أصل مهم: صيغة التعليق لم يعلق الله بها ولا رسوله حكما من الأحكام لا نفيا ولا إثباتا، بل يرد إلى معناها
12 paragraphs · vol. 2, p. 528
- vol. 2, p. 528
وتلحق به غير المنصوص، والنص ورد في أيمان المسلمين، فالواجب أَن تثبت الحكم في جميع أيمان المسلمين، والصيغة التي يظن أنها ليست صيغة يمين إذا كان معناها معنى اليمين ألحقتها (١) بها، وأنتَ جعلتَ صيغةَ التعليق هي الأصل وألحقت بها صيغة القسم.
-
وصيغة التعليق لم يعلِّق الله بها ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - حكمًا من الأحكام، لا نفيًا ولا إثباتًا، بل يُرَدُّ إلى معناها؛ فإن كان معناها نذرًا فهي نذر، وإن كان جعالة فهي جعالة، وإن كان وكالة فهي وكالة، وإن كان عتقًا أو طلاقًا فهي عتق أو طلاق، وإن كان خلعًا فهي خلع (٢) .
-
فقولنا: صيغة تعليق مثل قولنا صيغة خبر وأمر، وجملة شرطية وسلبية وثبوتية ونحو ذلك؛ هو: اسم لصورة اللفظ المتضمن تعليق الثاني بالأول، وهذا المعنى ليس وصفًا مؤثرًا في الأحكام الشرعية، ولا عَلَّقَ الشارع بذلك حكمًا من الأحكام، بل تختلف أحكامه بحسب تنوع أقسامه ومعانيه.
-
ولهذا؛ لَمَّا كان تعليق النذر تارة نذرًا وتارة يمينًا جعل النذر نذرًا واليمين يمينًا؛ كذلك تعليق الطلاق إذا كان تارة يمينًا وتارة تطليقًا، فاليمين يمين والطلاق طلاق = فتبين صحة قول المجيب.
-
وإذا كان حالفًا؛ فالحنث لا يوجب وقوع المحلوف به، وإنما يوجب التكفير كسائر صور الأيمان.
- vol. 2, p. 529
قول المعترض: (متى لا يوجب الحنث وقوع المحلوف به في الحلف المحض أو في الحلف الذي في ضمن التعليق؟) .
-
يقال له: ليس معك في كتاب ولا [١٤٣/ ب] سنة ولا إجماع ولا قياس أَنَّ الحانث يلزمه طلاق ولا عتاق، بل النصوص كلها تدل على أَنَّ الحالف الحانث إنما عليه التكفير، وتفريقك بين حانث وحانث بمجرد حكاية مذهب وقولك: إنَّ هذا ممنوع = لا فائدة لك فيه، فإنه قد علم أنك تمنعه، لكن الشأن في أن تجيب عن أدلة المستدل أو تقيم (١) دليلًا على هذا الفرق إما مُعَارِضًا به وإما مبتدئًا به، وكلا الأمرين منتفٍ، فلا ينفعك مجرد المنع مع قيام حجة المنازع من الكتاب والسنة والاعتبار على أن التكفير بالحنث في أيمان المسلمين. قال تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: ٨٩] ، وقال تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: ٢] ، فجعل التَّحِلَّة لمسمى أيمان المسلمين؛ فَعُلِمَ أَنَّ المعنى [المؤثر في تحلة (٢) اليمين] (٣) كونها يمينًا من أيمان المسلمين.
-
وكذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} يقتضي أَنَّ هذا كفارة لما هو من أيمان المسلمين، فالمؤثر في جواز الكفارة = كون العقد يمينًا من أيمان المسلمين، والكفارة في اليمين له أن يكفر قبل الحنث وبعده، ولهذا سماه الله تحلة، وتحليلها قبل الحنث أوكد، لكن إنما يجب إذا حنث.
- vol. 2, p. 530
ولا تحتاج الآية إلى إضمار كما يقوله بعضهم (١) : إذا حلفتم فحنثتم، فإنه لم يوجب الكفارة لمجرد اليمين، بل بَيَّنَ أن هذا كفارة اليمين المحلوف بها، وهي كفارة لها سواء كَفَّرَ أو لم يكفر، لكن إِنْ كَفَّر انحلت يمينه وإلا فهي معقودة.
-
والمكفِّر إنما يكفر يمينه، فيزيل بالكفارة ما كانت اليمين سببًا له من الإثم الذي أوجبه عقدها إذا حنث، والحنث شرط في وجوب الكفارة، كما أَنَّ العَوْدَ شرطٌ في استقرار كفارة الظهار.
-
وقول المجيب: إنما يوجب الحنثُ التكفيرَ كسائر صور الأيمان؛ لم يذكره لمجرد القياس، بل لأن نصوص الكتاب والسنة بينت أَنَّ الحنث في الأيمان إنما يوجب التكفير في جميع صور أيمان المسلمين، لم تفرق النصوص بين يمين ويمين، ولا بين صيغة وصيغة إذا كانت الأيمان من أيمان المسلمين المعقودة [١٤٤/ أ] المحترمة، وهي ما يقصد بها تعظيم الله بعقدها به أو له، دون ما يقصد بها تعظيم المخلوق بأن يعقد به أو له، فإنه يمين غير محترمة ولا كفارة في الحنث فيها؛ فصارت هذه الأيمان داخلة في نصوص الكتاب والسنة لفظًا ومعنى.
-
وأيضًا؛ فلو ذكر ذلك قياسًا، فالجامع بينهما هو الجامع بين نذر اليمين وبين الحلف باسم الله، وهو أنه هَتَكَ حرمة أيمانه بالله بالحنث حيث عقد لله أو بالله عقدًا ولم يوف به، وهذا المعنى هو المؤثر في الشرع بدليل ثابت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كفارة النذر كفارة يمين» رواه مسلم (٢) ،