قول المعترض: (لفظ البخاري ليس فيه حصر ولا عموم) غلط منه، وبيان ذلك

21 paragraphs · vol. 2, p. 397

  1. ابن عباس: الطلاق عن وطر والعتق ما ابتغي به وجه الله. فَنَقَلَهُ هو بالمعنى وزاد عليه، فإنَّ لفظ البخاري ليس فيه حصر، ولا هو صريحًا [في العموم] (١) ، بخلاف اللفظ الذي نقله هو عنه، وشَرْطُ النقلِ بالمعنى المساواةُ في الجلاء والخفاء).

    vol. 2, p. 397
  2. فيقال: أمَّا نقله بالمعنى: فالمذاهب إنما تُنقل بالمعنى، وحديث الرسول يجوز نقله بالمعنى عند الجماهير، وأما مذاهب العلماء فما زال العلماء ينقلونها بالمعنى، وما علمت طائفة معتبرة نازعت في هذا، كما نازعت في نقل حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

  3. وإن لم يكن نقل المذاهب بالمعنى جائزًا فعامة ما في كتب الناس من نقل مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم غير جائز؛ بل نقلها بالمعنى الذي عُرِفَ أَنَّ المتكلمَ أراده أولى من نقلها بلفظ يحتمل ذلك المعنى وغيره؛ فإنَّ المتكلم قد يكون تكلم بلفظٍ معناه معروفٌ عنده، ثم يُغَيَّر العرف والاصطلاح في ذلك اللفظ؛ فمن نقل لفظه ولم ينقل عُرْفَه وعادَته فيه = أفهمَ الناس خلافَ مراده وجعلهم يكذبون عليه، ومَنْ نقله بالمعنى الذي عُرِفَ أنه أراده = جَعَلَ الناس يصدقون عليه (٢) .

  4. وأما قوله: (إن الناقل زاد على المعنى) فغلطٌ.

  5. وقوله: (لفظ البخاري ليس فيه حصر ولا عموم) غلطٌ منه، فإنَّ قول ابن

    vol. 2, p. 398عباس: الطلاق عن وطر والعتق ما ابتغي به وجه الله = يفيد الحصر والعموم؛ كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الماء من الماء» (١) ، وقوله أو قول بعض السلف: «الشفعة فيما لم يقسم» (٢) .

  6. وقوله: «الأعمال بالنيات» فإنه هكذا في الصحيح (٣) ، [١٠٤/ ب] وروي ــ أيضًا ــ: «إنما الأعمال بالنية» (٤) ، وقد روي ــ أيضًا ــ: «إنما الأعمال بالنيات» (٥) ، وهذه الألفاظ الثلاثة في الصحيح، ويروى في غير الصحيح: «الأعمال بالنيات» (٦) ، والناس إنما رووه تارة بحرف «إنما» ، وتارة بدون هذا الحرف، لأنَّ المعنى عندهم في الموضعين سواء.

  7. وكذلك ما عُرِّفَ بالإضافة كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٧) ،

    فإنَّ هذا يفيد الحصر والعموم؛

  8. أي: لا مفتاح لها إلا الطهور، ولا تحريم لها إلا التكبير، ولا تحليل لها إلا التسليم.

    vol. 2, p. 399
  9. ومن المُعرَّف باللام قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنُ مَنْ أَمِنَه الناس على دمائهم وأموالهم، والمسلم مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد مَنْ جاهد نفسه في ذات الله» (١) ،

    فهذا نظير قوله

    vol. 2, p. 400تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية [الحجرات: ١٥] ، وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور: ٦٢] ، ومثله قولهم: العالِمُ مَنْ يخشى الله، فإنه مثل قولهم: إنما العالم من يخشى الله، وما يؤثر عن الله ــ عز وجل ــ أنه قال: «عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاقٍ قِرْنَه» (١) ، فإنه كقوله: إنما عبدي كل عبدي، ومثل هذا كثير (٢) .

  10. والقول بأن مثل هذا يفيد الحصر والعموم قول جماهير أهل العلم، وهو معروف من قول أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما (١) ، لكن تنازعوا: هل يفيده بطريق المنطوق أو بطريق المفهوم؟ على قولين، ومن قال: إنه بطريق المفهوم= جَعَلَهُ أعلى مراتب المفهوم، أعلى من مفهوم الغاية وغيره، وجعل الخلاف في ذلك شاذًا ليس كالخلاف في مفهوم الصفة والعدد.

    vol. 2, p. 401
  11. والصحيح: أنه يفيده بطريق المنطوق لا بطريق المفهوم الذي هو دليل الخطاب، فإنَّ ذلك إنما يكون فيما سكت عنه المتكلم، فيدل المنطوق على المسكوت إما لتخصيصه بالذكر مع تمام المقتضي للتعميم، وقصد التخصيص بالحكم يتضمن نفي حكم المنطوق عن المسكوت، سواء انتفى عن جميع أفراده أو كان في نفيه عن بعضها [١٠٥/ أ] تفصيل وتقييد، فقصد تخصيص المذكور بالحكم= يبين أنه ليس حكم المسكوت كحكم المنطوق، ويكفي في ذلك الخلاف من بعض الوجوه.

  12. فقوله: «مطل الغني ظلم» (٢) و «لَيُّ الواجدِ يُحِلُّ عرضه وعقوبته» (٣)

  13. يدل على أنَّ مطل الفقير ليس كذلك، وأَنَّ لَيَّ الفاقد ليس كذلك.

    vol. 2, p. 402
  14. وقوله: «في السائمة الزكاة» (١) يدل على أَنَّ المعلوفة ليست كذلك، فلا يجب فيها ما يجب في السائمة، ثم إذا قيل: إنه يجب فيها زكاة التجارة، لم يكن في هذا مخالفة لدلالة المفهوم، فإن المفهوم لا عموم له؛ فهو لا يقتضي انتفاء حكم المنطوق عن جميع صور المسكوت في جميع الأحوال، إذ كانت دلالته إنما هي من جهة أن المنطوق قُصِدَ تخصيصه بذلك الحكم، فإذا كان ذلك الحكم لا يثبت في المسكوت كثبوته في المنطوق = حصل الاختصاص، وهذا يحصل بألا تكون الزكاة في غير السائمة كالزكاة في السائمة.

  15. فكذلك قوله: «لَأَنْ يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يَرِيَهُ خيرٌ له مَنْ أَنْ يمتلئ شعرًا» (٢) يقتضي أَنَّ ما دون الامتلاء ليس كذلك (٣) .

  16. وقد تكون دلالة المفهوم من جهة العلة؛ فإن الحكم إذا عُلِّقَ باسم مشتق مناسب كان موضع الاشتقاق علة للحكم (٤) ، وكذلك مع عدم ظهور المناسبة عند الأكثرين، وهو أشهر القولين لأصحاب أحمد وغيرهم، وإذا

    vol. 2, p. 403كان الوصف عِلَّة للحكم= انتفى ذلك الحكم لانتفاء علته؛ فهذان الوجهان: قصد التخصيص، والتعليل= هما وجه دلالةِ مفهومِ الخطاب الذي يسمى مفهوم المخالفة، ويسمى دليل الخطاب (١) .

  17. وأما مفهوم الموافقة فَأَنْ يظهر أن الحكم في المسكوت أولى منه في المنطوق (٢) ؛ كقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: ٣١] ، فإذا حرم قتلهم مع خوف الفقر فتحريمه مع الغنى أولى.

  18. وقد يكون التخصيص بالذكر لسبب اقتضاه، فلا يدل على المسكوت لا موافقة ولا مخالفة؛ فهذه الأقسام الثلاثة موجودة، بل تُعلم الموافقةُ والمخالفةُ بدليلٍ منفصلٍ؛ فالموافقة هو: قياس الجمع (٣) ، والمخالفة: قياس الفرق.

  19. وأما قوله: «إنما الماء من الماء» (٤) ، و «إنما الأعمال بالنيات» (٥) فصيغة «إنما» تفيد الحصر [١٠٥/ ب] كقوله: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النساء: ١٧١] كما يفيد الاستثناء من النفي، كقوله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: ٧٣] ،

    vol. 2, p. 404وقوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: ١٤٤] ، ومثل هذا يفيد نفي كونه زائدًا على حَدِّ الرسالة، فليس بملك من الملائكة، وليس بمخلد؛ بل هو رسول يجوز عليه ما يجوز على الرسول كقوله: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: ٧٥] أي: لا يَتَعَدَّى حَدَّ الرسالة، فلا يكون إلهًا، وأمه صديقة ليست رسولًا ولا نبيًّا، فضلًا عن أن تكون إلهًا.

  20. فدلالة «إنما» على النفي والإثبات بطريق اللفظ، وكذلك الدلالة بأدلة التعريف مع حذف «إنما» إذا قيل: «الماء من الماء» (١) و «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٢) فإنَّ اسم الجنس المعرَّف بلام الجنس يقتضي الاستغراق عند جماهير السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولا يعرف في ذلك نزاع بين القرون الثلاثة، وإنما أنكر العموم في مثل هذا طائفة من المتأخرين من أهل البدع (٣) ، كما ذكر غير واحد من العلماء قالوا: إنكار صيغ العموم بدعةٌ حدثت بعد القرون الثلاثة (٤) .

  21. والنزاع في الاسم المفرد الذي له جمع كالإنسان نزاعٌ شاذٌ، وأما اسم