غلط المعترض في هذا الموضع من أعظم ما أوقعه في التسوية بين تعليق اليمين وتعليق الإيقاع
10 paragraphs · vol. 2, p. 454
- vol. 2, p. 454
ومما غَلَّطَ المعترضَ: ظَنُّهُ أَنَّ الحالف يريد الطلاق والعتاق والنذر عند الصفة، ولهذا قال: (وقوله: إِنَّ الحالف ليس له وطر في الطلاق ولا في العتق؛ ممنوعٌ، بل هو قاصد للطلاق على تقدير وقوع شرطه، فإنَّ ذلك [١٢١/ أ] مقتضى الربط الذي رَبَطَ بين (١) الشرط وجزائه؛ نعم (٢) مقصوده ألا يقع الشرط، وذلك لا يمنع من قصد وقوع المشروط على تقدير وجود الشرط) (٣) .
-
فيقال له: الغلطُ في هذا الموضع هو من أعظم ما أوقع المعترض ونحوه في التسوية بين تعليق اليمين وتعليق الإيقاع، وما ذكره مما يَعْلَمُ فسادَهُ جميعُ الناس إذا رجعوا إلى ما يجدونه في أنفسهم عند قصد اليمين وما يعلمونه من غيرهم.
-
فإنَّ الناس يعلمون أَنَّ المعلِّق إذا قال: إِنْ سافرتُ معكم، إِنْ كلمتُ فلانًا، إِنْ زَوَّجْتُهُ ابنتي؛ فكل نسائي طوالق وعبيدي أحرار ومالي صدقة وعليَّ ثلاثون حجة وصيام عشرة أعوام وأنا يهودي ونصراني وبريءٌ من الإسلام وقطع الله يدي ورجلي ولا أماتني على الإسلام ولا خَتَم لي بخير وذبح أولادي على صدري، وقد يقول: إِنْ غلبتني ركبتني، وإِنْ غلبتني أكون مخنثًا، أو أكون ولد زنا إِنْ لم أفعل كذا، أو لست ابن فلان إن لم أفعل كذا ونحو ذلك وأمثال ذلك مما يُعلِّقه على الفعل الذي منع منه نفسه وعَلَّقَ به هذا الجزاء يقصد به اليمين، فإنه يعلم من نفسه والناس يعلمون منه أنه لا
vol. 2, p. 455يريد قط أن يهلكه الله ولا أَنْ يميته على غير الإسلام ولا أن يختم له بالشر ولا أن يقطع يديه ورجليه ويذبح أولاده على صدره ولا أن يخرج عن ماله ولا يبقى له مملوك ولا امرأة ولا أَنْ يبقى في ذمته ثلاثون حجة وصيام ثلاثة أعوام وأمثال ذلك مما يُعلِّقه بالفعل.
-
فالناس كلهم يعلمون علمًا يقينًا من أبلغ العلوم الضرورية أَنَّ المعلق هذا التعليق لا يريد أَنْ يحصل له هذا الشر العظيم والضرر الزائد على الحد الذي لا يقصده قط أَحدٌ لنفسه سواء وجد الشرط أو لم يوجد.
-
فمن قال: إنَّ هذا قاصد لهذه اللوازم ــ الطلاق وما معه ــ على تقدير وجود الشرط؛ فهو ضالٌّ ضلالًا مبينًا يعرفه جميع الناس، وهو يخبر عما في قلوب بني آدم ونفوسهم بنقيض ما يعلمونه ويجدونه في قلوبهم ونفوسهم، وما يعلمونه من غيرهم أيضًا.
-
وإذا انتهى البحث إلى هذا؛ كان صاحبه مسفسطًا [١٢١/ ب] إما جهلًا وإما عمدًا، وليس من شرط السفسطة أَنْ يتعمد الكذب، بل من أنكر الحقائق المعلومة للناس علمًا ضروريًا فهو سوفسطائي (١) .
-
فمن قال: إِنَّ الجائع والعطشان لا يجد أَلَمًا، والآكل والشارب لا يجد
vol. 2, p. 456لَذَّةً فهو مسفسط، ومن قال: إن الإنسان لا يكون قط مريدًا للنكاح والطلاق فهو مسفسط، ومن قال: إن كل مَنْ عَلَّقَ الطلاق بصفة لا يريد إيقاع الطلاق عند الصفة فهو مسفسط، ومن قال: إن كل من قصد بتعليقه اليمين فهو مريد للطلاق والعتاق والنذر والدعاء على نفسه بالشرور العظيمة وسائر ما علقه بالشرط، كما يريد ذلك إذا لم يكن قصده اليمين= فهو مسفسط.
-
فإنه من المعلوم بالضرورة أَنَّ المعلق الذي يقصد الحض والمنع تارة يريد وقوع الجزاء عند الشرط وتارة يكره ذلك مطلقًا، وهذا الثاني هو الحالف دون الأول؛ فالحالف لا يريد الشرط ولا يريد الجزاء وإن وجد الشرط، بل هو كارهٌ للجزاء ممتنع من قصد إيقاعه وجد الشرط أو لم يوجد، وإنما عَلَّقَهُ مع امتناعه من وقوعه لئلا يقع إذا وقع الشرط، والفرق ظاهر بين أن يقصد وقوعه إذا وقع الشرط وإِنْ كره الشرط وبينَ ألا يقصد وقوعه بحال، بل لا يقصد إلا عدم الشرط، فلا يقصد لا الشرط ولا الجزاء.
-
والحالف لا يكون حالفًا إلا إذا لم يرد لا هذا ولا هذا، وأما إذا لم يرد الشرط وهو يريد الجزاء بتقدير وجود الشرط؛ فهذا مُوْقِعٌ ليس بحالف.
-
وحينئذٍ؛ فيعلم بالاضطرار أن الحالف ليس له وطر في الطلاق والعتاق، كما أنه ليس له وطر أن يدعو الله ألا يختم له بخير وأن يقطع يديه ورجليه ويذبح أولاده على صدره، وليس له وطر في أَنْ يخرج من جميع أهله وماله فيبقى لا زوجة له ولا مملوك ولا مال ينتفع به، بل يكون قد وتر أهله وماله، ومع ذلك ففي ذمته عبادات لا يطيقها مثل: ثلاثين حجة وصوم عشرة أعوام وأمثال ذلك.