قول المعترض: (ليس لها دلالة من حيث اللغة على التعليق ولا على الحلف) خطأ، وبيان وجه ذلك
14 paragraphs · vol. 2, p. 587
- vol. 2, p. 587
اسم للمصدر، كالكلام مع المتكلم، والنبات مع الإنبات، والحركة مع التحريك ونحو ذلك (١) ؛ فالمصدر يدل على الحدث مع إضافة إلى فاعل (٢) ، واسم المصدر يدل على الحدث فقط (٣) ؛ فالكلام يدل على القدر المشترك بين التكليم والتكلم، والحركة تدل على القدر المشترك بين التحريك والتحرك، والطلاق يدل على القدر المشترك بين طَلَّقَ الرجل امرأته وبين طلقت هي، ثم قد تدل على أحدهما مع قرينة مخصصة كما يقال: طلق طلاقًا، فيكون بمعنى التطليق، ويقال: طلقت المرأة طلاقًا، فيكون مصدر الفعل المطاوع، وكذلك يقال: كَلَّمَهُ كلامًا، وتكلم زيد كلامًا، ويقال: أنبته إنباتًا، ونبت هو نباتًا، وإنما أراد الصيغة المعلَّقةَ (٤) والمحلوف بها.
-
ومع هذا؛ فقوله: (ليس لها دلالة من حيث اللغة على التعليق ولا على الحلف) خطأٌ؛ أما في صيغة [١٦٢/ ب] التعليق فظاهر، فإنه إذا قال: إِنْ دخلتِ الدار فالطلاق لازمٌ لي؛ فهذا تعليق في اللغة لا يستريب في ذلك أدنى من له معرفة بمثل هذه الأمور في اللغة، وكذلك إذا قال: إِنْ فعلتِ كذا
vol. 2, p. 588فالحرام يلزمني أو فالعتق يلزمني أو الحج يلزمني أو الصدقة بمالي تلزمني، أو فأيمان المسلمين تلزمني، أو قال: الطلاق يلزمني إنْ فعلت كذا، أو العتق يلزمني إنْ فعلته، أو الحج أو الصدقة بمالي أو صوم شهر يلزمني إِنْ فعلته؛ فهذه صيغة تعليق في اللغة بلا ريب، سواء قَدَّمَ الشرط أو أَخَّرَهُ.
-
وأما الشبهة في صيغة القسم إذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا أو العتق يلزمني لأفعلنَّه أو الحرام يلزمني لأفعلنه أو أيمان المسلمين أو أيمان البيعة تلزمني لأفعلنه أو لا أفعله ونحو ذلك؛ فهذه صيغة قَسَمٍ، لأنه تَلَقَّى الجملة الثانية بلام القسم التي يتلقى بها جواب القسم في مثل قوله: والله لأفعلنَّ، وهذه اللام التي يتلقى بها جواب القسم من خصائص القسم، لا تكون إلا فيه؛ ولهذا إنما يستعمل معها الألفاظ المستعملة في جواب القسم، نفيًا وإثباتًا (١) .
-
فكما تقول: والله لأفعلنَّ أو لا أفعل تقول: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ أو لا أفعل؛ ولَمَّا لم يكن من لغة العرب أن يذكروا الإثبات إلا مؤكدًا = صاروا يقولون: والله أفعل، ومرادهم: ما أفعل؛ كقوله تعالى: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} [يوسف: ٨٥] أي: لا تفتأ؛ أي: تزال تذكر يوسف حتى تكون حَرَضًا، لأن عدم لوازم الإثبات دل على أَنَّ المراد النفي، فَحَذَفَ حرف النفي اختصارًا، إذ كان في الكلام ما يدل عليه، وكثير من العامة يقصد الإثبات بمثل هذا، فيقول: والله أقوم؛ أي: لأقومنَّ، وهذا إذا قصد الإثبات حُمِلَ على عُرْفِهِ دون لغة العرب، كما لو قال: أَنْ دَخَلَ الدارَ بالفتح، ومراده:
vol. 2, p. 589التعليق على دخول مستقبل (١) .
-
وهذا يوافق ما ذكره عن أبي سعيد الخوارزمي الضرير ــ الذي يقال: إنه لم يكن في أصحاب الشافعي في وقته بعد أبي الطيب الطبري أفقه منه ــ أنه قال في الجواب عن قولهم: أنت طالق لا دخلت الدار؛ ليست (لا) بدلًا من حرف الشرط، وإنما وقع الطلاق بدخوله، لأنَّ [١٦٣/ أ] قوله: أنت طالق يصلح أَنْ يقام مقام: أُقْسِمُ وأَحْلِفُ؛ والدليل عليه: أنه لو قال: أنت طالق إِنْ حلفت، ثم قال: أنت طالق إِنْ دخلتِ الدار = طلقت.
-
وهذا الذي ذكره عن أبي سعيد قد ذكره غير واحد من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وذكروا أنهم استعملوا في ذلك صيغة القسم، وخالفهم طائفة قليلة فقالوا ــ واللفظ لأبي عبد الله بن تيمية (٢)
-
ــ: (فأما ما يخرجه العامة مخرج الشرط بغير هذه الحروف ــ يعني: بغير حروف
vol. 2, p. 590الشرط ــ كقوله: أنتِ طالق لأتزوجنَّ عليك، أو أنتِ طالق لأفعلنَّ كذا = فيصح إذا نوى التعليق وكان (١) جاهلًا بالعربية، وإن كان عالمًا ونوى التعليق خُرِّجَ على روايتي (٢) تعليق المطلِّق بالنية) (٣) ؛ فهؤلاء لم يجعلوا هذا اللفظ في اللغة قَسَمًا ولا جعلوه تعليقًا، بل جعلوه في لحن العامة الذي ينوون به الشرط، كما لو قال: (أَنْ دخلتِ الدار فأنت طالق) بالفتح؛ فإذا نوى به ما يقصده العامة وكان جاهلًا بالعربية = كان شرطًا، كما لو نواه، وجعلوه في العربية حُكْمُهُ حكم المنجز.
-
وأنَّ قوله: (أنت طالق لأخرجنَّ) جملتان [لا] (٤) ارتباط لإحداهما بالأخرى، كقوله: أنت طالق عند الخروج (٥) ، فإذا نوى التعليق بذلك كان كما لو نواه باللفظ المطلق، فخرجوه على روايتي (٦) تعليق الطلاق بالنية؛ وهذا القول ضعيف جدًا من وجوه:
أحدها: أن هذه الصيغة صيغة قسم لا شرط.
-
الثاني: أَنَّ هذا موافقٌ للغة لا مخالفٌ لها.
-
الثالث: أنها سواء كانت (٧) في عرف الناس يقصدون بها ارتباط الطلاق
vol. 2, p. 591بالفعل، ليس إحدى الجملتين منفصلة عن الأخرى، فحمل كلامهم على ذلك غلط.
-
الرابع: أنه لا يُعرف في اللغة مَنْ تكلم بهذا، وجعلهما جملتين منفصلتين، لا اتصال لإحداهما بالأخرى، حتى يقال: إنَّ لها معنًى في اللغة بخلاف معناها عند العامة، بخلاف قولهم: أَنْ دخلتِ الدار فأنت طالق بالفتح؛ فإنَّ معنى هذا في اللغة: لأجل دخول الدار أنت طالق، وهو كقوله: أنت طالق لدخولك الدار [١٦٣/ ب] فلهذا كان له معنى في اللغة، ومعنى في عرف الجهال بالعربية، بخلاف قوله: أنت طالق لأفعلنَّ كذا، فإنه ليس له معنى في اللغة يخالف معناه المعروف عند العامة.
-
لكن لو قُدِّرَ أَنَّ هذا يخالف قياس العربية، لكان من العربية المولَّدة لا من العربية الملحونة.
-
فإنَّ العربيةَ أربعةُ أنواع: عربية محضة، وعربية معربة؛ وكلاهما نَطَقَ بها العرب العرباء، وعربية مولَّدة؛ وهي ما نطق بها المولَّدون من العرب ــ كما يقسم الشعراء إلى عرب ومولَّدين ــ كلفظ الماهية والكيفية والبيطرة ونحو ذلك؛ والرابع: عربية ملحونة (١) .
-
الخامس: أنه لو قُدِّرَ أَنَّ معناها عند العامة يخالف معناها في اللغة، فإذا تَكَلَّمَ بها النحوي وقصد ما يَقصده العامة حُمل على ذلك، فإنَّ النحوي