محل النزاع: هل الطلاق والعتاق المعلق الذي يقصد به اليمين هو من الأيمان أم من باب الطلاق والعتاق المعلق على الشرط؟

13 paragraphs · vol. 2, p. 523

  1. قلت (١) : استنبط من كلام إمامه في إحدى الروايتين عنه أَنَّ هذا يمين لا تعليق محض؛ وذلك ليس محل النزاع.

    ثم قال: فلما لم يحنثه في إحدى الروايتين دَلَّ على أنه جعله حالفًا بذلك لا معلقًا له.

    vol. 2, p. 523
  2. قلنا: لا مُعَلِّقًا له محضًا أو لا معلقًا له مطلقًا؟ الأول: مُسَلَّم ولا يفيدك، والثاني: ممنوع.

  3. قوله: وإذا كان حالفًا فالحنث لا يوجب [١٤١/ ب] وقوع المعلق به.

  4. قلنا: متى؟ في الحلف المحض أو في الحلف الذي في ضمن التعليق؟ الأول: مُسَلَّم وليس محل النزاع، والثاني: ممنوع.

  5. قوله: وإنما يوجب التكفير كسائر صور الأيمان.

  6. قلنا: ما الجامع؟ فإنَّ الأيمان بالله ــ تعالى ــ وصفاته مَدركُ وجوب الكفارة فيها انتهاك الاسم المعظم وأنه غير موجود ههنا، وفي نذر اللجاج والغضب التزم شيئًا أوجبه على نفسه فأشبه اليمين بالله ــ تعالى ــ، وههنا ليس كذلك كما أشرنا إليه فيما تقدم، وسنزيده بيانًا ــ إن شاء الله ــ) (٢) .

  7. والجواب: قوله: (استنبط من كلام الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه أَنَّ هذا يمين لا تعليق محض، وذلك ليس محل النزاع) .

  8. فيقال: بل أصل محل النزاع أَنَّ الطلاق والعتاق المعلق الذي يقصد به

    vol. 2, p. 524اليمين هو من الأيمان حكمه حكم الأيمان، أم هو من باب الطلاق والعتاق المعلق على شرط؟

  9. وأحمد ــ رحمة الله عليه ــ قد اختلف كلامه في ذلك كما اختلف كلام غيره، واختلف في ذلك السلف والخلف، لكن الثابت المشهور عن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ أَنَّ هذا التعليق من باب الأيمان حكمه حكم الأيمان المكفَّرة، والمجيب لم يقصد تسمية هذا أيمانًا، فإنَّ هذا قد سلمه من ينازع في حكم هذه اليمين، بل قصده أَنَّ أحمد في إحدى الروايتين جعل حكمه حكم الأيمان لا حكم التعليقات التي ليست أيمانًا؛ فإنه لما فَرَّقَ بين أن يفعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا وبين أن يفعل عمدًا = كان هذا [هو] (١) الفرق، لأنَّ الحض والمنع في الأيمان كالطاعة والمعصية في الأمر والنهي لا يكون عاصيًا إذا فعل المحلوف عليه ناسيًا = فكذلك لا يكون حانثًا، فلو كان تعليق الأيمان كالتعليق المحض لم يصح هذا، وإنما يصح إذا كان معنى اليمين معتبرًا في التعليق.

  10. لكن لقائل أَنْ يقول: المعتبر هنا أنه قصد الحض والمنع ولم تحصل المخالفة عمدًا، وهذا أمر مشترك بين اليمين والوعيد وسائر صور الأمر والنهي، فلو قال: إن فعلتَ كذا فعلتُ بك وصنعتُ؛ لم يكن هذا يمينًا، ومع [١٤٢/ أ] هذا إذا فعله ناسيًا لم يستحق الوعيد.

  11. وإذا كان المؤثِّر هنا هو أمرًا أعم من كونه يمينًا وهو الحض والمنع ــ وهو الذي يظنه المعترض معنى اليمين ــ لم يكن في هذا ما يدل على أَنَّ أحمد اعتبر في ذلك خصوص اليمين، وهو التزامٌ يكره لزومه له، لكن هذا

    vol. 2, p. 525يقتضي أَنَّ أحمد فَرَّقَ بين التعليق الذي فيه معنى الحض والمنع وما ليس كذلك، فجعل النسيان مؤثرًا في الأول دون الثاني، وليس في هذا أنه إذا فعل المحلوف عليه عمدًا لا [يلزمه به] (١) ، فإنما فيه أنه عَذَرَهُ عند النسيان ولم يعذره عند العمد، ثم إذا لم يعذره فقد يجعل التعليق من جنس التعليق الذي يقصد به الحض والمنع مع قصده الوقوع عند وجود الشرط، وهذا ليس بيمين مكفرة عند أحد من العلماء، وإنْ ظَنَّ هذا المعترض ونحوه أنه مما يقول المجيب فيه بالكفارة = فهذا غلط كما تقدم غير مرة.

  12. فهذا القسم يعذر أحمد فيه بالنسيان والجهل على إحدى الروايتين، وليست يمينًا مكفرة عند المجيب = فعلم أَنَّ عذر الناسي والجاهل لكونه ممنوعًا ومحضوضًا لا لكون ذلك من باب الأيمان المكفرة، فلو ذكر المعترض مثل هذا الكلام لكان فيه منع التخريج من هذا الوجه على أصل أحمد، لكنه لا يمكنه ذكر ذلك، فإنه لا يفرق في التعليق الذي يقصد به الحض والمنع بين من يقصد وقوع الجزاء وبين [من يكره] (٢) وقوع الجزاء، بل يظن الجميع من الأيمان التي نازع فيها المجيب.

  13. ومع هذا؛ فقد يقال: أحمد لما راعى قصد المعلق في الشرط فينبغي ــ أيضًا ــ أَنْ يُرَاعِيَ قصده في الجزاء؛ فإذا كان قَصْدُهُ الحض والمنع جعله كالآمر الناهي يعذر المنهي إذا خالفه ناسيًا، فكذلك في الجزاء إذا قصد إيقاع الجزاء كان موقعًا وإن كان كارهًا لإيقاع الجزاء كان حالفًا، فأصوله ونصوصه تقتضي أنه يعتبر المقاصد والنيات في جميع العقود، ويكون بهذا