بيان أن المعترض ألف اعتراضين على المجيب أحدهما مختصر والآخر مبسوط
12 paragraphs · vol. 2, p. 593
- vol. 2, p. 593
قال: (وقد يستشكل تعليق الإنشاء، ويقال: كيف جاز تعليق الطلاق والعتق مع كونهما إنشاءين؟ وإنْ كان هذا السؤال لا يَصْدُرُ من المُصَنِّف لكونه موافقًا على صحة التعليق، ولا من جهة الظاهرية لموافقتهم على تعليق العتق.
-
فاعلم أَنَّ تعليق الطلاق والعتق ليس من باب تعليق الإنشاء، فإنَّ الإنشاء هو الإعتاق والتطليق، وأما العتق والطلاق فهما أَثَرَاهُمَا؛ فالإنشاء في الحقيقة هو التعليق الذي هو يُصَيِّرُ الطلاق والعتق مُعَلَّقَين بذلك الشرط [١٦٤/ أ] ، والوقوعُ المعلَّق أَثَرُ ذلك الإنشاء؛ والإنشاء من مقولة الفعل، والوقوع من مقولة الانفعال.
-
فالزوج لم يُعَلِّق تطليقًا ولا إعتاقًا، وإنما عَلَّقَ طلاقًا وعتقًا؛ ويُبيِّنُ ذلك قول الفقهاء: التعليق مع الصفة تطليق، فلم يجعلوا الوقوع المعلق وحده تطليقًا؛ والله أعلم) (١) .
-
والجواب: أَنَّ هذا الكلام قد تقدم منه مبسوطًا، وتقدم الكلام عليه، ولكن ــ والله أعلم ــ كان قد اعترض أولًا اعتراضًا مختصرًا ذكر فيه هذا الكلام، ثم بسط الاعتراض بما تقدم ذكره له أولًا؛ فلهذا تكرر هذا منه، ولا نؤاخذه في ذلك؛ بل نقول: مَنْعُهُ هُوَ من تعليق الإنشاء حجةٌ عليه، فإنَّ الوقوعَ تَبَعٌ للإيقاع مستلزم له، يمتنع وقوع بلا إيقاع، فإنْ كان الإيقاع لا يجوز تعليقه لم يجز تعليق الوقوع.
- vol. 2, p. 594
ومعلوم أنه لم يوقع الطلاق عند الصفة لا منجزًا ولا معلقًا وإنما عَلَّقَهُ قبل ذلك، فإنْ لم يكن التعليق إيقاعًا منجزًا ولا معلقًا لم يقع الطلاق بحال، وكذلك سائر التعليقات؛ وإن كان إيقاعًا في الحال لِمَا يقع في المآل= فإما أن يكون الإيقاع منجزًا أو معلقًا؛ فإن كان منجزًا لزم الوقوع في الحال، وإنْ كان معلقًا فالإيقاع عنده لا يقبل التعليق.
-
وإنْ قال: هو إيقاعٌ منجَّز مقتضاه وقوعٌ مُؤَخَّرٌ= لم يكن هذا معقولًا، بل المعقول: أن الإيقاع المنجَّز حكمه: وقوعٌ منجَّز.
-
وإنْ قال: [الإيقاع] (١) المنجز تارة يُجعل وقوعه منجزًا، وتارة يُجعل وقوعه معلقًا = كان معناه أنه أوقع الآن ما لا يقع الآن، بل يقع فيما بعد.
-
فيقال له: هذا مكابرة؛ فإنه لم يوقع الآن شيئًا، بل الآن عَلَّقَ الطلاق، ومجرد التعليق ليس إيقاعًا في الحال، وإنما هو إيقاع عند الصفة، فإن لم يكن الإيقاع معلقًا= فلم يوقعه لا منجزًا ولا معلقًا.
-
وأيضًا؛ فالوقوع لازم للإيقاع الشرعي، والإيقاع الشرعي مستلزم للوقوع، يمتنع وجودُ أحدِهما دون الآخر، والإيقاع عِلَّةٌ تامةٌ للوقوع وهو الإيقاع الجازم، فلا يتأخر الوقوعُ عن عِلَّتِهِ [١٦٤/ ب] التامة، والإيقاع الجازم عِلَّةٌ تامة للوقوع، فلو كان المعلِّق قد وُجِدَ منه إيقاعٌ تامٌّ لَلَزِمَ وجودُ الوقوع في الحال؛ فعلم أنه لم يوجد منه في الحال إيقاع تام، وإنما يتم إيقاعه إذا حصلت الصفة، فإنه قصد أن يقع عند الصفة، لم يقصد أن يقع قبل ذلك، فإذا وُجِدَتِ الصفة عُلِمَ أنه أراد الوقوع حينئذٍ.
- vol. 2, p. 595
فإنَّ مراد الإنسان نوعان: نوع يريده إرادةً جازمةً، ونوعٌ يريده إرادةً معلقةً بشرطٍ؛ فإذا وُجِدَ الشرطُ كان مرادًا له، وإنْ لم يوجد لم يكن مرادًا له، وهذا معنى قول جمهور الفقهاء مع الصفة تطليق، فلم يجعل الوقوع المعلَّق وحده تطليقًا، فَعُلِمَ أنه لم يصر مُطَلِّقًا إلا بالتعليق ووجود الصفة، والتطليق هو إيقاع الطلاق؛ فَعُلِمَ أنه لم يقع منه عند التعليق إيقاع جازم ولا تام ولا منجز، وإنما وقع منه تطليق معلق بالصفة.
-
ومن الفقهاء مَنْ قال: التعليق ليس بتطليق البتة؛ والطلاق الواقع بوجود الصفة لم يوقعه هو، بل هو وقع؛ وعلى هذا ينبني النزاع فيما إذا قال: إنْ طلقتكِ فعبدي حر أو فلانة طالق، فإنَّ هذا يتناول ما نجزه من الطلاق بعد هذا، وذلك ما يعلقه بعد هذا بشرطٍ يقع الطلاق عنده في المشهور عند أكثر العلماء (١) ، وهو قول جمهور أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما.
-
ومنهم مَنْ قال: إذا وقع بعد هذا بتعليقٍ متأخر لم يكن تطليقًا، فلا توجد الصفة؛ وهذا أحد الوجهين في مذهبه ذكره القاضي أبو يعلى وهو ضعيف، وأما الطلاق إذا وقع بصفةٍ متقدمةٍ على هذا التعليق لم يكن قد طَلَّقَ بعد التعليق الثاني، بل وقع الطلاق بالتعليق الأول، فلا تحصل الصفة فلا يحصل المعلَّق بها، اللهم إلا أَنْ يقصد مجرد حصول المعلَّق سواء كان بتعليقٍ متقدم أو بغير ذلك.