الجواب الرابع: لا يجوز أن يجمع بين فرع وأصل ولا يفرق بينهما في الأحكام الشرعية إلا بالصفات المؤثرة في الشرع التي علق بها الشارع الأحكام

13 paragraphs · vol. 2, p. 559

  1. الجواب الرابع: أَنَّ قولَ المفرِّقِ بينهما: إنه إذا قال: (إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أُعتق عبدي [١٥٣/ أ] فلانًا؛ كان هذا من نذر اللجاج والغضب، لأنَّ المشروط التزام إنشاء عتقه لا وقوع عتقه، والملتزم للإنشاء قد يفي بما وجب عليه وقد لا يفي، وأما المعلِّقُ للوقوع فغير متمكن من الرجوع عن مقتضاه، والمعلِّق للطلاق والعتاق المشروط في كلامه (١) صيرورة المرأةِ طالقًا والعبد حرًّا؛ لا أنه ينشئ لهما طلاقًا وعتقًا، هذا مقتضى كلامه ومقصوده، وبينَ المعنيين بَونٌ عظيم؛ فقد لاحَ الفرق بين هذا وبين نذر اللجاج والغضب).

    vol. 2, p. 559
  2. يقال له: الفَرْقُ كالجمع؛ فلا يجوز أَنْ يُجْمَع بين فرعٍ وأصلٍ ولا يفرق بينهما في الأحكام الشرعية إلا بالصفات المؤثِّرة في الشرع التي عَلَّقَ بها الشارع الأحكام لا بغير ذلك من الصفات، وإِنْ كانت من أظهر الأمور (٢) ، وَمَنْ جَمَعَ بينَ ما فَرَّقَ الله بينه كان بمنزلة الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا، وقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله= فقاسوا الميتة على المُذَكَّى، والربا على البيع.

  3. ومَنْ فَرَّقَ بين ما جمع الله بينه كان بمنزلة من يقول: الميراث للابن الكبير الذي يَرُدُّ الغَارةَ دون النساء والصبيان، فَيُفَرِّق في الميراث بين ما جمع الله بينه، فإنَّ الله ــ تعالى ــ سَوَّى في الميراث بين الصغير والكبير، والغني والفقير، وإِنْ كان قد فَرَّقَ بينهما في أحكام أخرى.

    vol. 2, p. 560
  4. ومن الأول (١) أَنْ يقول: إِنَّ البُضْعَ كالمال، فإذا مات الإنسان ورث وليه امرأته كما يرث ماله، أو يقول: الظهار كالطلاق، لأنه لفظٌ قُصِدَ به الطلاق، فيكون كنايةً فيه كسائر الكنايات؛ ونحو ذلك من الأقيسة التي تتضمن الجمع بين ما فَرَّقَ الله ــ تعالى ــ بينه.

  5. ومن الثاني أَنْ يقول: إذا كان الحانث في يمينه غنيًّا فينبغي أَنْ يؤمر بكفارة الظهار، فإنَّ فيه تغليظًا (٢) عليه بخلاف الفقير، فيريد أَنْ يفرق بين ما جمع الله ــ تعالى ــ بينه، وكذلك إذا قال: يجوز للإنسان أَنْ يعتق عبد غيره ويؤدي ثمنه، لأنَّ هذا قربة إلى الله ــ تعالى ــ بخلافِ الطلاق، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد سَوَّى بينهما حيث قال: [١٥٣/ ب] «لا عِتْقَ لابن آدم إلا فيما يملك، ولا طلاق لابن آدم إلا فيما يملك» (٣) ، ونظائر هذا كثيرة (٤) .

  6. فإنَّ كثيرًا من الصفات التي يَظُنُّ كثير من الناس أَنَّ لها ما يؤثر (٥) في الجمع والفرق، وهي ملغاة عند الله ــ تعالى ــ ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما ذكره هذا

    vol. 2, p. 561المُفَرِّق وأمثاله من هذا الباب.

  7. فيقال له: المعلَّق في النذر إذا كان هو وجوب فعل يلتزمه في ذمته، والمعلَّق في الطلاق والعتاق هو وقوع حكم في محل معين لا يحتاج إلى إنشاء طلاق وعتاق= عديم التأثير، فإنه إذا عَلَّق فعل ما يقصد به النذر، كقوله: إِنْ شفى الله مريضي أو سَلَّم مالي الغائب فعليَّ أَنْ أحج حجة أو أتصدق بألف درهم أو أصوم شهرًا أو عليَّ أن أعتق عبدي فلانًا = فالمعلَّقُ هنا: وجوب فعل في ذمته قد التزمه عند الشرط، وقد يَفي بما وجب عليه وقد لا يفي، وليس المشروط عتقًا بل إنشاءُ عتق، ومع هذا فلما كان تعليقًا لازمًا ثبت الوجوب في ذمته، ولم يكن مخيَّرًا بين الفعل والترك بالنص والإجماع.

    قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: ٧٥ - ٧٧] وهذا نذرٌ في الذمة لا شيء معين.

    وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يطيع الله فليطعه» (١) ، وقال في ذم القَرْنِ الرابع: «ويَنذرون ولا يُوفون» (٢) ، وقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّثَ كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» (٣) ، والناذر قد وعد الله ــ تعالى ــ وعدًا يجب عليه الوفاء به، كما قال تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ

    vol. 2, p. 562يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: ٧٧] .

  8. وبالجملة؛ هذا النذر لازمٌ بالإجماع، وقد ذكر بعضهم أنه يجزئ فيه الكفارة، وذكر بعضهم هذا عن أحمد، وهذا غلط على أحمد، وما عُلِمَ بهذا القول قائلٌ معين، وبكل حال؛ فهو يوجب إما المنذور وإما الكفارة.

  9. ولكن ذُكِرَ هذا عن بعض أهل الحديث محتجين بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة النذر كفارة يمين» (١) ، وليس لهذا القول أصل معروف عن أحمد، والوفاء بنذر الطاعة واجب بالكتاب والسنة والإجماع.

  10. وبالجملة؛ فهذا مُسَلَّمٌ بين طوائف الأمة، وإذا كان كذلك مع أن الناذر التزم في ذمته فعل أشياء وقد وجبت عليه لما كان قادرًا = عُلِمَ أَنَّ كون المنذور التزامُ فعلٍ في الذمة ليس هو وصفًا مانعًا من لزوم الجزاء وثبوتِ الوجوب في الذمة إذا حصل التعليق الموجب لذلك، فلما سقط هذا في نذر اللجاج والغضب عُلِمَ أَنَّ المُسْقِطَ ليس هو هذا الوصف المشترك بين نذر التبرر ونذر اللجاج والغضب، بل وصف مختص بنذر اللجاج والغضب إذ لو كان المُسْقِطُ مشتركًا لم يجب شيء من المنذورات، وهو خلاف ما اتفقوا عليه، وخلاف ما سَلَّمه كل منازع، وخلاف النص.

  11. ويتبين بذلك أَنَّ هذا المُفَرِّق فَرَّقَ بوصفٍ مُهْدَرٍ مُلغًى في الشرع، وجعل هذا الوصف مانعًا من الوجوب وليس بمانع منه، بل الوجوب ثابت معه إذا حصل النذر الموجب، وأَنَّ الوجوب إنما لم يحصل في نذر اليمين لانتفاء (٢) النذر الموجب، لا لكون المنذور فيه التزام فعلٍ في الذمة.

  12. فالفرق الشرعي هو: فَرْقٌ يعود إلى نفس عقد التعليق، وقصدِ المعلِّق الناذر والحالف، لا فَرْقٌ يعود إلى نفس المعلَّق؛ هل هو التزام فعل في الذمة أو إيقاع حكم في عين؟ ومعلومٌ أَنَّ الفرق العائد إلى عقد النذر وقصد المعلِّق الناذر الحالف المطلق المعتق، غيرُ الفرق العائد إلى الأمر المعلَّق هل هو إلزام أم إيقاع؟ والشارع إنما اعتبر الفرق العائد إلى العقد والعاقد، لا الفرق العائد إلى المعقود عليه؛ فليتدبر اللبيب هذا، يتبين له غلط من أَلغى الصفات الشرعية التي ناط الشارع بها (١) الأحكام، واعتبرَ صفاتٍ بدعيةً ما أنزل الله بها من سلطان، ويتبين له أن العقد الموجب للأمر المعلَّق موجَبه، وإِنْ كان المعلَّق وجوب فعل في الذمة، وأنه إِنْ [١٥٤/ ب] كان غير موجَب لم يوجِبه، وإن كان المعلَّق وقوع حكم في عين.

    vol. 2, p. 563
  13. ويقال لهذا المُفَرِّقِ بالفروقِ الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، المعرضِ عن الفروق الشرعية الدينية التي أنزل الله بها سلطانه ــ وهو كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - [ ... ] (٢) ــ: الوقوعُ المعلَّق هنا كالوجوب المعلَّق هناك، وأنت تجعل الوجوب لازمًا في نذر التبرر، ولا تجعله لازمًا في نذر اليمين، وكلاهما قد اقتضى تعليقُهُ التزامَ فعلٍ في الذمة، فلو كان كونه التزام فعل في الذمة هو المانع من وجوبه = لم يجب بالنذر شيءٌ في الذمة، وليس الأمر كذلك؛ بل يجب في الذمة ما أوجبه النذر، وإنما لم يجب في نذر اليمين لأنه لم يقصد النذر، بل قصد اليمين، وهو كارهٌ للزوم الجزاء وإِنْ وُجِدَ الشرط، وهذا المعنى بعينه موجود في تعليق الطلاق والعتاق، فإنْ كان