الجواب عن دعوى الإجماع على قول أبي ثور
25 paragraphs · vol. 2, p. 416
- vol. 2, p. 416
والعتق جعله الله من الكفارات كما جعل الصيام والصدقة والهدي؛ فأنواع الكفارات [١٠٩/ ب] أربعةٌ: أحدها العتق، والطلاق لم يجعله الله تكفيرًا لشيء من السيئات، والطلاق رفعٌ للنكاح الذي يحبه الله ويأمر به، والعتق إزالة للرق عن ابن آدم الذي خلقه الله حرًّا، فهو إعادة له إلى أصله؛ ولهذا كان سبب الرق الكفر فالحر المسلم لا يسترق بحال (١) ، وأما المرأة فإنما خُلِقَتْ لأن تكون منكوحة لا أن تكون مطلَّقة، والحرة المسلمة بقاؤها مع زوجها خيرٌ لها في أكثر الأحوال من أن تكون مطلَّقة متضررة (٢) ، فالعتق نفعٌ للعبد بالتحرير ونفعٌ للسيد بالثواب، والطلاق المحلوف به في الغالب ضررٌ على المرأة وضررٌ على الزوج بلا ثواب.
-
فإذا قال قائل من الصحابة أو غيرهم: إنَّ الطلاق المحلوف به لا يلزم بخلاف العتق كان هذا أوجه من أَنْ يقول: إنه يلزم الطلاق دون العتق (٣) ؛ ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أَنَّ الطلاق المعلق لا يقع طلاقًا، وأما العتق المعلق إذا قصد إيقاعه فإنه يقع بلا نزاع، وهذا القول أقوى من قول أبي ثور بوقوع الطلاق المحلوف به دون العتاق المحلوف به، وقد قاله أبو عبد الرحمن الشافعي وهو في عصر أبي ثور، وكلاهما من أصحاب الشافعي البغداديين، ووافقه عليه ابن حزم وطائفة.
-
فإنْ قيلَ: هذا مخالفٌ للإجماع؛ فقول أبي ثور أولى أن يكون مخالفًا للإجماع، وإنْ جعلَ ذلك خلافًا سائغًا حتى يحمل عليه قول بعض
vol. 2, p. 417الصحابة، فهذا أولى أن يكون خلافًا سائغًا يحكى عن بعض الصحابة.
-
وبالجملة؛ فأبو ثور ــ مع علمه وفقهه ــ حكى إجماعًا معناه عنده عدم العلم بالمنازع، وقد عُلِمَ المنازع في عصره وقبل عصره، فإنَّ النزاع في الطلاق المعلَّق بالصفة أعم من الطلاق المحلوف به، فكلُّ مَنْ نازع في الأول نازع في الثاني ولا ينعكس.
-
فإنَّ التعليق قد يكون تعليق يمين، وقد يكون تعليق إيقاع؛ فمن نازع في المعلق مطلقًا فإنه ينازع في التعليق الذي يقصد به اليمين بطريق الأولى، وإذا حلف بصيغة القسم فهو أولى بالنزاع من المعلق بالصفة، وأبو ثور لم يعلم نزاعًا في تكفير الطلاق [١١٠/ أ] المحلوف به، وركَّبَ على ذلك أنه يقع، والنزاع واقع في وقوعه وفي لزوم الكفارة إذا لم يقع.
-
وأما القول بوقوع الطلاق دون العتاق فهو الذي يُقطع بأنَّ مخالفته للإجماع أظهر من مخالفة من لم يوقع الطلاق ولا العتاق المحلوف به، وحجة من لم يوقعهما أظهر من حجة مَنْ فَرَّقَ بينهما.
-
وحينئذٍ؛ فإنْ كان القول عن بعضهم بلزوم العتق صحيحًا وجاز أَنْ يُحكى عنهم الفرق بين العتق والطلاق = جاز أَنْ يُحكى عنهم القول بلزوم العتق دون الطلاق، وإذا كان القول بلزوم العتق ليس صحيحًا بطل قول المعترض، وقد عُلِمَ أَنَّ القول بتكفيره أصح عنهم، فقد ثبت النزاع عنهم في العتق على هذا التقدير.
-
وحينئذٍ؛ فإنْ كان قولهم التسوية بينهما فقد لزم أن يكون من قولهم أنه لا يقع عتق ولا طلاق محلوف به، وإنْ كان من قولهم الفرق بينهما فالفرق بأنهم إذا ألزموا بالعتق لم يلزموا بالطلاق أظهر من الفرق بأنهم إذا ألزموا
vol. 2, p. 418بالعتق يلزمون بالطلاق.
-
ومعلومٌ أنه لم ينقل عن ابن عباس ولا عائشة ولا حفصة - رضي الله عنهم - ولا غيرهم ممن أفتى بتكفير العتق والنذر حرفٌ واحد بوقوع الطلاق المحلوف به، بل المنقول عنهم يقتضي عمومُهُ وتعليلُهُ أنه لا يقع طلاق محلوف به كما ذكرناه عن ابن عباس، وكما نقل عن عائشة - رضي الله عنها - مِنْ جعلها التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا، وما نقل عنها من أنها قالت: كُلُّ يمينٍ ــ وإِنْ عَظُمَتْ ــ فكفارتها كفارة يمين بالله تعالى (١) .
-
وأما ابن عمر - رضي الله عنهما - فقد ثبت عنه ما يناقض ما نقله عنه عثمان بن حاضر ــ أيضًا ــ، وأنه جعل التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا مُكفَّرة، وهذا في العتق أثبت عنه من ابن عباس؛ فإنَّ جميع الرواة الذين نقلوا حديث ليلى بنت العجماء ذكروا فيه أن ابن عمر كان من المفتين لها بعدم اللزوم، وأما ابن عباس فإنما ذكر من طريق أشعث بن عبد الملك الحمراني.
-
وابن عمر (٢) قد روي عنه ــ من غير طريق عثمان بن حاضر ــ من طريق
vol. 2, p. 419سالم أَنَّ الحلف بالنذر [١١٠/ ب] يلزم؛ فقد ثبت عنه في الحلف بالنذر روايتان (١) ، ولكن الذي يظهر أنَّ (٢) المتأخرة هي رواية التكفير، وأما الطلاق فالجواب المنقول عنه يحتمل أنه فيمن قصد إيقاع الطلاق فلا يكون قوله مناقضًا للرواية الأخرى عنه.
-
وأما رواية عثمان بن حاضر فهي مخالفة لما رُوِيَ عنه (٣) من الوجهين الثابتين (٤) ؛ فإنْ كانت صحيحة فهي رواية ثالثة، ومضمونها أنه يلزمه ما علقه، لكن جَعَلَ في المال الزكاة، وحينئذٍ؛ فيكون هذا موافقًا لرواية عثمان بن حاضر ــ أيضًا ــ وهي إحدى الروايتين عنه؛ هذا إنْ جُعِلَ مُسَوِّيًا بين الطلاق والعتاق، وإِنْ جعل مفرِّقًا بينهما فقوله بإيقاع العتق دون الطلاق إذا أوقع العتق أولى من التفريق بوقوع الطلاق دون العتق إذا لم يوقع العتق كما تقدم.
-
وكثيرٌ من أئمة أصحاب الشافعي وأحمد يجعلون الصحابة مجمعين على أن التعليق الذي يقصد به اليمين تجزئ فيه الكفارة.
-
ثم منهم مَنْ يطعن في رواية عثمان بن حاضر؛ كما فعل القاضي أبو الطيب الطبري (٥)
-
والماوردي والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب.
- vol. 2, p. 420
ومنهم من يقول: إما أن نسقط من اختلف قوله أو نُقدِّم الرواية الموافقة لغيره من الصحابة؛ وهذه طريقة الشيخ أبي حامد الإسفراييني قال في مسألة نذر اللجاج والغضب: قال الشافعي: ولو قال: مالي في سبيل الله أو صدقة على معاني الأيمان؛ فمذهب عائشة وعدد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعطاء والقياس أن عليه كفارة يمين.
قال أبو حامد (١) : (قد اختلف الناس في موجب هذا النذر على ستة مذاهب، فذهب الشافعي إلى أنه يشبَّه بالأيمان، وأنه إذا نذر نذر لجاج وغضب لم يلزمه أن يفي بما نذره إذا وجد الشرط، وهو إذا كَلَّمَ زيدًا وقد منع نفسه منه لأنَّ الكلام يقع منه، وهو إذا نَذَرَ نَذْرَ لجاج ألا يكلمه ثم كلمه إذا علقه بشرط وقد وجد؛ فعندنا: أنه مخيَّر بين أن يفي بما نذره أو يكفر كفارة يمين) .
قال: (وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس وعائشة وحفصة وزينب بنت أم سلمة ربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم - [١١١/ أ] ، ومن التابعين عطاء وطاووس والحسن، ومن الفقهاء أبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد وإسحاق وأبو ثور، ثم ذكر قول النخعي والحكم وحماد إنه لا يتعلق بهذا النذر حكم، وقول ربيعة إنه يلزمه زكاة ماله) .
قال: (وروي نحو ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وقال مالك: يلزمه الصدقة بثلثه، وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يتصدق بالمال الزكوي، وقال البَتِّي:
vol. 2, p. 421يلزمه أن يتصدق بجميع ماله).
قال: (وقد روي هذا عن ابن عمر - رضي الله عنهما -) .
ثم قال في حجة الشافعي ومن وافقه: (ولأنه إجماع روي عن ستة من الصحابة - رضي الله عنهم - ذكرناهم؛ فأما أربعة فقد صرحوا وقالوا: كفارة النذر كفارة يمين، وهم: عمر وعائشة وحفصة وزينب، واثنان اختلفت الرواية عنهما وهما: ابن عمر وابن عباس، لأن ابن عباس رويت عنه روايتان فيه إحداهما مثل قولنا، والأخرى مثل قول ربيعة.
-
وابن عمر عنه ثلاث روايات؛ فإما أن نقول قد تعارضت تلك الروايات وسقطت جملة، حتى كأنه لم يوجد منها شيء، وتجرد لنا قول أربعة من الصحابة لا مخالف لهم، أو نقول: إنَّ الرواية التي توافق قول غيرهما من الصحابة مقدمة على الرواية التي تخالفها، لأنَّ وفاق غيرهما يعضد ما روي عنهما في مثل ذلك) (١) .
-
ومعلوم أن هذا النقل الذي فيه عن حفصة وزينب وعن ابن عمر من التكفير هو في حديث ليلى بنت العجماء، فإنه لم يُنقل عنهم ذلك في غير هذا، بخلاف عائشة وابن عباس فإنَّ التكفير معروفٌ عنهما من غير هذا الوجه.
-
وهؤلاء هم الذين أشار إليهم الشافعي (٢) بقوله: فمذهب عائشة وعدد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعطاء والقياس أن عليه كفارة يمين.
- vol. 2, p. 422
ثم إن أبا حامد ذكر رواية عثمان بن حاضر عن ابن عمر وابن عباس أن في المال زكاته، وذكر عن ابن عمر رواية ثالثة أنه يخرج جميعه وهي رواية سالم، ثم أجاب إما بالتساقط وإما بالترجيح.
-
وهذا بعينه موجود في الحلف بالعتق، فإنه إنما نقل في حديث عثمان [١١١/ ب] ابن حاضر، وفي حديث ليلى بنت العجماء عن عدد من الصحابة القول بالتكفير منهم ابن عمر وابن عباس؛ فإما أن تتساقط الروايتان (١) عن ابن عمر وابن عباس ويَسلم قول حفصة وزينب ومن معهما بلا نزاع، وإما أن يرجح قول ابن عمر وابن عباس الموافق لقول غيرهما.
-
وإذا ثبت قولهم في العتق فالطلاق بطريق الأولى، وليس عن أحد منهم في الطلاق ما يخالف ذلك ولا حرف واحد إلا اللفظ المحتمل عن ابن عمر، وحينئذٍ؛ فإذا قُدِّرَ أن ابن عمر ثبت عنه ذلك في الطلاق فهو على إحدى الروايتين عنه في العتق، فإنه قد اختلف عنه فيه على روايتين، وإنْ قُدِّرَ أن ابن عمر يفرق بين الطلاق والعتاق فقد يكون ذلك لظنه أن الطلاق المعلق حضًّا ومنعًا يُقصَد إيقاعه.
-
فإنَّ كثيرًا من الطلاق الذي يقصد به الحض والمنع يقصد به الإيقاع، بخلاف العتق والنذر المعلق تعليقًا يقصد به الحض والمنع، فإنَّ هذا إنما يراد به اليمين في العادة الغالبة، فيظهر قصد اليمين في هذا كما ظهر في قصة ليلى بنت العجماء، بخلاف قوله لامرأته: إِنْ خرجت من منزلي فأنت طالق؛ فإنه كثيرًا ما يقصد بهذا الإيقاع عند الصفة.
-
فإن كان ابن عمر - رضي الله عنهما - إنما أفتى لمن قصد الإيقاع اِطَّرَدَ قوله: إنَّ
vol. 2, p. 423كل من قصد اليمين لا يقع لا طلاق ولا عتق، وإن كان أفتى مطلقًا فلأن هذا التعليق يكثر قصد الإيقاع به، فقد يكون ابن عمر - رضي الله عنهما - اعتقد أنه لا يراد به إلا الإيقاع، إذ كان الحلف بذلك في عهدهم غير معروف، وقد يكون ابن عمر لما رأى مثل هذا التعليق يقصد به الإيقاع في العادة جعلها تعليقًا.
-
وإِنْ قيلَ: إِنَّ ابن عمر غَلِطَ؛ فغلطه في مثل هذا الأمر الخفي، وأنه لم يتفطن لكونه قد يقصد به اليمين أولى مِن أَن يُظَنَّ بأنه مع علمه بأنه يقصد اليمين يجعله غير حالف، ويجعل المعلق للعتق إذا قصد اليمين حالفًا مع علمه بأنَّ كليهما (١) قصد اليمين، فإنَّ هذا مما يظهر أنه خطأ لعموم الناس.