بيان تناقضات المعترض في مدرك وجوب الكفارة

7 paragraphs · vol. 2, p. 536

  1. وهذا منقول عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعائشة - رضي الله عنهم -، وهو قول عامة السلف والخلف.

    قال أبو محمد (١) : (لا أعلم فيه مخالفًا إلا الشافعي قال: لا ينعقد نذره ولا كفارة فيه، لأنَّ من النذور ما لا كفارة فيه، ثم إنه قال: إذا فعلت كذا فعليَّ نذر، فعليه كفارة يمين؛ فأوجب الكفارة في هذه اليمين بدون ذكر اسم الله ــ تعالى ــ) .

    vol. 2, p. 536
  2. وأما قول المعترض: (وفي نذر اللجاج والغضب التزم شيئًا أوجبه على نفسه فأشبه اليمين بالله ــ تعالى ــ، وهاهنا ليس كذلك) .

  3. فيقال له: فهذا الكلام ينقض قولك: (ما الجامع؟ فإنَّ الأيمان بالله وصفاته مدرك وجوب الكفارة فيها انتهاك الاسم المعظَّم، وإنه غير موجود هنا) .

  4. فيقال لك: إذا كان هذا هو مدرك الوجوب فحيث انتفى الوجوب وجب أن تنتفي الكفارة في نذر اللجاج والغضب لانتفاء هذا القول، ثم إذا قِسْتَ نذر اللجاج والغضب على اليمين بجامعٍ بينهما، وهو أنه التزم شيئًا أوجبه على نفسه كان مدرك الوجوب أنه التزم شيئًا أوجبه على نفسه، وهذا المدرك أعم من ذاك؛ فتناقضتَ في كلامٍ واحدٍ قليلٍ متصلٍ بعضه ببعض.

  5. وأيضًا؛ فإنه إذا التزم شيئًا أوجبه على نفسه، فهذا معنى النذر لا معنى اليمين، فكان يجب جعل هذا نذرًا موجِبًا على [١٤٦/ أ] نفسه ما أوجبه لا يجعل فيه كفارة، وهذا الكلام يناسب قول من يجعل نذر اليمين نذرًا واجبًا

    vol. 2, p. 537لا من جعله يمينًا مكفرة، ولكن هؤلاء متناقضون تناقضًا بينًا، فإنهم جعلوا نذر اللجاج والغضب من الأيمان المكفرة، ولم يجعلوا الحلف بالطلاق والعتاق كذلك، بل جعلوا هذا التعليق كتعليق النذر اللازم؛ فصاروا إذا ناظروا من يقول بلزوم نذر اللجاج والغضب ينصرون أنه يمين، وإذا ناظروا من يقول بتكفير الحلف بالطلاق والعتاق ينصرون أنه ليس بيمين، ويقولون: إِنَّ نذر اللجاج والغضب أشبه اليمين، ويذكرون مِنْ شَبَهِهِ ما يوجب أن يكون نذرًا لازمًا؛ وهذا غلطٌ بَيِّنٌ.

  6. وإنما الذي ذكره الصحابة - رضي الله عنهم - والسلف والأئمة الشافعي وأحمد وغيرهما ــ رحمة الله عليهم ــ أن قصد صاحبه قصد الحالف لا قصد الناذر، وأنه من باب الأيمان لا من باب النذور، وهذا المعنى يوجب أن يكون الطلاق والعتاق المحلوف بهما كذلك، ليس بينهما فرق مؤثر؛ فليتدبر اللبيب هذا التناقض العظيم، والكلام في هذه المسائل بلا أصل يعتمد عليه من نص ولا قياس = يعللون حكم الأصل بعلة مختصة، ثم يثبتون الحكم بعلة أخرى، وتلك العلة توجب ضد ذلك الحكم، وهذا كلام مَنْ لم يُحْكِم الأصل الذي بنى عليه قوله، وهم معذورون في مثل هذا الموضع الذي اضطرب فيه أكثر الناس.

  7. فإنْ قلت: بل ذاك مدرك وهذا مدركٌ ثانٍ؛ فالكفارة تجب لهذا ولهذا، فقد سلمتَ أَنَّ الكفارة تجب حيث لم يذكر الاسم المعظم، وحينئذٍ؛ فإنْ لم تذكر مدركًا يمنع دخول الحلف بالطلاق والعتاق = لم يكن معك فرق أصلًا، لا مؤثر ولا غير مؤثر، وليس معك إلا حكاية المذهب.