الجواب عن قول المعترض: (إن أحمد لم يرد هذه الصورة. . . إلخ)
7 paragraphs · vol. 2, p. 516
- vol. 2, p. 516
قوله: (ثم إنه في هذا الوجه لم يُمثِّل إلا بالمسألتين المذكورتين، وهما من نذر اللجاج والغضب، لم يمثِّل بمحل النزاع، وهو قوله: إِنْ فعلتِ فعبدي حر) (١) .
-
فيقال: لأنَّ هذا هو مراد أحمد قطعًا، كما ذكره هو، وأحمد ــ رحمة الله عليه ــ لم يرد العتق، بل عنده أَنَّ العتق يقع، لكن المقصود أَنَّ الأصل الذي بَنى عليه مذهبه: النظر إلى مقصود المتكلم ومراده، فإذا قَصَدَ معنى اليمين جعله حالفًا لأجل قصد اليمين ولم يجعله ناذرًا، مع أن الصيغة صيغة نذر، وهذا المعنى موجود في كل مَنْ قَصَدَ معنى اليمين سواء كان قصدُهُ تعليقَ الطلاق والعتاق أو الظهار أو الحرام، أو قصده تعليق (٢) وجوب الحج والصوم والهدي وغير ذلك.
-
وقوله: (إن أحمد لم يرد هذه الصورة؛ [١٣٩/ ب] فإنَّ النصوص التي نقلها عنه في هذا الفصل مشعرةٌ بأنه إنما أراد تقسيم ما يلتزمه الشخص إلى ما هو يمين وإلى ما هو نذر، وتعليق الطلاق والعتاق ليس بالتزام على ما سنبينه، فلم يدخل في مورد التقسيم) (٣) .
-
يقال له: لم يذكر أن أحمد قصد دخوله في مورد التقسيم، بل المُدَّعَى أَنَّ الفرق المعنوي الذي فَرَّقَ به بين تعليق النذر وتعليق اليمين= موجودٌ في
vol. 2, p. 517تعليق الطلاق والعتاق، فيجب طرد هذا الأصل والتعليل، وأَنْ يُرْجَعَ (١) في كل تعليق إلى قصد المعلق؛ فإنْ كان قصده اليمين وهو كاره للزوم الجزاء عند الشرط فتعليقه يمين، وإلا فهو نذرٌ أو طلاق أو عتاق أو ظهار أو تحريم بحسب ما عَلَّقَه من ذلك.
-
ونحن نعلم أَنَّ أحمد وغيره فَرَّقُوا بين تعليق الطلاق والعتاق وقصد تعليق النذر، لكن المعنى الذي لأجله فرقوا وجعلوا ذلك التعليق يمينًا = موجودٌ في تعليق الطلاق والعتاق الذي قصد به اليمين؛ فكان موجب أصلهم ومقتضاه أَنْ يكون كل هذا يمينًا وألا يفرقوا بين تعليق الطلاق والعتاق وغيرهما.
-
والتسوية بينهما هو المنقول عن الصحابة - رضي الله عنهم - في جميع الروايات؛ فالثابت عن غير واحد منهم أنهم جعلوا هذا التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا، وروي عن بعض هؤلاء أنهم جعلوه تعليقًا لازمًا، ولم يُفَرِّق أحدٌ من الصحابة بين تعليق الطلاق والعتاق وغيرهما، ولا بين الطلاق وغيره.
-
بل هذه الفروق مسبوقة بالاتفاق على خلافها، فإنه إِنْ كان القول الذي لم يعلم بين السلف فيه نزاع إجماعًا = فقد انعقد إجماعهم على أنه لا فرق بين الطلاق والعتاق، بل وانعقد إجماع الصحابة على أنه لا فَرْقَ في التعليق الذي يقصد به اليمين بين تعليق وتعليق، بل صَرَّحُوا بأنه لا فرق بين الحلف بالعتق وغيره نفيًا وإثباتًا، واتفق السلف كلهم على أنه لا فرق بين الحلف بالطلاق والعتاق؛ هذا إِنْ كانَ عدم العلم بالنزاع إجماعًا، وإِنْ لم يكن إجماعًا فلا إجماع لا على وقوع طلاق ولا عتق ولا غيرهما.