الفرق بين المجيب والمعترض
12 paragraphs · vol. 2, p. 451
- vol. 2, p. 451
وأما قوله: (وترجمة البخاري لا تشير إلى تأويل لأثر ابن عمر بخلاف أثر ابن عباس، فكيف يجعل أثر ابن عباس القابل للتأويل القريب من هذا الباب وأثر ابن عمر الصريح أو كالصريح [فيه ليس منه] ؟ ولكن الميل إلى مذهبٍ يَصُدُّ عن النظر فيما سواه) (١) .
-
فيقال له: هذا كما يقال في المثل: (رمتني بدائها وانسلت) (٢) ،
فإنَّ المجيب لم يكن هذا القول مما تربى عليه، ولا له فيه غرض يميل لأجله إليه، بل كان يعتقد خلافه ويفتي دائمًا بخلافه، لكن لما نظر ورأى الحق لم يجز له أن يقول خلاف ما تبين له، والله ــ سبحانه وتعالى ــ يعلم وعباده المؤمنون الذين هم شهداء الله في الأرض أنه لم يمل (٣) إلى قول إلا قصدًا لاتباع الحق الذي بعث به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من جهة قيام الحجة به، وإيجاب الله ورسوله عليه ألا يقول على الله إلا الحق، وأن يرد ما تنازع فيه المسلمون إلى الله والرسول؛ بخلاف مَنْ تربى على قول تَقَلَّدَه أولًا بلا حجة، ثم لما نوزع فيه أخذ يلفق حججًا لم يذكرها أصحابه الذين هم أحق بمعرفة تلك الحجج لو كانت صحيحة، بل يحتج له بمنقولات لا دلالة في شيء منها، وبأقيسةٍ
vol. 2, p. 452ومعانٍ (١) هي أضعف في الحجة من تلك المنقولات التي لا حجة فيها، فليس معه دلالة لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع الأمة المعلوم ولا من قياس صحيح، بل معه ظن كاذب للإجماع، وظنٌّ مخطئ في معرفة مسمى الطلاق والعتاق والنذر والظهار، والفَرْقِ بينَ هذه الأمور وبين مسمى اليمين؛ حيث أخرجَ ما هو يمين عند الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وأصحاب رسوله - صلى الله عليه وسلم - وجمهور السلف عن كونه يمينًا وجعله عتقًا ونذرًا وطلاقًا.
-
وأما قوله: (ترجمة البخاري لا تشير إلى تأويل أثر ابن عمر بخلاف أثر ابن عباس) .
-
فيقال: هو لا يشير إلى تأويل لا لهذا ولا لهذا، بل البخاري ذكر كلًّا منهما مقرًّا له على ظاهره.
-
وأما قوله: (كيف يجعل أثر ابن عباس القابل للتأويل القريب من هذا الباب وأثر ابن عمر الصريح أو كالصريح ليس منه؟) .
-
فيقال له: بل أثر ابن عباس - رضي الله عنهما - هو الصريح في مدلوله، وأما أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - [١٢٠/ ب] فهو المحتمل، بل كونه غير يمين أظهر من كونه يمينًا.
-
فإنَّ قول ابن عباس بَيِّنٌ في الحصر، وأنه عنده لا طلاق إلا عن وطر ولا عتق إلا ما ابتغي به وجه الله، ولو حمل على أنه لم يرد الحصر بل أراد أنَّ الطلاق يكون عن وطر وغير وطر، والعتق يكون مما ابتغي به وجه الله ويكون بخلاف ذلك= لم يكن في هذا الكلام فائدة، ولم يكن لحكاية
vol. 2, p. 453البخاري له في الترجمة معنى.
-
فإنَّ البخاري ذكر في هذا الباب ما يدل على أَنَّ القصد معتبر في الطلاق، فلا يقع طلاق السكران والمكره والناسي وطلاق الإغلاق، وهذا إنما يناسب ذكر قول ابن عباس إذا كان مراده الحصر.
-
وأما أثر ابن عمر؛ فالاحتمال فيه ظاهر، لا ينازع فيه عاقل يفهم الفرق بين من يقصد بالتعليقِ الإيقاعَ تارةً واليمينَ أخرى.
-
وهذا المعترض لَمَّا لم يفهم هذا الفرق، وجعل الجميع يمينًا عند المجيب، وظنه أنه لا يخرج عن اليمين إلا التعليق الذي ليس فيه حض ولا منع كالتعليق بطلوع الشمس = صار أثر ابن عمر عنده صريحًا أو كالصريح، ونحن نُسَلِّم له أنه صريح أو كالصريح في التعليق الذي يقصد به المنع من الخروج.
-
فإنَّ قولَ نافعٍ: (طَلَّقَ رجلٌ امرأته البتة إِنْ خَرَجَتْ) ؛ يقتضي أنه عَلَّقَ طلاقها بالخروج، وهذا لا يكون في العادة إلا إذا كان مانعًا لها من الخروج، لكن مع هذا: قد يريد طلاقها إذا خرجت فيكون مطلقًا، وقد يكون يكره الطلاق وإن خرجت فيكون حالفًا.
-
ومعلومٌ أَنَّ الناس تارة يقصدون هذا وتارة يقصدون هذا، والغالب على أهل زماننا قصد اليمين، وأما في زمن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ فكان الغالب عليهم قصد الإيقاع عند الصفة، كما نُقِلَ مِثْلُ ذلك عن غير واحد من الصحابة في تعاليق متعددة يراد بها الإيقاع عند الصفة وإن كان فيها حض أو منع.