غلط المعترض في فهم كلام المجيب أدى إلى غلط كبير في فهم كلام الصحابة والتابعين والعلماء

12 paragraphs · vol. 2, p. 429

  1. الآخر؛ فمنهم من يسمي كل من قصد الحض والمنع حالفًا وإن قصد الإيقاع، ومنهم من يُسمي كُلَّ مَنْ عَلَّقَ الطلاق حالفًا وإن كان تعليقًا محضًا ليس فيه حض ولا منع، ومنهم من يستثني المعلَّق بالطهر والحيض والسفر لأن له أسماء تخصه، والأقوال الثلاثة لمتأخري أصحاب أحمد، والأول لأصحاب الشافعي، والثالث لأبي حنيفة.

    vol. 2, p. 429
  2. وسواء على ذلك ما إذا قال: إِنْ حلفتُ بطلاقكِ فعبدي حر، أوقال: إنْ حلفتُ بطلاقك فأنت طالق، أو فضرتك طالق، أو والله لا أحلف بطلاقك.

  3. فاختلفوا فيما يدخل في قوله: إِنْ حلفتُ؛ على هذه الأقوال الثلاثة، وأما أحمد وقدماء أصحابه ومالك وغيرهما فإنهم يرجعون في مثل هذا بعد نِيَّةِ الحالف وسبب اليمين إلى عُرْفِهِ نفسه وما يفهمه هو من هذا اللفظ؛ فمن العامة مَنْ يُسمِّي كُلَّ مُطَلِّقٍ حالفًا، فهذا إذا قال: والله لا أحلف بطلاقك فطلقها حنث، وعلى تلك الأقوال جميعها لم يحنث، فإنه نجَّز الطلاق ولم يعلقه.

  4. ومِنَ الناس مَنْ يجعل الحلف هو التعليق، والحلف بصيغة القسم، ومنهم من يجعل التعليق الذي يقصد به الحض والمنع، ومنهم من يقصد به المعنى اللغوي العقلي الذي كان يقصده الصحابة، وهو أن تعليقه مع كراهته لوقوعه عند الصفة كما يحلف به بصيغة الجزاء.

  5. ولما كان هذا المعترض قد ظنَّ أنَّ المجيب يَجعل كل تعليق قصد به المنع فهو حلف، لا يفرق بين قصد الإيقاع وقصد اليمين وأن التعليق المجرد عنده لا يكون إلا في شرط لا يقصد وجوده ولا عدمه تولد له من هذا الغلط غَلَطٌ [١١٤/ أ] كبير في فهم كلام الصحابة والتابعين والعلماء،

    vol. 2, p. 430وغلطه هذا يلزم كُلَّ مَنْ فرق بين تعليق اليمين وتعليق الوعيد وأمثاله، فسموا الأول يمينًا ولم يسموا الثاني يمينًا.

  6. فإنه من المعلوم أن أحدًا لم يسم مثل قوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٨] يمينًا، وسموا مثل قوله: إِنْ فعلتُ فكل مملوك لي حر وكل امرأة لي طالق يمينًا، وإن كان كلاهما فيه منع من الفعل، لكن الحالف يقصد منع نفسه أو منع غيره ممن (١) يرى أنه يَبَرُّ قَسَمَه فيعلق بالفعل ما يكره أن يلزمه، ويكون المحلوف عليه لا يرى أن يوقعه فيما يكره، فلا يحلف على من يعلم أنه يفعل الشرط فيقع الجزاء.

  7. ولا يقول الأسير لمن أسره وهو لا يبالي أَطَلَّقَ امرأته أم لم يطلقها، ولا لعدوِّه ولا لقاهرٍ يظلمه ولا يبالي بطلاق امرأته، ولا لمن هو خارج عن طاعته ولا يعرفه ولا يبالي أَطُلِّقَت نساؤه وعتق عبيده وذهب ماله أم لم يكن كذلك = لا يقول: لا تفعل كذا وإن فعلته فنسائي طوالق وعبيدي أحرار ومالي صدقة؛ لا سيما إذا كان ذلك الشخص يريد ذلك الفعل.

  8. ولا يقول للمحارب الذي يريد أخذ ماله: إِنْ أخذت مالي فمماليكي أحرار ونسائي طوالق، بل يقول إن أخذت شيئًا عاقبتك وانتقمت منك وقاتلتك أو شكوتك إلى ولي الأمر.

  9. ولا يقول المسلمون لعدوهم المحاربين لهم أو أمير المسلمين: الطلاق يلزمني ما تفعلون كذا أو إن فعلتم كذا فنسائي طوالق وعبيدي أحرار، بل يقول: إنْ فعلتم كذا فسوف تعلمون ما أفعل بكم، إن قتلتم أحدًا

    vol. 2, p. 431من أَسْرَانا قتلنا وفعلنا كذا وكذا، يتوعدهم بأمر يشق على أولئك.

  10. وفي كلا الموضعين المقصود بالتعليق: المنع من فعل، لكن إذا عَلَّق به ما يكرهه المعلِّق وإنْ وجد الشرط كان يمينًا، وحَلِفُهُ به على نفسه وعلى مَنْ يرى أنه لا يُحَنِّثُهُ ويُلْزِمُهُ ما يكره لزومه له، فإنه قد عُلِمَ أنه إذا حلف كره وقوع ما لزمه ولو أنه الكفارة، فيحلف على من يظن أنه لا يلزمه بهذا الذي يكرهه، وأما من يرى أنه يقصد إيذاءه وإلزامه بما يكره ويقصد إيذاءه لا يبالي أحلف أم لم يحلف، بل إذا حلف كان ذلك مما يغريه بتحنيثه (١) ، فإنَّ مثل [١١٤/ ب] هذا لا يحلف عليه في العادة، ولكن إذا منع مثل هذا منعه بالوعيد الذي يكرهه الممنوع، فيقول: إِنْ فعلتَ كذا فعلتُ بك كذا وكذا، لا يمنعه بمجرد اليمين التي يكون الحالف هو الذي ألزم بالحنث فيها ما يكرهه هو.

  11. ولَمَّا كان الطلاق تارة يكرهه الرجل، وتارة تكرهه المرأة، وتارة يكرهانه جميعًا، وتارة لا يكرهه واحدٌ منهما = اختلفت الأحوال في تعليقه؛ فتارة يقول لها: إن فعلتِ كذا فأنت طالق يقصد اليمين فقط، لأنه يكره الطلاق عند الصفة، وهي ــ أيضًا ــ تكره أَنْ يلزم الطلاق؛ إما لكونها تكره تحنيثه لرغبتها إليه ورهبتها منه وإن كانت لا تكره نفس الطلاق، وإما لكونها تكره أَنْ يطلقها وإن كانت لا تكره تحنيثه بغير هذه اليمين، وتارة لكونها تكره هذا وهذا؛ تكره تحنيثه إكرامًا له وتكره أن يطلقها لما عليها في الطلاق من الضرر.

  12. وقد يظن الرجل بالمرأة أنها تكره الطلاق وتكره تحنيثه، ولا يكون