منع شيخ الإسلام من تقسيم الأيمان إلى مكفرة وغير مكفرة، والرد على المفرقين

20 paragraphs · vol. 2, p. 541

  1. وهؤلاء أعلم بمذهبه وأصوله من غيرهم، ولم يكن مقصودنا هنا ترجيح هذا القول على غيره حتى نبسط القول فيه، بل المقصود ما يلزم أصحابه.

    vol. 2, p. 541
  2. فصلٌ

    قال: (وما ذكره ــ يعني: المجيب ــ من تضعيف الفرق بأنَّ العتق والطلاق [فيه] حقٌّ لآدمي فلا يرتفع بالكفارة، بخلاف الأيمان بغير ذلك، وضَعَّفَهُ بإجزاء الكفارة فيما إذا قال: فعليَّ أَنْ أُعتق أو أُطَلِّق.

  3. قلنا: الفرق بينهما أَنَّ هذا التزام بخلاف ذلك كما أشرنا، ويرشد (١) إلى هذا قول الفارق فلا يرتفع، فإنه يؤذن بالوقوع؛ أي: فلا يرتفع بعد ذلك) (٢) .

  4. والجواب: أن الذين فَرَّقُوا في مسألة الناسي بين الحلف باليمين المكفَّرة وغير المكفَّرة، وهو الحلف بالطلاق والعتاق بناءً على اعتقادهم أَنَّ هذه غير مكفرة = فَرَّقُوا بأنْ قالوا: اليمين التي ليست مكفرة يتعلق بها حَقُّ آدمي فتعلق به مع النسيان كالإتلاف، ولأنه حكمٌ عُلِّقَ على شرط فوجد بوجدان الشرط؛ كالمنع من الصلاة بعد العصر.

  5. فيقال لهم بعد المنع من تقسيم الأيمان إلى مكفرة وغير مكفرة: حَقُّ الآدمي يتعلق بالوجوب المعلق كتعلقه بالوقوع المعلق. فإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أعتق عبدي وأُطَلِّقَ امرأتي؛ فقد تعلق به حق آدمي، وهو لو نَذَرَ عتق عبد مُعيَّن تعيَّن ووجب عليه عتقه؛ فإن كان الموجِب للفرق تَعَلُّقُ حق الآدمي فيجب في مثل هذه الأيمان ألا يعذر الناسي والجاهل، وهم يعذرونه

    vol. 2, p. 542لأنها عندهم يمين مكفرة وإِنْ تعلق بها حق آدمي، وهي مع [١٤٧/ ب] هذا عندهم يمين مكفرة.

  6. وقول المُفَرِّق: إِنَّ العتق والطلاق فيه حق لآدمي فلا يَرتفع بالكفارة؛ بناه على أصله في أنه وقع فلا يرتفع بالكفارة، وهذا كقول مَنْ يُلزم بالوفاء في نذر اللجاج والغضب، ويقول: قد وجب في ذمته فلا يرتفع بالكفارة، وإلا فمن يقول: إنه لم يحنث لا يُسَلِّم أن العتق والطلاق وقع، وكذلك مَنْ يقول بإجزاء الكفارة لا يقول: إنه وقع واحد منهما، ولو وقع لم يرتفع بعد وقوعه، بل ما قَصَدَ به اليمين لم يقصد به الإيقاع فلا يقع، بل تجزئه كفارة يمين، وإن أوقعه لم يكن عليه شيء غير ذلك.

  7. وكذلك مَنْ لا يُحَنِّث الناسي والجاهل يقول: وجود فعلهما وعدمه (١) لم يأتيا بالمخالفة.

  8. وأيضًا؛ فالناسي والجاهل إنما عُذِرَ في اليمين المكفرة لأنه لم يقصد المخالفة، فصار كمن فعل المنهي عنه ناسيًا، وهذا المعنى موجود في جميع الأيمان.

  9. ولكن أحمد ــ على قوله بلزوم ذلك ــ قطع شَبَهَ ذلك بالأيمان وجعله إيقاعًا، كما منع من الاستثناء في ذلك في إحدى الروايتين عنه، وكما جعل الحلف بهما ليس بإيلاء؛ وقد تقدم أَنَّ أحمد تارة كان يجعل الحلف بهما من باب الإيقاع لا اليمين، وتارة يجعله من باب اليمين.

  10. فقوله: فالفرق يَتوجَّه على أنه لم يجعلهما من الأيمان إذ كان لا كفارة فيهما عنده ولا استثناء في إحدى الروايتين عنه؛ فيوجَّه هذا: أنه طلاق وعتق معلَّق (١) بصفة= فيقع إذا وجدت، لكن قد تبين بالدليل أَنَّ جَعْلَهُ لهما أيمانًا هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة، وأَنَّ الواجب إثبات حكم الحلف بهما إذا حلف بهما في جميع الأيمان، لا يجعل ذلك في حكمٍ يمينًا وفي حكمٍ غير يمين، مثل أَنْ يقال: الحلف بهما في الاستثناء يمين، وفي الكفارة ليس بيمين، وفي الإيلاء ليس بيمين؛ فإنَّ هذا تناقض بَيِّنٌ، بل الواجب أَنْ يقال في الحلف بهما ما قيل في الحلف بالنذر = وهو أنه يمين في الكفارة وفي الاستثناء، وكذلك الإيلاء على القول الصحيح الذي هو ظاهر مذهب أحمد كما ذكره أبو بكر عبد العزيز [١٤٨/ أ] وغيره، وعامة نصوص أحمد تدل عليه.

    vol. 2, p. 543
  11. وأما كون الحلف بالنذر ليس بإيلاء، وإنما كان الإيلاء ما كان باسم الله كما يختاره الخرقي والقاضي وطائفة؛ فهو قول ضعيف جدًا مثل قول الشافعي القديم، وهذا يناسب قول من لا يجعل الحلف بالنذر يمينًا مكفرة ولا نذرًا، بل لا يجعله موجبًا لشيء كطائفة من السلف، وهو مذهب داود وابن جرير الطبري (٢) .

  12. فإذا قيل: الحلف بالنذر ليس يمينًا ولا نذرًا، فإنَّ هذا يناسب ألا ينعقد به الإيلاء، وأما مع إيجاب الكفارة فيه أو إلزامه النذر فالقول بأنه لا ينعقد به الإيلاء = قولٌ ضعيف جدًا ليس فيه شيء من الفقه.

  13. وأما قولهم في الحلف بالطلاق والعتاق: إنه حكم معلق بشرط يوجد عند وجود شرطه؛ فينتقض بنذر اللجاج والغضب، فإنه معلق بشرط، وهو مع هذا يعذر فيه الناسي والجاهل لأنه يمين مكفرة.

    vol. 2, p. 544
  14. وأيضًا؛ فالحكم المعلق بشرط تارة يقصد به اليمين وتارة لا يقصد به اليمين، وقد ثبت بالنص والآثار والقياس أَنَّ قصد اليمين وصفٌ مؤثرٌ، وهم يُسلِّمون ذلك، وحينئذٍ فلا يجوز إلغاؤه، والواجب أَنْ يُلحق الحالف بالطلاق والعتاق إذا فعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا بسائر الحالفين؛ كما هو مذهب جماهير السلف والخلف، فإن المشهور قولان: إما الحنث في الجميع، وإما عدم الحنث في الجميع.

  15. وأما التفريق ــ فهو وإن اختاره طائفة كبيرة من أصحاب أحمد ــ فهو ضعيف، والذين نقلوا عن أحمد التسوية بمنزلة الذين نقلوا الفرق فيما وجدته من كلام أحمد، فلم يكن جوابه بالفرق أكثر من جوابه بالتسوية، ولكن اختار الفرق من اختاره من أصحابه كما يختارون أقوالًا وغيرُها أكثر في أجوبته، كما اختار الخرقي والقاضي وغيرهما أن الماء المتغير بالطاهرات ليس بطهور، وأكثر أجوبة أحمد على أنه كالمتغيِّر بأصل الخِلْقَة [١٤٨/ ب] وبما يشق صونه عنه (١) .

  16. وأما تفريق المعترض بين ما عورضوا به وبين ما يحلف بالعتق والطلاق، بأنَّ الأول التزام بخلاف هذا.

  17. فيقال له: أولًا: التضعيف وارد على فرقهم بأن هذا فيه حق لآدمي

    vol. 2, p. 545بخلاف هذا، فكونه حقًّا لآدمي يتناول ما إذا التزم حقًّا لآدمي أو أوقع ما يتضمن حقًّا لآدمي، وفي كون أحدهما التزامًا لا يقدح في كون كل منهما حقًا لآدمي، فعلم أن كونه حقًّا لآدمي وصفٌ غير موجِب للوقوع.

  18. بل ثَمَّ جوابٌ آخر، وهو: أَنَّا لا نُسَلِّم أَنَّ الطلاق والعتاق حق لآدمي، بل هما حقان لله؛ أما الطلاق فباتفاق الأئمة، ولهذا لو شهد به شهود من غير تقدم دعوى أحدٍ صَحَّت شهادتهم به باتفاق الأئمة، وحقوق الآدميين ليست كذلك.

  19. وأما العتق؛ فإذا شهدوا به ابتداءً صحت شهادتهم عند الأكثرين وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد وأصحاب أحمد وغيرهم، وقال أبو حنيفة: لا تقبل، لأنَّ فيها حقًّا للعبد، والأكثرون قالوا: المُغَلَّب فيه حق الله، فالطلاق قد اتفقوا على أنه حق لله.

  20. وأيضًا؛ فلو كان الطلاق حقًّا لآدمي = لوجب بالنذر إذا قال: لله عليَّ أَنْ أُطلقك، كما يجب العتق إذا قال: لله عليَّ أَنْ أعتقك؛ ولَمَّا لم يجب بالنذر= عُلِمَ أنه ليس فيه حق لآدمي، وليس هو قربة إلى الله؛ فلهذا لم يجب بالنذر، وإن كان فيه له حَقُّ التحريم الذي يوجبه الطلاق، فإنَّ حرمة الفروج حق لله ــ تعالى ــ، ليس للعباد إحلال ما حرمه الله من الفروج، كتحريم الخبائث وذوات المحارم فإنها حق محض لله، ليس لأحد إحلال ما حرمه الله، بخلاف ما حُرِّمَ لحق الآدميين كالأموال والدماء، فإنه يجوز الإبراء والعفو عنها، ويجوز بذل المال ابتداءً وإن لم يجز بذل الدم، بخلاف الفروج فإنها لا تباح بالإباحة، ولا يسقط إثمها وعقوبتها بالعفو.