اعتراض: نذر اليمين المسمى نذر اللجاج والغضب كنذر التبرر
13 paragraphs · vol. 2, p. 413
- vol. 2, p. 413
الوفاء بها بالاتفاق، ولكن عليه كفارة يمين في مذهب أحمد وغيره، وعند الشافعي لا كفارة فيها إلا إذا قصد اليمين على نزاع في مذهبه؛ فوجوب العتق يلزم بالنذر، ووجوب الطلاق لا يلزم بالنذر.
-
فإذا قيل: إن نذر اليمين المسمى نذر اللجاج والغضب كنذر التبرر ــ كالأثر المروي في حديث عثمان بن حاضر ــ كان يوجب هذا أنه إذا نذر وجوب العتق لزمه، وإذا نذر وجوب الطلاق لم يلزمه.
-
فلو قال: إن فعلت كذا كان عليَّ أَنْ أُعتق عبدي لزمه، ولو قال: كان عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي لم يلزمه، فإذا عَلَّقَ الوقوع على وجه اليمين، فقال: إِنْ فعلت كذا فعبدي حر وقع به العتق.
-
كما يلزمه النذر على هذا القول المأثور في حديث عثمان بن حاضر، ولا يلزم [١٠٨/ ب] ــ حينئذٍ ــ أَنْ يقع به الطلاق، لأن الطلاق لم يلزم وجوبه في نذر التبرر ولا في نذر اليمين، كما يلزم وجوب العتق، فلا يلزم ــ حينئذٍ ــ إذا كان العتق يقع حيث يجب (١) أن يقع الطلاق حيث لا يجب.
-
بل لو قال قائل: إنه إذا لزم وجوب العتق لزم وقوعه، وإذا لم يلزم أحدهما لم يلزم الآخر، والطلاق لا يلزم وجوبه بالاتفاق فلا يلزم وقوعه = كان هذا أوجه وأشبه مِنْ أَنْ يقال عن الصحابة إنهم قالوا: لا يلزم العتق المحلوف به ويلزم الطلاق، فإن هذا القول في غاية الفساد والمناقضة لأصل الشرع ومقاصده ونصوص الشارع.
-
والعتق يصح تعليقه بالشرط كما ذكر غير واحد الإجماع على ذلك ولا
vol. 2, p. 414يعرف فيه نزاع (١) ، والطلاق قد عرف فيه النزاع، فلو علق وقوع العتاق (٢) بشرط محض وقع، لأنَّ قصده إيقاعه عند ذلك الشرط، وكذلك إذا علق وجوبه كما لو قال: إذا جاء رأس الحول لله عليَّ أَنْ أُعتق عبدي، فإنَّ هذا نذرٌ لازم، إذ النذر المجرد عن الشرط يلزم، والمعلق على حدوث نعمة واندفاع نقمة يلزم، فإذا عُلِّقَ بشرطٍ محض لزم ــ أيضًا ــ، بخلاف ما عُلِّقَ تعليقًا يقصد به اليمين؛ فهذا مورد النزاع.
-
فإذا قيل: إنَّ بعض الصحابة أوقع العتق المحلوف به كما يوجب النذر المحلوف به، ولم يوقع الطلاق المحلوف به = كان هذا أبعد عن ثلبِ الصحابة ــ رضوان الله عليهم أجمعين ــ ونسبتهم إلى عدم الفقه من أن يقال عنهم: إنهم ألزموا الطلاق المحلوف به دون العتق المحلوف به.
-
وأيضًا؛ فالعتق والنذر طاعة لله وقربة إليه، فإذا ألزمَ الصحابةُ الحالفَ بذلك جعلًا لتعليق اليمين كتعليق التبرر = كان هذا قولًا قد ذهب إليه كثير من العلماء، وأما الطلاق فليس بقربة ولا طاعة لله.
-
فلا يلزم إذا قال أحدهم: إنَّ العتق والنذر المحلوف به يلزم أَنْ نلتزم أنْ نحكي نحن عن هذا القائل أنه قال: إنَّ الطلاق المحلوف به يلزم، إلا أَنْ يُعلم من أصوله أو نصوصه ما يقتضي [١٠٩/ أ] التسوية بينهما.
-
وأما حكاية ذلك عنهم لمجرد قياس لم يَعلم صحته على أصل المعنى،
vol. 2, p. 415مع أنه لا يَحكي عنهم بالقياس ما دَلَّ كلامهم وتعليلهم عليه ــ كما يفعل هذا المعترض وأمثاله ــ؛ فهذا قلبٌ للحقائق، فإنه إن لم يجز نقل المذاهب بالقياس والتعليل والألفاظ العامة، لم يجز أن ينقل عنهم في الحلف بالطلاق شيء، لا سيما عن ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ وإنْ جاز ذلك كان النقل عنهم أن الطلاق المحلوف به لا يلزم أولى من النقل عنهم أنه يلزم، فإنَّ تعليق الحكم بكونه قصد اليمين يتناول الحلف بالطلاق وغيره.
-
وقول ابن عباس - رضي الله عنهما -: (الطلاق عن وطر) ؛ يقتضي تعليله وعمومه أن الطلاق المحلوف به لا يقع، وليس عن ابن عباس حرف واحد يدلُّ على وقوع الطلاق المحلوف به، وما نقل عنه في العتق إن كان ضعيفًا فلا حجة فيه، وإنْ كان صحيحًا فقد ثبت عنه ما يناقضه، وبتقدير أن يكون هذا رواية عنه؛ فإلحاق الطلاق بالعتاق في اللزوم أضعف من إلحاق الطلاق بالعتاق في عدم اللزوم.
-
فإذا قال قائل: إذا كان العتق المحلوف به لا يلزم، فالطلاق كذلك وأولى. وقال آخر: إذا كان العتق المحلوف به يلزم، فالطلاق المحلوف به كذلك وأولى، ولا ريب أَنَّ كلام الأول أصح وأشبه بالأصول التي دَلَّ عليها الكتاب والسنة والإجماع.
-
فإنَّ وقوع العتق ونفوذه أقوى من وقوع الطلاق ونفوذه، وهذا يحبه الله ويأمر به ويوجبه على مَنْ نذره، وهذا لا يحبه ولا يأمر به ولا يوجبه على من نذره، وهذا محرم في مواضع بالنص والإجماع كما يحرم طلاق الحائض وطلاق الموطوءة بالنص والإجماع، والعتق لا يحرم مع تمام الملك، والعتق يجب تكميله ويسري إلى ملك الغير، والطلاق لا يتصور ذلك فيه،