الجواب الثالث عن قول المعترض: (شرط النقل بالمعنى المساواة في الجلاء والخفاء)
9 paragraphs · vol. 2, p. 405
- vol. 2, p. 405
الجنس الذي يتناول الواحد والكثير؛ كالماء والطلاق والعتاق فليس فيه نزاع، اللهم إلا أَنْ يكونَ عند من لا يرى صيغ الجمع ــ كالمسلمين والمشركين ــ للعموم، وهذا ــ أيضًا ــ شاذٌ؛ وليس هذا موضع بسط ذلك (١) .
-
لكن بَيَّنَّا (٢) أَنَّ قول ابن عباس - رضي الله عنهما -: (الطلاق عن وطر، والعتق ما ابتغي به وجه الله) من هذا الباب، وإذا كان هذا مفيدًا للحصر والعموم بطريق اللفظ عند السلف وجماهير الخلف، كما يفيده إذا قال: «إنما الماء من الماء» (٣) ، وإنما الطلاق عن وطر، وإنما العتق ما ابتغي به وجه الله. وإنْ كان الحصر والعموم قد يظهر لبعض الناس في هذا أكثر من هذا؛ فلا ريب أَنَّ مراد ابن عباس وأمثاله باللفظين واحد.
-
وأيضًا؛ فيمتنع ألا يكون مراد ابن عباس الحصر والعموم، بل مراده أَنَّ بعض الطلاق يكون عن وطر وبعضه يُبتغى به [١٠٦/ أ] وجه الله، فإنَّ هذا معلومٌ لكل أحد، وهو كلام لا فائدة فيه، وإنما يفيد إذا قصد الحصر والعموم لينفي أن يكون ما سوى ذلك طلاقًا وعتاقًا.
-
الجواب الثالث: قوله: (شرط النقل بالمعنى المساواة في الجلاء والخفاء) .
- vol. 2, p. 406
فيقال: هذا في نقل مذاهب العلماء غلط باتفاق العلماء، بل وفي نقل كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بل الصحابي إذا عَلِمَ مُرادَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظه الذي تعوَّد (١) الخطاب به = كان له أن يبين للتابعين مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ آخر يفهمون به مراده، وإذا كان هذا اللفظ أوضح في الدلالة كانت الرواية به أولى، وإنما يتحرى اللفظ إذا لم يعلم مراده، فيؤدي اللفظ بعينه.
-
والله ــ تعالى ــ قد حكى أقوال الأمم قبلنا باللفظ العربي الذي هو أتم في البيان والدلالة من الألفاظ التي كانوا يتخاطبون بها، لا سيما لنا، فإنَّ البيان لنا أَجَلُّ بلا ريبٍ، والجلاء والخفاء أمر نسبي، ومعلوم أن ما ذكره الله ــ تعالى ــ من قول موسى ــ عليه السلام ــ وفرعون، ويعقوب ــ عليه السلام ــ وبنيه وغيرهم ممن كانت لغته غير عربية، بل إما عبرية وإما قبطية وإما سريانية وإما غير ذلك = ذكرها الله ــ تعالى ــ باللغة العربية، وهكذا كل مُتَرْجَمٍ يترجم كلام غيره بعبارة أجلى من تلك العبارة للمستمعين.
-
ثم العربية متفوقة (٢) ، فليس بين عبارة القرآن وغيره نسبة في البلاغة؛ ومع هذا فالله ــ سبحانه وتعالى ــ حكى أقوالهم بهذه الألفاظ البليغة.
-
والصحابة والتابعون بعدهم مازالوا يحكون كلام بعضهم بلفظٍ آخر يَبِين به المعنى المراد للمستمعين، إن (٣) كان ذلك أجلى لهم.
-
وهذا المعترض قد حكى أقوال الصحابة والتابعين أقوالًا لم يقولوها،