الوجه الأول: أن قول واحد أو اثنين: نحن لا نعلم في هذا نزاعا لا يوجب تقليدهم

9 paragraphs · vol. 2, p. 617

  1. وهو نفي يُحَاطُ به، ومع هذا؛ فَقَدَّمَ العلماءُ إثباتَ بلالٍ - رضي الله عنه - حيث قال: صَلَّى فيه (١) على نفي أسامة [١٧١/ أ] ؛ فكيف وليس مع النافي إلا ظَنُّ أبي ثور لعدم النزاع؟! كما صَرَّحَ عن نفسه بأنَّ الإجماع عدم العلم بالنزاع.

    vol. 2, p. 617
  2. فَعُلِمَ أَنَّ هذا المدَّعِي للإجماع ليس معه علمُ أحدٍ من العلماء بالإجماع، ومن ادعى العلم بالإجماع في ذلك عُلِمَ أنه كاذب، كما قاله أحمد بن حنبل، وإنما معه عدم علمه بالنزاع، أو ظَنٌّ لنفي النزاع.

  3. فصلٌ

    وأما قوله: (فلا نعدل عن هذا إلا بنقل صريح عن إمامٍ معتبر) .

  4. فجوابه من وجوه:
  5. أحدها: أنه لا نُسلِّم أَنَّ مثل هذا حجة يجب الاعتماد عليها، فإنه إذا قال واحد أو اثنان أو ثلاثة: نحن لا نعلم في هذا نزاعًا، أو نظن أنه لا نزاع في ذلك = لم يكن هذا مما يوجب أن جميع أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من أولهم إلى آخرهم يجب عليهم تقليدُ هذا الظانِّ فيما ظنه، فإنه لا يجب عليهم تقليده فيما يقطع به، فكيف يجب عليهم تقليده فيما ظنه؟!

  6. وهب أنه يجوز تقليده لبعض الناس، أو يجب على بعض الناس؛ لكن لا يقول عاقل: إنَّ جميع الأمة يجب عليها تقليده، وليس هذا مثل ترك رواية ما يرويه من الأخبار، فإنَّ ذاك خبر منه عما سمعه أو رآه، ليس هو خبرًا عما يظن بالاستقراء (٢) ، ولهذا يجب على أمثاله وعلى مَنْ هو أكبر منه أَنْ

    vol. 2, p. 618يرجعوا إلى خبره، كما كان الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون - رضي الله عنهم - يرجعون في الأخبار إلى مَنْ سمع ما لم يسمعوا، ورأى ما لم يروا.

  7. ولا يقول أحدٌ إنه يجب على الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم أنهم يرجعون إلى أبي ثور وأمثاله فيما يظنه من عدم النزاع، مع أنه عليهم أن يرجعوا إلى مَنْ هو دون أبي ثور في العلم والفقه فيما ينقله من الأخبار إذا كان ثقةً؛ وذلك أنه ليس نقل الإجماع ونفي النزاع مثل نقل ما سمع من الأخبار، فإنَّ هذا غايتُهُ فيه الاستقراء.

  8. ثم إِنَّ هذا خبرٌ مرسل؛ فإنه يخبر أَنَّ هذا قول العلماء الذين لم يدركهم، ولا سَمَّى مَنْ أَخبرَ ذلك عنهم، بل لو نقل واحدٌ مذهب فقيهٍ من غير أن يعزوه إلى كتاب أو إسناد = لكان نقلًا مرسلًا، والغالب عليه الصواب، كما أَنَّ الغالب على مراسيل التابعين الصواب، والخطأ في ذلك أكثر [١٧١/ ب] من الخطأ في مراسيل التابعين؛ فإذا كان مرسَل العالم المشهور لنص الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي يجب اتباعه إما ألا يكون حجة وإما أن يكون حجة ضعيفة غيرها أقوى منها؛ مع أَنَّ عِلْمَهُ بأنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال هذا ممكن بطرقٍ كثيرة، فكيف بقول بعض العلماء وهو ما لا يمكنه علمه؛ بل غايته أنه يظن ألا نزاع في ذلك؟!

  9. ولهذا لم يكن الأئمة المتبوعون (١) يحتجون بمثل هذا قط، وإنما يعتمد أحدهم على استقرائه واجتهاده في معرفة النزاع وعدمه، لا يقلد في ذلك غيره، مع اتفاقهم على وجوب اتباع الأخبار؛ فَعُلِمَ أَنَّ مثل هذا الكلام ليس