الجواب عن قول المعترض: (فهذه الآثار تبين لنا مذهب ابن عمر .. إلخ)

24 paragraphs · vol. 2, p. 442

  1. وزينب وعائشة ولم يَنْقُل أحد عنهن خلاف ذلك إلا ما ذَكَرَ ابن عبد البر عن عائشة بلا إسناد من الفَرْقِ بين الطلاق والعتاق وغيرهما (١) ، والمأثور عنها بالإسناد خلاف ذلك فلو كان بائنًا لكان قصدًا مثل النقل عن ابن عمر وابن عباس، وأما ابن عمر فنقل عنه هذا وهذا.

    vol. 2, p. 442
  2. وأما قوله: (فهذه الآثار تُبَيِّنُ لنا مذهب ابن عمر، وأنه من القائلين بوقوع الطلاق والعتاق عند الحنث) .

  3. فيقال له: إِنْ أردت أَنَّ ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يُفرق بين الحلف بالطلاق والعتق وبين غيرهما، فهذا لم ينقله أحدٌ عنه لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولا نقله نقلًا مرسلًا ولا بلاغًا، وكذلك إِنْ أردتَ أنه كان يوقع الطلاق دون العتق.

  4. وإن أردت أن ابن عمر كان يقول بوقوع الطلاق والعتق كما يقول بلزوم النذر المحلوف به فَيُسَوِّي بين الجميع في اللزوم؛ فلا ريب أَنَّ حديث عثمان بن حاضر إِنْ كان صحيحًا ففيه أنه كان يفتي بلزوم العتق ولزوم النذر جميعًا إذا عَلَّقَه بقصد اليمين، لكن فيه أنه كان يجعل في نذر المال زكاته، وفي نذر ذبح النفس بدنة، وهذا خلاف النقول الثابتة عنه؛ فعنه في المال روايتان أصح من هذا إحداهما: أنه كان يلزم به، والرواية الأخرى أنه كان لا يلزم به ولا بالعتق ولا غيره مما يحلف به، بل يجعل في ذلك كفارة يمين.

  5. فإنْ كان أثر عثمان [١١٨/ أ] صحيحًا، أمكن أن يكون قوله في الطلاق كقوله في العتق والنذر، وتكون فتياه فيمن طَلَّقَ إِنْ خرجت، محتملًا أن

    vol. 2, p. 443يكون في الحالف، ويحتمل مع هذا أنه كان يفرق بين الحلف بالطلاق والعتق، لكن التسوية أظهر.

  6. فإنْ نَقَلَ مذهبَ ابن عمر على تقدير رواية عثمان بن حاضر وجعلَ ذلك روايةً عنده، فهذا متوجِّهٌ يُسَلَّم ظهوره، ولكن رواية مَنْ روى أنه لا يلزم لا بهذا ولا بهذا بل يجعل فيه كفارة يمين = أثبتُ وأصحُّ باتفاق أهل العلم، وهي المتأخرة كما تقدم.

  7. وحينئذٍ؛ فإذا حُكِيَ قولُهُ على تلك الرواية في الطلاق بالقياس فَيُحْكَى قوله على هذه الرواية بقياس أصح من ذلك، ويكون قوله على أصح الروايتين أنه لا يلزم الطلاق المحلوف به ولا العتق المحلوف به ولا النذر، بل يُجزئ في جميع ذلك كفارة يمين.

  8. وعلى هذا؛ فيكون قولُهُ فيمن طلق امرأته إن خرجت هو فيمن قصد طلاقها عند الصفة لا فيمن قصد الحلف وهو يكره طلاقها؛ فتبين أن النقل عنه بالتكفير للحالف بالنذر والعتاق والطلاق أقوى من لزوم ذلك عنه، وهو الرواية المتأخرة.

  9. وبالجملة؛ فلا تنازع في أنه روي عنه روايتان، لكن الباطل عنه قطعًا التفريق بين الحلف بالطلاق والعتاق وبين الحلف بالنذر، كما ينصره المعترض وأمثاله، ويذكرون عن ابن عمر أو ابن عباس أو غيرهما ما يوهم أنهم قالوا ذلك، وهذا التفريق لم ينقله أَحَدٌ لا نقلًا مرسلًا ولا نقلًا مسندًا، لا عن ابن عمر ولا عن ابن عباس، بل هذا القول مخالفٌ لكل ما نقل بالإسناد عن الصحابة.

  10. ولم أجد أحدًا قط نقل هذا نقلًا مسندًا عن أحد من الصحابة، لكن ابن عبد البر نَقَلَه مرسلًا عن عائشة، والمسندُ عن عائشة في حديث ليلى بنت العجماء أنها جعلت تعليق العتق الذي قصد به اليمين كتعليق النذر، وأفتت في الجميع بكفارة وتعليلها في سائر أجوبتها في التعليق الذي يقصد به اليمين يوافق ذلك، فإنه قد ثبت عنها من غير وجه أنها كانت تجعل التعليق الذي [١١٨/ ب] يقصد به اليمين يمينًا مكفَّرة، وروي عنها ألفاظ عامة توافق ذلك، فَنَقْلُ مذهبها في مثل هذا أولى ــ بلا ريب ــ من نقل مذهبها في قول لم يسنده أحد، ولو قُدِّرَ ثبوته لكان عنها روايتان.

    vol. 2, p. 444
  11. وطائفة من الفقهاء ذكروا قول عائشة مسندًا (١) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واحتجوا به، منهم: الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب.

    قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: وروي عن عائشة أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيمن حلف أَنْ يجعل ماله في رتاج الكعبة أو في سبيل الله أو في المساكين: «إنما هي كفارة يمين» (٢) . قال أبو حامد: وهذا نص.

  12. وكذلك قال الماوردي (١) : روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَنْ حلف بالمشي أو الهدي أو جعل ماله في سبيل الله أو في المساكين أو في رتاج الكعبة؛ فكفارته كفارة يمين» .

    وقال القاضي أبو الطيب والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب: روى إسماعيل بن أبي زياد (٢) في تفسير القرآن عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ذلك.

    vol. 2, p. 445
  13. ومعلومٌ أن هذا النقل أجود من النقل عنها أنها كانت تُفَرِّقُ بين الطلاق والعتاق وغيرهما، فإنَّ ذاك لم يُذكر له إسناد، ولا عُزِيَ إلى كتاب، وهذا فيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى هذا التعليق حلفًا، وأوجب فيه كفارة يمين؛ ومع هذا فنحن لم نعتمد على هذا، لأنه ليس بثابت عند أهل العلم بالحديث، والمعروف عندهم أَنَّ هذا من كلام عائشة لم ترفعه.

  14. وأضعف منه ما رواه ابن حبيب: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تحلفوا بالطلاق ولا بالعتاق، فإنهما مِنْ أيمان الفُسَّاق» (٣) فهذا في غاية السقوط.

  15. وابن حبيب مع براعته في العلم والفقه، وكثرة ما يرويه من الآثار، فإنه قليل المعرفة بالحديث، فكثيرًا ما يحتج بآثار ضعيفة بل موضوعة، وبعض الناس يطعن فيه نفسه، والرجل جليل القدر، لكنه كان يتناول الكتب من شيوخه كأسد بن موسى وغيره ويقول: فيها حدثنا وأخبرنا، وقد يغلط؛ [١١٩/ أ] وأما تعمد الكذب ــ كما ترميه به طائفة مثل ابن حزم وغيره ــ= فهذا بعيدٌ جدًا من مثله (١) .

    vol. 2, p. 446
  16. وقد ثبت عن عائشة - رضي الله عنها - بالإسناد المرضي أنها سُئِلَت عَمَّن جعل ماله في المساكين أو في رتاج الكعبة إِنْ فعل كذا فقالت: يكفر يمينه. وفي لفظٍ: هي يمين يكفرها ما يكفر اليمين.

    vol. 2, p. 447
  17. وهذا معروفٌ من حديث منصور بن عبد الرحمن الحُجُبِي، عن أمه صفية بنت شيبة عنها. رواه مالك (١) والثوري (٢) ويحيى بن سعيد (٣) ، وثبت ذلك عنها ــ رضوان الله عليها ــ من حديث عطاء ــ أيضًا ــ، كما رواه شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن عائشة - رضي الله عنها - في رجل جَعَلَ ماله في المساكين صدقة قالت: كفارة يمين. رواه البيهقي وغيره (٤) .

  18. وروى الأثرم عن أبي نعيم: حدثنا حسن ــ يعني: ابن صالح ــ، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة قالت: مَنْ قال: مالي في ميزاب الكعبة وكل مالي فهو هدي وكل مالي في المساكين؛ فليكفر يمينه (٥) .

    وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسْأَل عن رجل قال: ماله في رتاج الكعبة. فقال: كفارة يمين، واحتج بحديث عائشة (٦) .

  19. وكذلك الشافعي ذَكَرَ أنه مذهب عائشة وعددٍ من الصحابة وعطاء، وأنه القياس؛ أَنَّ هذا من باب الأيمان المكفَّرَة لا من باب النذور اللازمة (١) .

    vol. 2, p. 448
  20. وروى البيهقي (٢) بإسناده إلى قتيبة: حدثنا حبيب، عن العوام، عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب وعائشة في الرجل يحلف بالمشي أو ماله في المساكين أو في رتاج الكعبة: إنها يمين يكفرها إطعام عشرة مساكين.

  21. وروى مالك (٣) : عن هشام بن عروة، عن أبيه.

  22. ورواه البيهقي وغيره (٤) من طريقه أَنَّ عائشة كانت تقول: أيمان اللغو ما كان في المِرَاء والهزل وَمُزَاحَةِ الحديث الذي لا يعتمد (٥) عليه القلب، وإنما الكفارة في كل يمين حلفتَها على جِدٍّ من الأمر، في غضب أو غيره؛ لتفعلنَّ أو لتتركنَّ، فذلك عَقْدُ الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة.

  23. فقولها: وإنما الكفارة في كل يمين حلفتَها، مع تصريحها بأن التعليق الذي يقصد به اليمين هو يمين مكفرة = يدل على دخول ذلك في كلامها.

  24. وقد روي عنها دخول العتق بعينه ــ أيضًا ــ [١١٩/ ب] في الأيمان المكفرة من وجهين: