الجواب عن قول المعترض: (ويعضده رواية مالك في الموطأ عن ابن عمر وغيرهما)
19 paragraphs · vol. 2, p. 436
- vol. 2, p. 436
الطلاق المحلوف به، والرواية الضعيفة المرجوحة التي لم توافق تعضد القول بوقوع الطلاق.
-
وقد قدمنا أن هذه الرواية لم يقل بجميع ما فيها أحد من علماء المسلمين؛ فهذا العاضد هو مخالف لإجماع المسلمين، والعلم بعدم النزاع في ذلك أظهر من العلم بعدم النزاع في الطلاق.
-
وأما قوله: (ويعضده رواية مالك في الموطأ عن عمر وابن عمر وغيرهما ــ كما تقدم (١) ــ كانوا يقولون: إذا حلف الرجل بطلاق امرأته قبل أن ينكحها، ثم أَثِمَ أن ذلك لازم له. رواه بلاغًا. وإذا كان هذا قول ابن عمر قبل النكاح، فما ظنك بما بعده؟).
-
فقد تقدم جواب ذلك؛ وأنه من المعلوم الفرقُ بينَ أَنْ يُعَلِّقَ الطلاق على النكاح وبين أن يحلف بذلك، فالأول أَنْ يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو يقال له: تَزَوَّج. فيقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. وأما الثاني: فمثل التحليف في أيمان البيعة وغيرها مثل أَنْ يقول: إن فعلت كذا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو فكل امرأة أتزوجها إلى ثلاثين سنة فهي طالق.
-
والآثار المروية عن الصحابة - رضي الله عنهم - في ذلك إنما هي فيمن عَلَّقَ الطلاق على النكاح؛ فأما الحلف بذلك فلم يَنقل أحد عن الصحابة في ذلك شيئًا، فإنهم لم يكونوا قد اعتادوا الحلف بالطلاق الذي يقع بالاتفاق؛ فكيف بالحلف بالطلاق على الملك؟ والحلف بالطلاق كان نادرًا؛ فكيف بالحلف بنادر النادر؟!
- vol. 2, p. 437
وأصحُّ شيءٍ روي في وقوع الطلاق المعلَّق بالملك قول ابن مسعود - رضي الله عنه - (١) ، وإنما كان فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق. وكذلك الرواية عن عمر - رضي الله عنه - مع ضعفها (٢) ، وأما رواية ابن عمر - رضي الله عنهما - فلم يعرف إسنادها (٣) ، ومن تتبع الآثار المنقولة عن الصحابة - رضي الله عنهم - في هذا تبين له أنه لم يُنقل عنهم الجواب إلا فيمن علق الطلاق على الملك لا فيمن حلف بالطلاق المعلق بالملك (٤) .
-
ولكن لما كان الأمران سواء عند مالك ومن تلقى عنه من شيوخه حيث كان الحلف بالطلاق وإيقاع [١١٦/ ب] الطلاق عندهم سواء، ومالك ــ رحمة الله عليه ــ لم يذكر إسنادًا ولا لفظ الصحابة - رضي الله عنهم -، وإنما ذكر ما بَلَّغُوه (٥) أولئك الذين كان الأمران عندهم سواء، فكانوا قد سمعوا عن
vol. 2, p. 438هؤلاء الصحابة أَنَّ مَنْ عَلَّقَ الطلاق بالملك يقع به في الخصوص، فكان هذا كمن عَلَّقَ الطلاق بعدُ بالملك، وهم في الجميع يقولون: من حلف بالطلاق وحنث لزمه الطلاق؛ كما ذكره أبو مصعب (١) من أقوالهم في مصنفه الذي صنفه في مذهبهم (٢) ، وهو إجماع المتأخرين من أهل المدينة.
قال أبو مصعب في مختصره: قد أجمع أهل المدينة ودار الهجرة وبلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أقوال في الحلال والحرام لم يختلفوا في ذلك، واختلفوا في أمر فتناظروا فيه وبحثوا عن أصله حتى انتهى بهم الحق إلى ما كتبت في كل باب مما يحتاج إلى علمه؛ فكان من ذلك ما أجمعوا عليه وذكروه من السنة، وذَكره على أبواب الفقه، وذَكَرَ فيه مسائل من الحلف بالطلاق؛ منها: ومَنْ حَلَفَ بالطلاق لا تخرج زوجته إلى أهلها فخرجت إليهم فقد طلقت مكانها ولا ينتظر بذلك بلوغها إياهم، وكذلك لو رَدَّهَا بعد ذهابها لطلقت عليه، وكذلك لو حَلَفَ لا تحج فخرجت وأحرمت من الميقات فهي طالق، وإِنْ رَدَّهَا بعد إحرامها فهي طالق.
-
فأبو مصعب يذكر مثل هذه المسائل عن أهل المدينة، ومعلوم أَنَّ مراده بذلك أهل المدينة المتأخرون ــ ربيعة وابن هرمز وأمثالهما ــ لا الصحابة ولا أكابر التابعين، فإنَّ مثل هذه المسائل لا يمكن نقلها عن أحد من الصحابة
vol. 2, p. 439وأكابر التابعين، بل أكثر العلماء يخالفون ما ذكره أبو مصعب في ذلك، وَيَرُدُّونَ ذلك بعد اعتبار النيةِ، وبعدَ اعتبارِ سببِ اليمينِ وناقلها (١) ــ عند من يقول بذلك كمالك وأحمد بن حنبل ــ إلى عُرْفِ المتكلم في الخروج إلى أهلها وفي الحج.
-
ولو حلف لا يصلي ولا يصوم ولا يحج هل يحنث بالشروع؟ فيه نزاع مشهور.
-
والمقصود: أنه لَمَّا كان مشهورًا عند متأخريهم أَنَّ الحالف كالمُوقِع حتى في الحلف بالنذر كما ذكره مالك في موطئه ولم يذكر في ذلك أثرًا عن أحد من الصحابة، مع أنه من عادته إذا كان في الباب أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوعن الصحابة ذكره، [١١٧/ أ] بل ويذكر ما روي عن التابعين.
-
ولَمَّا ذكر قولهم في الحلف بالمشي وصدقة المال والحلف بالطلاق والعتاق ونحو ذلك وأنه يلزمه ما حلف به =لم يذكر في ذلك أثرًا عن أحد من الصحابة كعادته، فدلَّ على أَنَّ ذلك من رأي متأخريهم؛ كربيعة وابن هرمز وأمثالهما (٢) .
-
وهذا مما يعلم قطعًا؛ لا سيما في مثل مَنْ حَلَفَ على شيءٍ لا يجزم (٣) به فإنهم يلزمونه الطلاق وإن ظهر صدقه، كمسألة [في اللوزة حبتين] (٤)
- vol. 2, p. 440
ونحو ذلك، ومثل هذه المسائل لم ينقلها أَحَدٌ من العلماء لا هم ولا غيرهم عن أحد من الصحابة، بل ولا عن أكابر التابعين = فعلم أنها من الرأي المتأخر الذي ليس إجماعًا يجب اتباعه عند عامة علماء الإسلام من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، حتى أئمة أصحاب مالك فإنهم مُصَرِّحُونَ بأنَّ الإجماع المدني المتأخر ليس بحجة يجب اتباعها على علماء المسلمين (١) وكلام مالك يدل على ذلك (٢) ، ولكن كان هذا مشهورًا عندهم، فنقل مالك أقوالهم بحسب ما بَلَّغَهُ هؤلاء ذلك، وهم لا يُفَرِّقون بين الأمرين، فصار هذا كلفظ الحلف والتطليق عند مَنْ يرى أَنَّ كل تعليق حلفًا أو كل تعليق فيه حض ومنع حلفًا وهو تطليق عنده، فلا فَرْقَ عنده بين أَن يُقال بعد وجود الصفة: طَلَّقَهَا أو حَلَفَ بطلاقها وحنث.
-
وفي عُرْفِ كثيرٍ من العامة يجعلون لفظ الطلاق مطلقًا ولفظ الحلف بالطلاق سواء حتى في الطلاق المنجز، فيقولون لكل مَنْ طَلَّقَ امرأته: حَلَفَ بطلاقها وحنث، ويقولون: حنث فيها بطلقة ونحو ذلك.
-
ومعلوم أن الصحابة والتابعين لم يكونوا يتكلمون بهذه العبارات والاصطلاحات الحادثة، ولا يجوز نقل مذاهبهم بمثل هذه العادات (٣) ،
vol. 2, p. 441والمنقول المسند عنهم إنما هو فيمن عَلَّقَ الطلاقَ بالملك لا مَنْ حَلَفَ بهذا التعليق ــ كما تقدم ــ.
-
والنقل المسند عن عمر من وجهين؛ من رواية ابن المسيب عنه، ومن رواية مجاهد؛ وكلاهما إمام ثقة مِنْ أَخْبَرِ الناس بقول عمر أَنَّه كان يُفَرِّقَ بين التعليق الذي يقصد به اليمين، والتعليق الذي يقصد به لزوم الجزاء، وقد رَوَى ذلك أبو داود (١) .
-
وعامة العلماء يحتجون بما ينقله ابن [١١٧/ ب] المسيب عن عمر، ما علمتُ أحدًا من المتقدمين طعن في هذا، وروي أن ابن عمر كان يسأل ابن المسيب عن قضايا عمر (٢) .
-
وَمَنْ عَلَّلَ ذلك بأنه مرسل، لكون سعيد لم يسمع من عمر إلا على المنبر = لم يكن له أن يحتج بالإجماعات المرسلة التي ينقلها مثل: أبي ثور ومحمد بن نصر وابن جرير وابن عبد البر وأمثالهم، فإن ذلك نقل عن عمر وحده شيئًا مع قرب العهد، فهؤلاء لو نقلوا قول واحد من الصحابة لم ينبغي أَنْ يُقبل مجرد نقلهم إذا رُدَّ نقل سعيد بن المسيب؛ فكيف إذا نقلوا ما لا يمكن حصره من إجماع العلماء؟
-
ولم يَنْقُل أحدٌ عن عمر خلاف ذلك كما ثبت مثل ذلك عن حفصة ابنته