحد من العلماء عن أحد من
vol. 2, p. 391الصحابة بإسناد (١) صحيح ولا ضعيف.
-
ولكن نقل بعضهم ما نقله [١٠٢/ ب] أحمد من أثر عثمان بن حاضر أنهم أفتوا بلزوم العتق، ولكن إنما أفتوا بذلك مع إفتائهم بلزوم الصدقة وذبح النفس، وجعلهم في الصدقة الزكاة وفي ذبح النفس بدنة، وهذا القول إنْ كان هؤلاء الصحابة قالوه: ففيه التسوية بين الحلف بالعتق والحلف بالنذر في لزوم الجميع لا في لزوم العتق وحده وتكفير الباقي، فأمَّا أَنْ يجعل لمجرد هذه الرواية أنهم أفتوا بلزوم العتق وتكفير غيره = فهذا كذبٌ صريحٌ عليهم، بل لو قُدِّرَ أنه لم يُنقل عنهم في حديث ليلى بنت العجماء ذكر العتق بحال= لم يجز أن يقال: إنهم يفتون في العتق باللزوم وفي غيره بالتكفير بحديث عثمان بن حاضر، فإنه ليس فيه إلا الإفتاء بلزوم الجميع، بل أفتوا بأن العتق وغيره يلزم.
-
وحينئذٍ؛ فمقصود مَنْ نصر قول أحمد في هذا الجواب: إما أَنْ يكون مقصوده أَنْ يحكي عنهم الإفتاء بلزوم العتق وتكفير غيره؛ فهذا كذبٌ صريحٌ عليهم، وأحمد - رضي الله عنه - لم يقل هذا، ومن هو دون أحمد لا يستجيز مثل هذا الكذب الظاهر عليهم؛ فكيف بأحمد وأمثاله؟
-
وإما أَنْ يكون مقصوده أَنْ يعارض رواية التيمي برواية عثمان بن حاضر، ويقول: قد اختلف النقل عنهم في العتق؛ فهذا متوجه يسلكه أحمد ومثله من العلماء، لكن يقال: المعارضة ثبتت في العتق وفي غيره؛ فعثمان نقل في الجميع اللزوم، والتيمي نقل في حديث ليلى بنت العجماء في الجميع الكفارة، وهو ومن اتبعه وأنتم وجميع العلماء تُقَدِّمُون حديث ليلى
vol. 2, p. 392بنت العجماء في الصحة والثبات (١) .
-
وأحمد مع الشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ومحمد بن نصر وغيرهم من فقهاء الحديث مع أكثر السلف يقولون بحديث ليلى بنت العجماء في الحلف بالنذر، ولم يقل أحد من العلماء بما في حديث عثمان بن حاضر، فإذا قلتم بموافقته في العتق دون النذر= لم يكن ما قلتموه قول أحد من الصحابة، فلا يجوز لأحدٍ منكم أَنْ يجعلَ قوله في العتق قول أحد من الصحابة.
-
وقد تكلم العلماء فيما إذا اختلف الصحابة في مسألتين على قولين وسَوَّوا بينهما؛ هل لمن بعدهم [١٠٣/ أ] أَنْ يُحدث قولًا ثالثًا بموافقة هؤلاء في قول وموافقة هؤلاء في قول؟ (٢) .
-
ومَثَّلُوا ذلك باختلاف الصحابة في العمريتين: زوج وأبوين، وزوجة وأبوين؛ فإن الجمهور من الخلفاء الراشدين وغيرهم كعمر (٣) وعثمان (٤)
- vol. 2, p. 393
وعلي (١) وابن مسعود (٢) وزيد بن ثابت (٣)
-
- رضي الله عنهم - قالوا: بأن الباقي بعد فرض الزوجين للأم ثُلُثُهُ والباقي للأب، جعلًا لما يَبقى بعد فرضهما بمنزلةِ أصلِ التركة إذا لم يكن وارث غيرهما، وجعلًا لذلك بمنزلة ما تَبَقَّى بعد الوصايا وقضاء الديون.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - وطائفة: بل للأم الثلث فيهما (٤) .
- vol. 2, p. 394
فقال بعض التابعين ــ إما مروان وإما ابن سيرين (١) ــ بقول عمر في زوج وأبوين، وبقول ابن عباس في زوجة وأبوين (٢) ، لئلا يُفَضِّلَ أُمًّا على أب، فالزوج إذا أخذ النصف وأخذت الأم الثلث يبقى للأب السدس، بخلاف ما إذا كانت زوجة فإنها تأخذ الربع والأم الثلث يبقى ثلث وزيادة (٣) = فهذا تنازع الناس في جوازه، والأكثرون لا يُجَوِّزونه.
-
وقد اختلف الناس من أصحاب أحمد وغيرهم في جواز مثل هذا، فقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز، وقيل: إِنْ صَرَّحُوا بالتسوية بين المسألتين لم يجز الفرق وإلا جاز.
-
وهذا في مسألتين يكون مأخذهما واحدًا كاختلافهم في الرَّدِّ وذوي الأرحام؛ فقيل: بالرد وتوريث ذوي الأرحام، وقيل: بنفيهما، ولم يقل أحد بالرَّدِّ دون توريث ذوي الأرحام والمأخذ واحد.
-
ولم يقل أحد من العلماء بأنه يجوز أن ينقل عن الصحابة الفرق الذي قاله بعض التابعين= فثبت أنه لا يجوز أن ينقل عن أحد من الصحابة الفرق
vol. 2, p. 395بين الحلف بالعتق وغيره باتفاق العلماء، ولم يَحْكِ هذا عنهم لا أحمد ولا غيره، ولكن فعله الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وهؤلاء الأئمة ــ رضوان الله عليهم ــ إذا كان النقل عنهم بتكفير الحلف بالعتق وغيره ثابتًا وباللزوم وغيره ثابتًا هو نظير ما فعله بعض التابعين من الفرق بين العمريتين.
-
فإنَّ الصحابةَ نُقِلَ عنهم في الحلف بالعتق والنذر جوابان: أحدهما: تكفير الجميع، والثاني: الإلزام بالجميع [١٠٣/ ب] ؛ فهؤلاء فَرَّقُوا بين العتق وغيره؛ فألزموا الحالف بالعتق دون غيره، كما فَرَّقَ ابن سيرين بين العمريتين.
-
والصحيح في مثل هذا: أنه لا يجوز التفريق بين ما سَوَّى الصحابة بينه مع اتحاد المأخذ؛ فإنَّ المأخذ أَنَّ التعليق الذي يقصد به اليمين هل هو يمين أم لا؟ فإنْ كان يمينًا فهو يمين في الجميع، وإن لم يكن يمينًا فليس بيمين في الجميع، والصحابة نُقِلَ عنهم هذا وهذا، لكن النقل عنهم بأنه يمين أثبت وأكثر طُرُقًا، وهو منقول عنهم في قضايا متعددة بخلاف هذا.
-
وبتقدير صحة الجوابين: فالصواب موافقتهم؛ إما في هذا وإما في هذا، وأما التفريق بين ما جمعوا بينه مع اتحاد المأخذ فهذا (١) يُضَعَّفُ كضعف قول من فَرَّق بين العمريتين، وهذا المفرِّق ذهب إلى ما لم يذهب إليه أَحَدٌ من الصحابة من التعليل بمجرد تفضيل الأم على الأب.
-
كما أَنَّ هؤلاء المفرِّقين بين العتق وغيره ذهبوا إلى ما لم يذهب إليه أَحَدٌ من الصحابة من تعليل الحلف بالعتق بأنه وقوعٌ معلَّقٌ بالصفة، بخلاف النذر