فصل في الجواب عن اعتراض المعترض على التخريج على أصل الشافعي وغيره

16 paragraphs · vol. 2, p. 547

  1. قال المعترض:

    (قال المجيب: وكذلك يُخَرَّج على أصل الشافعي وغيره [ممن يوافقه على مسألة نذر اللجاج والغضب] .

    قلتُ: فَرَغَ من تخريجه على مذهب أحمد، وَشَرَعَ في تخريجه على مذهب الشافعي وغيره ــ كما زعم ــ ظانًّا أَنَّ ذلك فَرْدٌ من أفراد مسألة اللجاج والغضب.

    vol. 2, p. 547
  2. وحُقَّ لنا الآن أَنْ نُبدي الفرق بينهما؛ فنقول: تصرفات الشخص التي يستقل بها: تارةً تكون في نفسه خاصة كالنذر، فإنَّ موجَبه التزام شيء في الذمة ولا أثر له في غيره، وتارة تكون في غيره ويَرِدُ على مَحَلٍّ خارجٍ يباشر (١) به؛ كالطلاق والعتق الواردين على الزوجة والمملوك.

  3. فإنَّ معنى الطلاق: قَطْعُ العصمة لا التزام قطعها، ومعنى العتق: قَطْعُ ملك اليمين لا التزام قطعه، وكلٌّ من التصرفين يكون مُنَجَّزًا ومعلقًا؛ فتارة يكون النذر منجزًا كقوله: لله عليَّ؛ فهو التزام في الحال، وتارة يكون معلقًا كقوله: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ كذا؛ فهو التزام مُعَلَّقٌ بصفة.

  4. وكذلك الطلاق والعتق تارة يكون منجزًا، وهو: إيقاع الطلاق في الحال، وتارة يكون معلقًا وهو: إيقاعٌ بتلك الصفة، فالمعلِّقُ للطلاق موقعٌ له؛ غايته: أنه ما أوقعه مطلقًا وإنما أوقعه مقيدًا بصفة، فيقع بتلك الصفة، ويتأخر الوقوع إلى أَنْ توجد تلك الصفة.

  5. فقد تبيَّن أَنَّ تعليق الطلاق من باب التصرف الذي يوقعه الشخص؛ إما بأنْ ينجزه في الحال، وإما أَنْ يجعله منوطًا بتلك الصفة الذي هو أَحَدُ نوعي التطليق الممكن منه شرعًا، ويُسَمَّى الأول: الطلاق المباشر، ويسمى: إيقاعًا، والثاني يُسَمَّى: عقد طلاق بصفة، ويسمى: عقد صفة.

    vol. 2, p. 548
  6. فعقد الطلاق والعتاق بالصفة مزيلٌ للنكاح والملك، وَيَتَوَقَّفُ الزوال على الصفة، كما أَنَّ عقد الهبة مزيلٌ للملك ويتوقف على القبض، والبيع ناقلٌ للملك ويتوقف على انقضاء الخيار عند من يقول به، [١٤٩/ ب] بل الإيجاب مقتضٍ لذلك، ويتوقف على القبول.

  7. إذا تقرر ذلك؛ فنقول: نذر اللجاج والغضب معناه: التزامُ أمرٍ على تقديرِ ثبوتِ أمرٍ يُقْصَدُ عدمه، أو عَدَمُ أَمرٍ يُقصد ثبوته؛ فكل ما كان كذلك فهو في معنى نذر [اللجاج والغضب] (١) كقوله: العتق يلزمني لأفعلنَّ كذا؛ فإنه التزم العتق على تقدير عَدَمِ ذلك الفعل، أو: العتقُ يلزمني لا فعلتُ كذا؛ فإنه التزم العتق على تقدير ذلك الفعل، ومقتضاه أنه لو حصل الشرط المذكور = لزمه إنشاء العتق لا وقوع العتق على عبيده لما قلناه: إنَّ مورد النذر هو الذمة لا غير.

  8. وكذلك جميع أمثلة نذر اللجاج والغضب من هذا الباب، كقوله: إن فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أعتق أو أتصدق أو أحج أو أُطَلِّق؛ إن لم يشترط القربة، وما أشبه ذلك حتى لو قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أُعتق عبدي فلانًا كان من نذر اللجاج، لأنَّ المشروط التزام إنشاء عتقه لا وقوع عتقه، والملتزم للإنشاء

    vol. 2, p. 549قد يفي بما وجب عليه وقد لا يفي، وأما المعلق للوقوع فغير متمكن من الرجوع عن مقتضاه.

  9. والمعلِّقُ للطلاق والعتق؛ المشروطُ في كلامه صيرورةُ المرأة طالقًا والعبد حرًا، لا أنه ينشئ لهما طلاقًا وعتقًا، هذا مقتضى كلامه ومقصوده، وبين المعنيين بونٌ عظيم؛ فقد لاح الفرق بين هذا وبين نذر اللجاج.

  10. نعم؛ هو فيه شَبَهٌ من جهة أَنَّ كلًّا منهما مَنَعَ نفسه من الشرط المذكور أو حَثَّهَا (١) ، ولكنه بسببين (٢) مختلفين؛ في نذر اللجاج بسبب خوفه من لزوم ما التزمه على ذلك التقدير، وهنا بسبب خوفه من وقوع ما أوقعه على ذلك التقدير، وما حصل الحث والمنع إلا بهذا الاعتبار؛ فهذا فَرْقٌ جليٌّ واضح يُبين أَنَّ هذا ليس من نذر اللجاج في ورد ولا صَدَر.

  11. ومن هنا ــ والله أعلم ــ كان الإمام أبو الفتح محمد بن محمود الطوسي (٣) ــ أحد الأئمة من متأخري الشافعية ــ يفتي في قوله: الطلاق يَلزمني؛ بعدم الحنث، ويقول: التزام ما لا يلزم فلا يلزم، وذلك مستفيضٌ عنه (٤) .

  12. وممن أخبرني به: أبو العباس أحمد بن الرفعة (١) عنه [١٥٠/ أ] مرسلًا.

    vol. 2, p. 550
  13. وأخبرني به متصلًا أبو عمرو عثمان بن محمد بن أبي سعد (٢) أنه سمعه من ضياء الدين ابن [القصنطين] (٣) ــ أحد أصحابه ــ عنه، وأنه كان يقول: إِنَّ الطلاق وُضِعَ لِحَلِّ قَيْدِ النكاح ولم يوضع لليمين، وفي هذه الحكاية عنه إشعارٌ لا يوجب به شيئًا، وكذلك المنقول عنه؛ حتى قال لي ابن الرفعة: إنه كان الشخص يأتي إليه وهو على باب منازل العز يقصد الركوب، فيقول: قلت: الطلاق يلزمني ما أفعل كذا، أو فعلته؟ فيقول: وأنا أقول: الطلاق يلزمني ما أركب هذه البغلة ثم يركبها، كأنه يلمح (٤) أَنَّ المعلق ههنا التزام الطلاق وهو لا يلزم.

  14. على أَنَّ هذه الفتوى في هذا الزمان لا يمكن القول بها لشهرة هذا اللفظ في معنى التعليق، حتى إنه ما صار يُفهم منه إلا ذلك، وكأنَّ هذه القضية

    vol. 2, p. 551منقولة عرفًا إلى هذا المعنى، وإلا فليس لها دلالة من حيث اللغة على التعليق ولا على الحلف.

  15. وتوسعوا في ذلك حتى طردوه في قوله: الطلاق يلزمه لا فعلت؛ كذا حُكِيَ عن أبي سعيد أحمد بن محمد بن نمير الخوارزمي الضرير (١)

  16. ــ وأبو سعيد هذا كان معاصرًا للقاضي (٢) أبي الطيب، ومات قبل أبي الطيب، يقال: لم يكن في وقته بعد أبي الطيب أفقه منه (٣) ــ أنه قال في الجواب عن قولهم: أَنتِ طالق لا دخلت الدار: ليست (لا) بدلًا من حرف الشرط، وإنما وقع الطلاق بالدخول، لأنَّ قوله: أنت طالق يصلح أَنْ تقام مقام أُقْسِمُ أو أَحْلِفُ؛ الدليل عليه: أنه لو قال: أَنتِ طالقٌ إِنْ [حلفتُ، ثم قال: أنتِ طالقٌ إنْ] (٤) دخلتِ الدار طلقت (٥) ) (٦) .