فصل في الجواب عن اعترض المعترض بالإجماع الذي نقله أبو ثور والمروزي وابن عبد البر وابن المنذر

34 paragraphs · vol. 2, p. 596

  1. قال المعترض:

    (قال ــ يعني المجيب ــ: وأبو ثورٍ طَرَدَ هذا الأصل، وقال بموجبه في العتق، وقال: إِنْ لم يكن في الطلاق إجماعٌ فهو بمنزلة العتق، وقد تبيَّنَ أنه لا إجماع فيه، فإذا كان الصحابة أفتوا في الحلف بالعتق أنه لا يقع مع أنه [١٦٥/ أ] قربة وطاعة وَبِرٌّ = فَأَنْ يقولوا في الحلف بالطلاق أنه لا يقع بطريق الأولى والأحرى [لأنه ليس فيه قُربةٌ ولا طاعة؛ بل إما مكروهٌ وإما محرم] .

    vol. 2, p. 596
  2. وأما الرواية الأخرى عن ابن عباس وابن عمر؛ فقد قال أحمد: ما سمعناه إلا من عبد الرزاق عن معمر.

  3. وعثمان بن حاضر قد قيل: إنه سمع من ابن عباس، وقال أبو زرعة (١): هو يماني حميري ثقة. وقد روى له أبو داود وابن ماجه.

  4. والأثر الأول أثبتُ؛ ورجالُهُ من أئمة العلم والفقهاء الذين يعلمون ما يروون، وهذا الأثر فيه غربة (٢) ، ولم يثبت لنا لفظه، فإنْ صَحَّ كان في ذلك نزاعٌ بين الصحابة.

  5. وقد ذكر البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أثرًا في الطلاق يحتمل أن يكون من هذا الباب، ويحتمل ألا يكون منه.

    ثم قال: قلتُ: أما نقله عن أبي ثور؛ فاعلم أَنَّ أبا ثور نُقِلَ عنه التصريح

    vol. 2, p. 597بالإجماع في مسألة الطلاق، وكذلك عن الإمام محمد بن نصر المروزي، وهو من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام.

    قال ابن عبد البر في الاستذكار (١) : قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: إذا حلف بالمشي إلى مكة ــ وساق كلامه إلى قوله ــ قال أبو عمر: الخلاف الذي ذكر أبو ثور في العتق هو: ما رواه معتمر بن سليمان ــ يعني: أثر ليلى بنت العجماء ــ، ثم قال: قلت: وقد تقدم الكلام عليه.

  6. وكذلك نقل ابن المنذر الإجماع؛ قال (٢) : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم قولَهُ على أن الحالف بالطلاق على زوجته في أمر لا يفعله ففعله أن الطلاق يقع عليها؛ هذا قول مالك وأهل المدينة والليث بن سعد وأهل مصر والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي وأبي عبيد) (٣) .

  7. والجواب: أن أول مَنْ نَقَلَ في هذه المسألة إجماعًا هو أبو ثور، وعنه تلقى ذلك من نقله، كمحمد بن نصر وابن عبد البر.

  8. وأما ابن جرير الطبري ــ وإِنْ كانَ هو لم يذكره ــ فالإجماع عنده هو قول الجمهور؛ فلا يحتج بنقله.

  9. وأما ابن المنذر؛ فلفظه (٤) : أجمع كل من نَحفظ عنه قولَه؛ وعادة ابن المنذر إذا ذكر مثل هذا ينقل [١٦٥/ ب] قول من حفظ قوله في تلك المسألة،

    vol. 2, p. 598ولم ينقل ذلك إجماعًا للأمة ولعلمائها، لأنه لا يكون قد عرف أقوال سائر العلماء في ذلك، فَنَقَلَ قولَ من حفظ قولَهُ؛ وهذا يدل على أن ابن المنذر لم يعلم أقوال سائر العلماء في هذه المسألة، ولم ينقل فيها إجماعًا يَحتج به، كما ذكر ألفاظه في مثل هذا الإجماع وفي غيره بما يتبين مراده.

  10. وذكرنا مع ذلك أن كثيرًا من الإجماعات التي نقلها عن جميع العلماء يكون فيها نزاع لم يبلغه؛ فكيف بما يَنقل فيه قول من حفظ قوله؟! فإنَّ مثل هذا يكون فيه كثيرًا نزاع لم يعرفه.

  11. فإذا أراد أن ينقل الإجماع العام، قال: أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد المرء السبيل إليها (١) .

  12. وأجمع أهل العلم على أن خروج الغائط من الدبر، وخروج البول من الذكر وقُبُلِ المرأة، وخروج المذي، وخروج الريح من الدبر، وزوال العقل بأيِّ وجهٍ زال= ينقضُ كل واحد منها الطهارة ويوجب الوضوء (٢) .

    وقال: أجمع أهل العلم أن الضحك في غير الصلاة (٣) لا ينقض الطهارة ولا يوجب وضوءًا (٤) .

  13. وأجمعوا على أن الضحك في الصلاة ينقض الصلاة (٥) .

  14. وأجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر زوال الشمس (١) .

    vol. 2, p. 599
  15. وأما إذا قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم؛ فإنه يدل على أن هذا القول قول مَنْ يَعرِفُ قولَه في تلك المسألة، ولم يعرف فيها سائر أقوال العلماء؛ سواء سماهم أو لم يسمهم، وهذا إجماع خاص لا عام؛ كقوله (٢) : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم وعلماء الأمصار على أَنَّ [القذف و] قول الزور والكذب والغيبة [لا يوجب طهارة] (٣) ؛ هذا مذهب المدني والكوفي والشافعي وأحمد وإسحاق، قال: وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث. قال: وذلك عندي استحباب ممن أمر به، لأنَّا لا نعلم حجةً توجب في شيء من الكلام وضوءًا.

  16. وكذلك قوله (٤) : أجمع من نحفظ قوله أنَّ الوضوء غير جائز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر، ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء. ومعلومٌ أَنَّ في ذلك نزاعًا؛ أما ماء الورد ونحوه ففيه [١٦٦/ أ] نزاع عن ابن أبي ليلى والأوزاعي وغيرهما، وأما المياه التي تجري من الشجر فيجوز التوضؤ به في مذهب أبي حنيفة أيضًا.

    ثم قال (٥) : وأجمع أهل العلم على أن الاغتسال والوضوء لا يجوز بشيء من الأشربة سوى النبيذ؛ ففي الأشربة حكى إجماع أهل العلم، وهو

    vol. 2, p. 600الإجماع العام، وفي ماء الورد حكى إجماع مَنْ يحفظ قوله، ومثل هذا كثير.

  17. ثم يقال: كثيرٌ ممن يفتي بوقوع الطلاق المحلوف به، يفتي بأقوال قد ذكر ابن المنذر الإجماع على خلافها، فإنَّ منْ أجودِ حيلهم: الاحتيالُ بخلع اليمين (١) ؛

  18. فهو خيرٌ من السُّرَيجية، وخير من نكاح التحليل، وخير من التحيُّل على إفساد النكاح، ومع هذا؛ فقد قال ابن المنذر لما ذَكَر آية الخلع (٢) : قد حَرَّمَ الله على الزوج في هذه الآية أن يأخذ منها شيئًا مما آتاها إلا بعد الخوف الذي ذكره الله ــ تعالى ــ، ثم أكد تحريم ذلك بتغليظ الوعيد على كل من خالف أمره، فقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} الآية [البقرة: ٢٢٩] ، وبمعنى كتاب الله جاء الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه خالع بين خولة (٣) بنت سلول وبين زوجها لما قالت: إني لا أستطيعه، وأكره الكفر في الإسلام (٤) .

    قال (٥) : وبه قال عوام أهل العلم، وحظروا على الزوج أَخذَ شيءٍ من مالها إلا أن يكون النشوز من قبلها، روينا ذلك عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والشعبي والنخعي وابن سيرين والقاسم بن محمد وعمرو بن شعيب وعروة بن الزبير والزهري وحميد بن عبد الرحمن وقتادة، وبه قال:

    vol. 2, p. 601الثوري ومالك وإسحاق وأبو ثور.

  19. وحكي عن النعمان أنه قال: إذا جاء الظلم والنشوز من قبله فخالعته= فهو جائزٌ ماضٍ، وهو آثم لا يحل [له] (١) ما صنع ولا يُجبر (٢) على رَدِّ ما أخذ.

    قال أبو بكر بن المنذر (٣) : وهذا مِنْ قولِهِ خلافُ ظاهرِ الكتاب، وخلاف الخبر الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخلاف ما أجمع عليه عوام أهل العلم من ذلك.

    قال: ولا أحسب مَنْ قال (٤) لامرئٍ: اجتهد بنفسك (٥) في طلب الخطأ، ما وجد أمرًا أعظم من أن ينطق [١٦٦/ ب] الكتاب بتحريم شيءٍ، ثم يُقَابِلُهُ مُقَابِلٌ بالخلاف نصًّا، فيقول: بل يجوز ذلك ولا يجبر على رَدِّ ما أَخَذَه.

    وقال قائل ــ يعني الشافعي ــ: لَمَّا جاز أن يأخذ ما طابت به نفسًا على غير طلاق = جاز أن يأخذ منها ما أعطته على طلاق أو فسخ نكاح.

    قال (٦) : وهذا وإن لم يكن في باب الخطأ أقربُ مما مضى من خلاف الكتاب والسنة فليس بدونه، لأنه يحرم في باب المعاوضات [ما حَرَّمَه

    vol. 2, p. 602الله] (١) من الربا، ويجيز الهبات والعطايا في غير باب المعاوضة، وهذا سبيل كل من خالف كتابَ الله والخبرَ الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

    ثم قال (٢) : وإنه ليبلغني أَنَّ كثيرًا ممن نصب نفسه للفتيا في النوازل يُعَلِّمُ مَنْ حلف بطلاق زوجته ثلاثًا ليفعلنَّ كذا أو لا يفعله، وكل واحد من الزوجين يَرُدُّ إلى صاحبه ما أوجب الله عليه أن يقول له: خُذْ منها كذا وافسخ عنها نكاحها، أو طَلِّقها على ما تأخذ منها طلقة [ثم احنث وتزوَّجها، وتكون عندك على ما بَقي من الطلاق] (٣) فليس فيما قلناه حديث، فيحتال القائل بما ذكرناه عنه أن يطعن في إسناده، ولا تلك آية تحتمل التأويل فيحتال في دفعها بالتأويل، وإنما هو ظاهر لا يحتمل إلا معنىً واحدًا.

  20. فلو تكلم المتكلم عن عطاء والزهري والثوري حيث أجازوا الشغار، وقالوا: إنما أجزناه لتراضيهما به، وأنتم لا يفسد العقد عندكم بفساد المهر، أو قال: بعض من يجيز نكاح المحرم أنا أبيحه بقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: ٣] ، وأَنَّ العقد بولي وشهود، والنكاح في نفسه مباح، وإنما نهى عن العقد في وقتٍ؛ كما قال مَنْ خالفنا في عقد البيع بعد النداء لصلاة الجمعة: أَنَّ ذلك لوقت وهو جائز، فلما رأيتك لا تلتفت إلى الوقت اقتديت بك، وأجزت نكاح المحرم إذ هو لوقت، هل يقابَل مَنْ خالف هذه

    vol. 2, p. 603الأشياء إلا بأن يقال له: إِنَّ النكاح لا ينعقد بما نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (١) ، وإذا نهاك الله ــ عز وجل ــ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عن شيءٍ بَطَلَ عقدُ النكاح؛ كما أبطلت البيع الذي عُقِدَ على الربا، ما بينَ شيءٍ مِنْ ذلكَ فَرْقٌ.

  21. فهذا ابن المنذر قد بَيَّنَ بكلامِهِ أنه لم يعلم أحدًا ممن مضى [١٦٧/ أ] أفتى بالخلع لأجل حَلِّ اليمين، وهو قد أنكر على من فسخ الخلع إذا لم يكن النشوز من قبلها، وإِنْ كان قاصدًا للخلع، وذكر أنه مخالف للكتاب والسُّنة وقول عوام أهل العلم، وهذا غايةُ ما يذكر من الإجماع في مثل هذه المسائل.

  22. وإذا كان العمدةُ في نقلِ الإجماعِ على أبي ثور؛ فأبو ثور قال: مَنْ حَلَفَ بالعتق فعليه كفارة يمين ولا عتق عليه، وذلك أَنَّ الله ــ عز وجل ــ أوجب في كتابه كفارة اليمين على كل حالف، فقال: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: ٨٩] يعني: فحنثتم.

    قال أبو ثور ــ رحمة الله عليه ــ: فكل يمين حلف بها الإنسان فحنث فعليه كفارة على ظاهر الكتاب، إلا أنْ تجتمع الأمة على أنه لا كفارة عليه في شيءٍ ما، ولم يجمعوا على ذلك إلا في الطلاق، فأسقطنا عن الحالف بالطلاق الكفارة، وألزمناه الطلاق للإجماع، وجعلنا في العتق الكفارة لأنَّ الأمةَ لم تجتمع على أنه لا كفارة فيه؛ هذا لفظ أبي ثور (٢) .

  23. وأبو ثور قد عُرِفَ مِنْ قولِهِ صريحًا أَنَّ الإجماع عنده معناه: عدم العلم بالنزاع لا العلم بعدم النزاع؛ وبهذا سَلِمَ مِنْ إنكارِ أحمد على مَنْ يَدَّعِي الإجماع؛ كقول أحمد في رواية ابنه عبد الله (١) : من ادعى الإجماع فقد كذب لعل الناس قد اختلفوا؛ هذه دعوى بشر المَرِيْسِي والأصم (٢) ، لكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغه.

    vol. 2, p. 604
  24. وكذلك نقل المَرُّوذِي عنه (٣) أنه قال: لا يجوز للرجل أن يقول أجمعوا، إذا سمعتهم (٤) يقولون: أجمعوا؛ فاتهمهم، لو قال: إني لا أعلم مخالفًا لكان.

  25. وكذلك نقل (٥) عنه أبو طالب أنه قال: هذا كذب! ما علمه أَنَّ الناس مجتمعون؟ ولكن يقول لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن مِنْ قوله إجماع الناس (٦) .

  26. وكذلك نقل أبو الحارث عنه: لا ينبغي لأحدٍ أَنْ يَدَّعي في قوله الإجماع،

    vol. 2, p. 605لعل الناس اختلفوا (١) .

  27. وأبو ثور كان قرين أحمد ــ رحمة الله عليهما ــ وبلده بغداد، وكانت أكثر بلاد الإسلام علمًا في ذلك الزمان، وهو كان أشهر أهل ذلك العصر بالاجتهاد والإفتاء بعد أحمد، وكان أحمد كثيرًا ما يُسأَلُ عما يقول، ولهذا كان هو أول [١٦٧/ ب] من ذكره أبو إسحاق في طبقات الفقهاء المجتهدين بعد أحمد بن حنبل، وذكر بعده: ابن جرير الطبري وداود بن علي الأصبهاني (٢) .

  28. وكان أحمد يثني عليه تارة حتى يقول: (هو عندي في مِسلَاخ الثوري) (٣) ، وإذا بلغه عنه أقوال مخالفة للسنة وأقوال الصحابة كإباحته ذبائح المجوس وغير ذلك، يتكلم فيه بكلام غليظ (٤) .

  29. ومع هذا؛ فأبو ثور لم يَدَّعِ عَدَمَ العلم بالنزاع إلا في نفي الكفارة لا في وقوع الطلاق، ولو قُدِّرَ أَنَّ الأمة لم يقل فيها أحد بالكفارة لم يلزم اتفاقهم على وقوع الطلاق، فإنه قد كان في زمن أبي ثور، وقبل أَنْ تصنف الكتب منهم مَنْ يقول: الطلاق المعلَّق بالصفة لا يقع؛ ومنهم مَنْ يُفَرِّق بين التعليق الذي يُقصد به اليمين وبين التعليق الذي يُقصد به الإيقاع، فيوقع الثاني دون المحلوف به؛ وكان منهم مَنْ يَرَى أَنَّ التعليق الذي يُقصد به اليمين كتعليق

    vol. 2, p. 606النذر لغوٌ (١) ليس فيه لزوم ولا كفارة، فإذا قُدِّرَ إجماعهم على نفي التكفير= لم يلزم إجماعهم على اللزوم، بل أبو ثور قام عنده الدليل على أَنَّ التعليقَ ــ تعليق الطلاق والعتاق والحلف بها ــ عقدٌ صحيح في الشرع، ورأى أَنَّ القرآن يدل على تكفير كل يمين، فعمل بموجب ذلك. فما علم فيه نزاعًا؛ هل يكفر أو لا يكفر؟ فأوجب فيه الكفارة، وما ظن أنه لا نزاع في تكفيره ــ وهو الطلاق ــ ألزمَ به، لأنه لم يمكنه أَنْ يقول: إِنَّ التعليق ــ لا سيما التعليق الذي يقصد به اليمين ــ باطلٌ؛ لا لإجماعٍ حكاه في ذلك، بل لما عَرَفَهُ من الدليل، ولم يمكنه القول بالكفارة لأنه لم يعلم به قائلًا، وظنَّ الإجماع على خلافه؛ فلزم من ذلك أن يقول بوقوع الطلاق لا لأن الكتاب اقتضى ذلك عنده ولا السنة ولا القياس، بل كلامه يدل على أَنَّ ظاهر النص يقتضي تكفير كل يمين، وأنه لو عرف أَنَّ قائلًا يقول بتكفير الحلف بالطلاق = لوجب القول بذلك لدلالة الكتاب عليه.

  30. وهذا معنى قول المجيب حيث قال: أبو ثورٍ طَرَدَ هذا الأصل، وقال بموجبه في العتق، وأَنَّ الطلاق [١٦٨/ أ] عنده بمنزلة العتق إذا لم يكن فيه إجماع، وقد تبين أنه لا إجماع فيه = فيلزم على أصل أبي ثور أنه لا يقع الطلاق المحلوف به بل يكفر، وذلك على أصله ألزم منه على أصل الشافعي وأحمد، وهذا بمنزلة الأقوال المعلقة للشافعي وغيره من الأئمة إذا قال: قد روي في المسألة خبرٌ إِنْ صَحَّ قلتُ بِهِ (٢) ؛ فيعلم أنه إذا كان صحيحًا فإنه

    vol. 2, p. 607قوله، أو إذا قال العالم: هذا هو قولي لولا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من كلامه، فإذا علِمَ أَنَّ ذاك الحديث باطل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (١) .

  31. فإذا كان أبو ثور يقول: كلُّ يمينٍ حَلَفَ بها الإنسان فحنث فعليه الكفارة، إلا أَنْ تجتمع الأمة على أنه لا كفارة عليه في شيءٍ ما، ثم قال: ولم يجتمعوا على نفي الكفارة إلا في الطلاق.

  32. ومعنى الإجماع عنده: أني لم أعلم فيه منازعًا، فإذا عُلِمَ أَنَّ في الطلاق نزاعًا هل يكفر أم لا؟ علم يقينًا أن قول أبي ثور هو أَنَّ الطلاق يُكَفَّر؛ فإنه أوجب الكفارة في كل يمين يحلف بها الإنسان إلا إذا كان إجماعٌ بخلاف ذلك، فإذا عُرِفَ انتفاء الإجماع= لزم طرد عموم قوله الذي صَرَّحَ بعمومه، كعموم دليله وتعليله.

  33. وما ذكره أبو ثور من دلالة (٢) الكتاب أصل متيقنٌ عنده، وأما الإجماع فليس معه فيه إلا ظن، وتعارَضَ عنده ظن الإجماع وظن ظاهر القرآن؛ فكان ظَنُّهُ للإجماع أقوى فقدَّمَهُ.

  34. وهذا حال المجتهدين إذا تعارض عندهم ظنان رجحوا أقواهما، ومن عرف عنده هذا الظن وترجح عنده نفيُ الإجماع ووجود النزاع = بَقِيَ عنده ما دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار في تكفير أيمان المسلمين من الدليل

    vol. 2, p. 608السالم عن المعارض المقاوم؛ فيجب عليه العمل عنده، فكيف إذا علم امتناع اجتماع الأمة على مثل هذا؟! وعلم أنه ليس للأمةِ إجماعٌ على حكم يخالف ذلك الظاهر والقياس إلا إذا كان مع الإجماع من النص والقياس ما يدل على أن الأول منسوخ أو يفسر بما يوافق نص الإجماع؛ فأما أن يكون الإجماع مخالفًا للكتاب والميزان فهذا لا يكون قط.