الوجه الأول من الجواب: ليس من شرط كل نذر أن يلزمه فعل يفعله بعد النذر، بل قد لا يوجب المنذور عليه إلا مجرد الكف والإمساك

16 paragraphs · vol. 2, p. 552

  1. والجواب (١) : أَنَّ ما ذكره من الفرق الصوري بين النذر وبين تعليق العتق والطلاق، وهو أن النذر لا بُدَّ أَنْ يتضمن التزامَ فعلٍ يُنشئه، فيكون مضمون النذر: إيجابُ فِعلٍ يفعل لله ــ تعالى ــ وإن كان في عينٍ معينة، فإذا قال: لله عليَّ أَنْ أعتق هذا العبد، أو قال: هذه الشاة هدي أو أضحية، أو قال: إِنْ شَفى الله مريضي فثلث مالي صدقة ونحو ذلك = ففي جميع هذه المواضع: عليه أَنْ يفعل فعلًا؛ فيعتق العبد، ويذبح الأضحية والهدي، بل ويفرق لحم ذلك، ويقسم الصدقة بين [١٥٠/ ب] الفقراء.

    vol. 2, p. 552
  2. وهذا الفعل الواجب بالنذر هو متمكن من فعله وتركه، بخلاف العتق والطلاق المعلق، فإنه وقوع مجرد؛ فإذا عُلِّقَ وَقَعَ عند الصفة بغير فعل منه، والوقوع لا يوجب عليه فعلًا يفعله، وإنما يوجب عليه ترك ما كان مباحًا له قبل العتق والطلاق من الاستمتاع والحبس وما يتبع الملك؛ فإذا زال ملكه حرم عليه ما يحرم على غير المالك من غير أن يجب عليه فعلٌ في الذمة ينشئه.

  3. فيقال له: أولًا: الجواب من وجوه: منع لزوم ما ذكره من النذر، ومنع انتفائه مطلقًا في العتق والطلاق، ثم بيانُ عدم تأثيره، ثم بيان أن هذا يوجب عدم الطلاق والعتق المحلوف به بطريق الأولى.

  4. الوجه الأول: أَنْ يقال: ليس مِنْ شَرْطِ كُلِّ نذر أن يلزمه فعل يفعله بعد النذر، بل قد لا يوجب المنذور عليه إلا مجرد الكف والإمساك، فلو قال: إِنْ شفى الله مريضي فداري وقف على الفقراء والمساكين= صارت وقفًا بوجود

    vol. 2, p. 553الشرط، ولا يتوقف ذلك على فعل، وكذلك في قوله: فبعيري هدي وأضحية لله، أو قال: إِنْ شَفَى الله مريضي ففرسي حبسٌ في سبيل الله ونحو ذلك؛ يلزم ذلك بوجود الشرط، وليس له رَفْعُهُ بعد وجود الشرط، وإنما عليه فعل آخر يفعله بعد ذلك، وهذا زيادةٌ في الوجوب بخلاف قوله: لله عليَّ أنْ أُعتق؛ فإنه لا يَصير حُرًّا حتى يعتقه.

  5. وأيضًا؛ فلو قال: إِنْ شفى الله مريضي فداري وقفٌ على الفقراء والمساكين ونَظَرُهَا لفلان، أو قال: فمالي صدقة وولايةُ قَسْمِهِ لفلان، أو قال: فبعيري هدي أو أضحية وأمره إلى فلان؛ فهنا إذا وجد الشرط يلزم النذر، ولم يبق عليه فعل يفعله، بل إنما عليه الكَفُّ عن التصرف في ذلك المال حتى يتسلمه مَنْ له النظر فيصرفه في مصارفه الشرعية.

  6. فعلم أنه ليس من شرط النذر أن يكون المنذور التزام عمل في الذمة، بل قد يكون حقًّا متعلقًا بعينٍ من الأعيان لا يمكنه رفعه بعد وقوعه؛ بل إما أَنْ يوجب عليه فعلًا في العين، أو لا يوجب عليه إلا كما يوجبه [١٥١/ أ] العتق من امتناعه من تصرف المالك.

  7. وكذلك لو قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ أَنْ أبرئ الناس من الديون التي لي عليهم؛ فالإبراء إسقاطٌ محضٌ كالعتق.

  8. ولو قال: إِنْ شَفَى الله مريضي فزيد وعمرو برآء مما لي عليهما من الدين= كان هذا بمنزلة قوله: فعبدي فلان حرٌّ؛ أي: قد برئ مما لي عليه من الملك.

  9. وكذلك لو قال: إِنْ شَفَى الله مريضي فقد عفوت عن القَوَد الذي أستحقه على فلان؛ فهذا المنذور إسقاط حق مال أو قود لا يثبت في الذمة، ولا

    vol. 2, p. 554يحتاج إلى إنشاء تصرف يتصرف فيه.

  10. فإذا قال على وجه اللجاج والغضب: إِنْ سافرتُ معكم فقد برئ الناس من جميع أموالي، أو فكلُّ مالٍ لي على الناس صدقة عليهم؛ فهو بمنزلة: كُلُّ عبد لي حر، ومع هذا ليس هذا بعتق ولا طلاق، بل فيه كفارة يمين.

  11. فعلم أَنَّ التكفير في نذر اللجاج والغضب ليس موقوفًا على أن يكون المنذور التزام فعل يفعله، بل هذه الصور إيقاعٌ للإسقاطِ والإبراء، أو إيقاعٌ للوقف والهدي والأضحية؛ كما أَنَّ العتق إيقاع أيضًا، ليس ذلك التزام شيءٍ في الذمة.

  12. ثم منها ما لا يوجب عليه إلا الكف والإمساك كالعتق والطلاق، ومنها ما يوجب عليه أفعالًا أخر مع وقوع ما عَلَّقَهُ؛ فيكون هذا أبلغ من العتق.

  13. فإذا قال: فبعيري هدي وهذه الشاة أضحية، بل إذا قال: فثلث مالي صدقة = كان قد أوقع حكمًا في غيره، وأوجب فعلًا آخر، وهذا أبلغ من مجرد إيقاع حكم في معين.

  14. فإذا كان قصد اليمين يمنع ثبوت الإيقاع وما أوجبه من الفعل، فمنع ثبوت الإيقاع وما اقتضاه من الترك= أولى وأحرى.

  15. ولو قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ صوم شهر أو صوم يوم الاثنين والخميس= كان الواجب عليه إمساكًا في وقت بعينه، لم يجب عليه أفعال يفعلها.

  16. وإذا قال: فعبدي حر؛ وجب عليه اعتقاد زوال الملك والامتناع من استعباده وتخلية سبيله.