فصل في الجواب عما ذكره المعترض عن أبي الفتح الطوسي
13 paragraphs · vol. 2, p. 578
- vol. 2, p. 578
الأعيان بطريق الأولى والأحرى، فإن كل ما منع اللزوم في الذمة منع اللزوم في الأعيان ولا ينعكس؛ فمن جعل قصد اليمين يمنع اللزوم في الذمة ولا يمنع اللزوم في الأعيان فقد عكس الشريعة، فإن جاز أن تُنقل أقوال الصحابة والتابعين بالتخريج والقياس والاستنباط، فَنَقْلُهُ لما يوافق أصول الشرع ويدل عليه كلامهم أولى من نقله على وَجْهٍ لا يدل عليه كلامهم ويلزمهم مع ذلك مخالفتهم لأصول الشرع.
-
فصلٌ
وأما ما ذكره المعترض عن أبي الفتح الطوسي أنه كان يفتي في قوله: الطلاق يلزمني بعدم الحنث، ويقول: إلزام ما لا يلزم فلا يلزم، وأن ذلك مستفيضٌ عنه (١) ؛ فهذا القول منقول صريحًا عن أبي حنيفة نفسه.
قال أبو الحسين القدوري في شرح مختصر الكرخي: قال محمد في الأصل (٢) : إذا قال رجل: عليَّ المشي إلى بيت الله وكل مملوك لي حر وكل امرأة لي طالق إذا دخلت الدار. فقال رجلٌ: عليَّ مثلما جعلتَ على نفسك إِنْ دخلتُ الدار، ثم دخل الثاني الدار، فإنه [يلزمه المشي] (٣) ، ولا يلزمه العتاق والطلاق.
ثم قال: ألا ترى أنه لو قال: عليَّ طلاق امرأتي، فإن الطلاق لا يقع عليه.
vol. 2, p. 579قال: وهذا يُستدل به على أَنَّ مَنْ قالَ: الطلاقُ عليَّ واجب أَوْ لِيْ لازم لا يقع طلاقه.
-
وكان أصحابنا بالعراق يقولون فيمن قال: الطلاق لي لازم: إنه يقع طلاقه لِعُرْفِ الناس أنهم يريدون به الطلاق، وكان محمد بن مسلمة (١) يقول: إِنَّ الطلاق يقع [١٦٠/ أ] بكل حال.
-
وحكى الهندواني: عن علي ابن (٢) أحمد، عن (٣) [نصر] (٤) بن يحيى، عن محمد بن مقاتل أنه قال: المسألة على الخلاف. قال أبو حنيفة ــ رحمه الله تعالى ــ إذا قال: الطلاق لي لازم أو عليَّ واجب لم يقع. وقال محمد: يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب. وحَكَى [ابن] (٥) سماعة عن أبي يوسف في نوادره في رجل قال: أَلزمتُ نفسي طلاق امرأتي، أو ألزمت نفسي عتق عبدي هذا؛ إِنْ أرادَ الطلاق والعتاق فهو واقع، وإلا لم يلزمه.
-
وكذلك لو قال: ألزمت نفسي طلاق امرأتي هذه إنْ دخلتُ الدار، أو عتق عبدي هذا فدخل الدار وقع الطلاق والعتاق إِنْ نوى ذلك، وإذا لم ينو فليس بشيء (٦) .
-
وهذا القول المنقول عن أبي حنيفة هو قول طائفة من أصحاب الشافعي
vol. 2, p. 580الخراسانيين كالقفال وصاحب التتمة (١) ،
ويفتي به طائفة من أصحاب الشافعي في زماننا من أهل خراسان والجزيرة وبعض أهل تَبريز (٢) وغيرهم (٣) .
-
وحجة هذا القول: أَنَّ قولَ القائلِ: الطلاقُ يلزمني، أو العتق يلزمني، أو أيمان المسلمين تلزمني، أو أيمان البيعة تلزمني = صيغةُ نذر لا صيغة إيقاع، وهذا اختيار بعض المالكية مثل أبي [عمر] (٤) بن القطان، ذكر ذلك في الحلف بأيمان المسلمين.
-
وقد تنازع الناس في هذه الصيغ: هل هي صريح في الإيقاع، أو كناية فيه، أو ليست صريحًا فيه ولا كناية؟ على ثلاثة أقوال، وهي ثلاث أقوال في
vol. 2, p. 581مذهب أبي حنيفة والشافعي، وأما أصحاب مالك وأحمد فعندهم أنها صريحة في الإيقاع إلا ما ذكرته عن ابن القطان، وهذا ظاهر مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي، ولكن يحتمل النذر فإن نوى بها ذلك جاز.
-
ومنشأ النزاع: أَنَّ لفظ الطلاق يراد به الإيقاع ويراد به الوقوع، يقال: طلقها تطليقًا وطلاقًا، فطلقت المرأة طلاقًا، فلفظ الطلاق يراد به ما يراد بالتطليق، ويراد به ما يراد بالمصدر طلقت طلاقًا؛ وهذا كما يقال: أنبتَ الله الزرعَ إنباتًا ونباتًا، ويقال: نَبَتَ نباتًا.
-
فإذا قال: الطلاقُ والعتقُ يلزمني؛ فقد يراد به: يلزمني أَنْ أُطَلِّق أو أُعْتِق [١٦٠/ ب] ، وكذلك إذا قال: أيمان المسلمين أو البيعة تلزمني؛ فقد يراد به: يلزمني أَنْ أحلف بأيمان المسلمين والبيعة، فيكون معنى كلامه: عليَّ أَنْ أُطَلِّق، وعليَّ أن أعتق، وعليَّ أن أحلف بأيمان المسلمين والبيعة.
-
ولو قال: عليَّ أن أطلق كان نذرًا، والنذر لا يجب الوفاء به إن لم يكن طاعة، فإذا لم يكن مأمورًا بالطلاق لم يثبت في ذمته، ولم يجب عليه أن يطلق باتفاق العلماء.
-
ولكن تنازعوا في لزوم الكفارة؛ والمنصوص عن أحمد أَنَّ عليه الكفارة إذا نذر الطلاق، وكذلك قال أصحاب أبي حنيفة [و] (١) الخراسانيون من أصحاب الشافعي إذا قصد بذلك اليمين يكون مراده: والله لأطلقنك.
-
وقد يراد به: وقوعُ الطلاقِ يلزمني، أو وقوع العتق يلزمني، والحلف بأيمان البيعة وأيمان المسلمين تَلزمني؛ قال هذا على سبيل قصد الأيمان=