الجواب عن قول المعترض: (ليس من نذر اللجاج والغضب في ورد ولا صدر)

29 paragraphs · vol. 2, p. 569

  1. وأيضًا؛ فقد ثبت عن غير واحد من الصحابة - رضي الله عنهم - التسويةَ بين تعليقِ النذر وتعليقِ العتق إذا قصد به اليمين، بل لم يُنقل عن الصحابة - رضي الله عنهم - إلا التسوية بين تعليق العتق وتعليق النذر إذا قصد به اليمين، لم يُنقل عن أحدٍ منهم لا بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف أنه فَرَّقَ بين نذر العتق والطلاق وبين تعليق النذر إذا قصد بهما اليمين.

    vol. 2, p. 569
  2. فإذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - لم يُنقل عنهم إلا التسوية بينهما سواء قالوا هما يمين يُكفرها أو قالوا بلزوم ما التزمه = كان المُفَرِّقُ بينهما مخالفًا لإجماع الصحابة الذي لم يعلم فيه نزاع بينهم، وكان مُفرِّقًا بين ما سوّى الصحابة بينهما، وكان ــ أيضًا ــ ملغيًا للمعنى الذي اعتبره الله ــ عز وجل ــ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو معنى اليمين، ومعلِّقًا للحكم بوصف ملغًى عند الله ــ تعالى ــ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو كونه التزامُ فعلٍ مع أَنَّ هذا الملتزم يلزمه ما التزمه إذا كان ناذرًا؛ فالوصف منتقضٌ عديم التأثير، والفرق بمثل هذا في غاية الفساد.

  3. فإنَّ الوصفَ يَبطلُ بالنقض ويَبطلُ بعدم التأثير؛ فكيف إذا اجتمعا جميعًا؟! فإنه لا يكون مطردًا ولا منعكسًا، بل يثبت والحكم منتفٍ، وينتفي الحكم وهو ثابت، فقد يكون الالتزام موجودًا والحكم ــ الذي هو الكفارة ــ منتفٍ، ويثبت الحكم ــ الذي هو الكفارة ــ والالتزام في الذمة منتفٍ.

  4. وقوله: (ليس من نذر اللجاج والغضب [١٥٧/ أ] في وِرْدٍ ولا صَدَر) ؛ فكلامٌ يستلزم إسرافًا (١) إما من (٢) قلة العلم والفقه، وإما من قلة العدل والإنصاف.

  5. فإنَّ جماهير علماء المسلمين من السلف والخلف يُسَوون بين تعليق الطلاق والعتاق وبين تعليق النذر؛ إما في لزوم المعلَّق، وإما في القول بالتكفير، وإما في نفي هذا وهذا.

    vol. 2, p. 570
  6. والمنقول عن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ في هذا الباب بالإسناد الصحيح والضعيف ليس في شيء منه التفريق، بل إنما فيه التسوية بينهما؛ إما في الكفارة ــ وهي النقل الثابت بلا ريب عنهم ــ، وإما في الإلزام بالجميع، وأَمَّا الفرق (١) بينهما فلم ينقله أَحَدٌ علمناه عنهم بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف.

  7. وأيضًا؛ فلا يستريب عاقل أَنَّ بَيْنَ التعليقين إذا قُصِدَ بهما اليمين قَدْرًا مشتركًا، وهو قصد اليمين، فإنَّ هذا معلوم بالضرورة، ولا يستريب عاقل أَنَّ كونَ المعلِّق قصد بتعليقه اليمين وصفٌ مؤثر عند جمهور علماء المسلمين من السلف والجمهور، وهو الثابت عن الصحابة وعامة التابعين = مِنْ جنس التعليق الذي يقصد به اليمين، ثم جمهورهم يقولون: هي يمين مكفرة، ومنهم مَنْ قال: هي يمين غير محترمة، وليست من أيمان المسلمين، فلا كفارة فيها.

  8. وأما القول بأنَّ القاصد قصد يمينًا لازمًا (٢) بقوله بل (٣) يلزمه ما علَّقه= فليس هو قولًا مشهورًا عن الصحابة والتابعين، وإنما اِشْتَهَرَ بعد ذلك، ثم القائلون به يسوون بين تعليق النذر وتعليق الطلاق في لزوم الجميع، والذين

    vol. 2, p. 571فَرَّقُوا بين التعليقين من المتأخرين كالشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد ومَنْ قد يُنقل عنه ذلك من السلف، كرواية منقولة عن الحسن البصري (١) بأنهما يشتركان في وصف بظن (٢) المجتهد= فهؤلاء يعترفون أنه مؤثر، ولهذا يذكرون ما يذكرونه من الفرق؛ لا يقول عالمٌ منصفٌ: إِنَّ هذا ليس من وِرْدٍ ولا صَدَر.

  9. ومعلومٌ أَنَّ التصريح بالفرق بين تعليق الطلاق والعتاق كما أنه ليس منقولًا بإسناد عن الصحابة فليس هو مما كثر نقله عن التابعين، بل لست أعلم نقلًا مصرحًا إلا في رواية الحسن البصري روي عنه بخلافها، وخلافُهَا أثبت عنه؛ روي ذلك من وجهين، لكن قد [١٥٧/ ب] يقال ذلك بطريق التخريج، كما يقال نقيضه بطريق التخريج، فإنه قد تنقل (٣) عنهم أجوبة قليلة في مسائل من تعليق الطلاق الذي يحلف به أنه يلزمه الطلاق؛ وحينئذٍ فيكون قولهم في العتق كذلك لعدم الفرق.

  10. ومِنْ هؤلاء مَنْ نُقِلَ عنه في تعليق النذر أنه تجزئ فيه الكفارة (٤) ؛ كما نُقِلَ هذا وهذا عن عطاء وبعض التابعين.

  11. وحينئذٍ؛ فهذا التخريج يقابَل بمثله من وجهين:
  12. أحدهما: أَنْ يقال: بل يخرج عنهم في تعليق النذر ــ أيضًا ــ أنه يَلزم، كما قالوا في تعليق الطلاق الذي يقصد به اليمين، أو أَنْ يقال: بل مِنْ هؤلاء

    vol. 2, p. 572مَنْ قال في تعليق العتق إن فيه كفارة وإنه لا يلزم الحالف به؛ وحينئذٍ فالطلاق لا يلزم الحالف به بطريق الأولى.

  13. ومِنْ هؤلاء مَنْ عُرِفَ قولُهُ في تعليق النذر ولم يُعرف قوله في تعليق الطلاق والعتاق، ولكنهم علقوا الحكم بكونها يمينًا، وهذا معنًى موجود في كل تعليق يقصد به اليمين، فيكون قولهم في تعليق الطلاق والعتاق إذا قصد به اليمين أنه يكفر.

  14. ففي الجملة؛ [فمنهم] (١) مَنْ لم يُعرف مِنْ قولِهِ أنه يفرق بين تعليق الطلاق الذي يقصد به اليمين وبين تعليق النذر، لكن كثيرٌ منهم عُرِفَ قوله في تعليق النذر الذي يقصد به اليمين أنه لا يلزمه ولم يُعرف قوله في تعليق الطلاق والعتاق، ومنهم مَنْ عُرِفَ قولُهُ أَنَّ تعليق العتاق عنده كتعليق النذر ولم يُعرف قوله في تعليق الطلاق، ومنهم مَنْ نُقل عنه في بعض مسائل تعليق الطلاق أنه يلزم ولم يُعرف قوله في تعليق العتق والنذر أو في أحدهما، ومنهم مَن اختلفتِ الروايةُ عنه في بعض ذلك.

  15. فإنْ لم يجز نقل قول أحد بالتخريج والاستنباط والقياس= لم يجز أن ينقل عن أحد منهم الفرق بين تعليق الطلاق والعتاق، وفي تعليق النذر نقلٌ شاذٌ كروايةٍ عن الحسن نُقِلَ عنه من وجهين، أَثبتُ منها ما يخالفها.

  16. وإِنْ جاز نقل أقوالهم بالتخريج والاستنباط والقياس؛ فمعلومٌ أَنَّ القولَ الذي عُرِفَ أَنَّ الجمهورَ يقولونه من التسوية بين تعليق الطلاق [١٥٨/ أ] والعتاق وبين النذر؛ إما في لزوم المعلق وإما في لزوم التكفير وإما في

    vol. 2, p. 573عدمهما = أولى أن ينقل عنهم من الفرق؛ فإن الجميع من التعليقات التي يقصد بها اليمين إما في اللزوم وإما في الإلغاء وإما في التكفير = أظهر من الفرق بين تعليق وتعليق، فإنَّ هذا لم يُؤْثَر عن الصحابة، ولا عُرِفَ أنه قولُ واحدٍ من التابعين لم يُختلف عنه فيه، وهو ضعيف جدًّا متناقض، حيث جَعَلَ قصد اليمين تارة يجعل التعليق يمينًا وتارة لا يجعله يمينًا، بل وجعل قصد اليمين مانعًا من اللزوم في الذمة ولم يجعله مانعًا من اللزوم في الأعيان، واللزوم في الذمة أقوى من اللزوم في الأعيان، فإنَّ التصرف في الذمة أوسعُ وألزم من التصرف في الأعيان، وشروط لزومه أيسر بخلاف التصرف في الأعيان فإنها أضيق وشروط لزومها أكثر (١) .

  17. ولهذا؛ قد ينفذ تصرف المحجور عليه لحق الغير كالمفلس والعبد في الذمة لعدم الضرر في ذلك على السيد والغرماء، ولا ينفذ في العين لتعلق حق الغير بها، والصبي والمجنون تثبت الحقوق في ذممهما ولا تثبت في أبدانهما؛ ولهذا يجب في ذممهما ديون الآدميين كثمن المبيع وبدل القرض بتصرف الولي، ويثبت في ذممهما كثير من حقوق الله ــ تعالى ــ كالخراج والعُشْرِ وصدقة الفطر والزكاة عند أكثر العلماء، ولا يجب على أبدانهما حَدٌّ ولا حَجٌّ ولا صلاة ولا صيام.

  18. ويثبت في الذمة ما يتعلق بحق الغير، فلو قال: إِنْ شفى الله مريضي فلله عليَّ أَنْ أشتري عبد فلان لأعتقه= لزم ذلك، وكان عليه فعل ذلك إن استطاعه. ولو قال: فعبد فلانٍ حر= لم يلزم أن يصير حرًّا باتفاقهم، بل غاية

    vol. 2, p. 574ما يقال: إنه يلزمه أَنْ يشتريه ويعتقه أو إنه يكفر كفارة يمين، لم يقل أحد: إنه يصير حرًّا لأن التصرف في الأعيان له شروط متعددة يقف عليها، بخلاف التصرف في الذمة فإنه أسرع لزومًا.

  19. ولهذا؛ لما كان إيجاب الشارع إنما هو على أعيان العباد لم يوجب ما لا يطيقونه، ولما كان النذر يوجبه العبد في ذمته فقد يوجب ما لا يطيقه، ولهذا جَعَلَ الشارعُ النذرَ كالدين الذي في [١٥٨/ ب] الذمة، يفعل عن الميت بغير إذنه، بخلاف ما يوجبه الرب بالصلاة المفروضة، لا يصليها أحد عن أحد حيًّا ولا ميتًا بلا نزاع نَعرفه (١) .

  20. وكذلك الصوم المفروض عند جماهير العلماء إنما بدله عند العجز أن يطعم عن كل يوم مسكينًا، كما كان كذلك في الكفارة جعل الله الإطعام بدلًا عن الصيام في حقِّ المكفِّر بقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: ٤] ، وكما خَيَّرَ الله ــ عز وجل ــ في أول الإسلام بين الصيام وبين إطعام مسكين، ثم قال: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: ١٨٤] ، فجعل صيام يوم خير من إطعام مسكين، ولهذا كان جمهور السلف والخلف على أَنَّ العاجز عن صيام رمضان يطعم عن كل يوم مسكينًا، ولا يأمر أحدًا يقضي عنه الصوم باتفاق

    vol. 2, p. 575العلماء (١) .

  21. وأما الصوم المنذور فيفعل عن الميت (٢) ، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه (٣) ، وهو مذهب ابن عباس وغيره من السلف، وقول فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما.

  22. وابن عباس - رضي الله عنهما - نفسه الذي روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يصوم عن الميت وليُّهُ [روي عنه أنه] (٤) يفرق بين صيام النذر وصيام الفرض، واتبعه أحمد وإسحاق وغيرهما، وصومُ الفرض لم يدخل في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٥) ؛

  23. فإنَّ الله ــ سبحانه ــ لم يوجب الصيام على مَنْ يَعجز عنه، والميت عاجز بخلاف [الميت الناذر] (٦) فإنه أوجبه في ذمة نفسه، وذلك يتناول ما يقدر عليه وما يعجز عنه.

  24. ولهذا كان مذهب فقهاء الحديث أن جميع العبادات المنذورة تفعل عن الميت حتى الاعتكاف والصلاة كما نقل عن الصحابة، وهو أصح

    vol. 2, p. 576الروايتين عن أحمد، لأن النذر المطلق في الذمة، والله ــ تعالى ــ أحق بقبول قضاء (١) الدين الذي في ذمة الميت من العباد؛ كما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن ذلك، فجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إِنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر؛ أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيتِ لو كان على أمك دين [١٥٩/ أ] فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟» قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمك» ، وفي لفظ: «فدين الله أحق أَنْ يقضى» ، وفي رواية: «أحق بالقضاء» رواه ابن عباس في الصحيحين (٢) ، وفي لفظ: جاء رجل (٣) ، وبهذا اللفظ وصل البخاري سنده.

  25. فالله ــ سبحانه وتعالى ــ أرحم، ودينه أوجب، ولم يأت في مباني الإسلام ما يُفعل عن الغير إلا الحج، فإنه أَذِنَ للولد أن يحج عن أبيه الشيخِ الكبيرِ، لأنَّ العاجز لا يَقدر أَنْ يحج بنفسه ولا ماله بدون بدن غيره فدخلته النيابة للحاجة، بخلاف الصلاة المفروضة فإنه يقدر أَنْ يصلي بنفسه، والصوم المفروض يمكنه أن يطعم عن نفسه (٤) .

  26. فالشارع أوجب مباني الإسلام على بدنه، فإنْ عجز ففي ماله، فإن عجز عنهما قام غيره مقامه؛ ولهذا قام ولي الصبي والمجنون عنهما مقامهما في الزكاة عند الجمهور، وأما العاقل البالغ فلا بُدَّ أَنْ يؤديها إما بنفسه وإما بنائبه، فيقصد إخراجها؛ فإنْ أَخَذَهَا الإمامُ كُرْهًا سقطت عنه في الظاهر كسقوط الديون التي توفى عنه، ولكن لا يثاب على ذلك إذا لم يقصد

    vol. 2, p. 577إخراجها؛ فدخلت النيابة فيما هو حق للعباد دون ما هو حق لله ــ تعالى ــ، فالشارع عليم حكيم رحيم يوجب العبادات بحسب طاقة العباد، وأما الناذر فهو الموجِب على نفسه، وقد نُهِيَ عن النذر، لكن قد يوجب على نفسه ما يعجز عنه؛ فمن رحمة الشارع به أنه جَوَّزَ له أن يأتي ببدل النذر إذا عجز عن المنذور، وإقامة غيره مقامه إذا فات (١) ، وحيث عجز عن الأصل والبدل جُوِّزَ له أن يكفر كفارة يمين.

  27. ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد أَنَّ ما حَلَفَ عليه الإنسان وعَجَزَ عنه يكفر كفارة يمين، كما يكفر ما عجز عنه من المنذور بكفارة يمين، فإنَّ اليمين سبب للإيجاب، فلا بُدَّ من فعل المحلوف عليه أو الكفارة، كما في النذر، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة النذر كفارة يمين» (٢) .

  28. ولهذا كان مذهب أحمد أن إيجاب العبد على نفسه لا يخلو عن فعل الواجب أو بدله أو كفارة يمين، وكذلك تحريمه على [١٥٩/ ب] نفسه فيه الكفارة، بخلاف إيجاب الشارع، فإنه لا يوجب إلا ما يقدر العبد عليه، فما عجز عنه سقط بغير كفارة، كما يسقط عنه واجبات الصلاة التي يعجز عنها، وكذلك ما له بدل إذا عجز عن الأصل؛ وهذه المسائل لبسطها موضع آخر.

  29. والمقصود: أَنَّ الوجوب في الذمة أوسع وأيسر في الشرع، وشروطه أقل، وموانعه أقل، والوقوع أكثر شروطًا وأكثر موانع، ومع هذا فالتعليق الذي يُقصد به اليمين يَمنع الوجوب في الذمة، فإذا كان مانعًا من ثبوت الوجوب واللزوم في الذمة= فَلَأَنْ يكون مانعًا من ثبوت الوقوع واللزوم في