الجواب عن قول المعترض: إن في الكتاب والسنة كفاية عن كل مذهب وغناء عن كل قائل
9 paragraphs · vol. 2, p. 615
- vol. 2, p. 615
بعدهم وافقوهم على نقل هذا النزاع، ولم يقل أحدٌ جاء بعدهم إنهم أخطأوا في نقل النزاع، ثم تحتج بنقلهم للإجماع وقد أنكر غيرهم عليهم هذا الإجماع، وقالوا: إنهم أخطأوا فيه، وأَنَّ المسألةَ مسألةُ نزاعٍ لا مسألةُ إجماعٍ ولو لم يخالفهم، فلا يكون نقلهم لقول كل واحد واحدٍ من العلماء ونفي منازعة أحد من العلماء لهم مع أنهم لم يذكروا إسنادًا إلى كل واحد، ولا معهم إسناد بنفي المنازع= بأعظم من نقلهم لقول بعض الصحابة والتابعين التي نقلوها بالإسناد ونقلوا ألفاظهم التي تعرف مذاهبهم، فإذا قَدَحَ في النقل الراجح الذي هُمْ به أعلم فَلَأَنْ يقدح في النقل المرجوح الذي لا يعلمونه كعلم ذاك بطريق الأولى.
-
وإذا كان في كتاب الله ــ تعالى ــ وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - التي تَكَفَّلَ الله ــ عز وجل ــ بحفظهما كفاية عن كل مذهبٍ، وَغَنَاء عن كل قائل؛ ففيها غَنَاءٌ وكفايةٌ عن المذاهب المشهورة وغيرها، ووجب مع هذا أَنْ ليس في الأقوال ما هو حق إلا ما وافق الكتاب والسنة، وكل إجماعٍ معصوم فهو موافق للكتاب والسنة، وما خالف الكتاب والسنة امتنع أن يكون إجماعًا صحيحًا؛ فالاعتبار بالكتاب والسنة.
-
وأما مسائل النزاع؛ ويقال: إنها مجمعٌ عليها أو مختلفٌ فيها [١٧٠/ ب] ؛ فإنها إِنْ كانت مجمعًا عليها فلا بُدَّ أَنْ تكون مُبَيَّنَةً في الكتاب والسنة، وإِنْ كانت متنازعًا فيها فالصواب فيها ما وافق الكتاب والسنة.
-
وأما أبو حامد الإسفراييني ــ رحمه الله تعالى ــ فمراده: نفي الخلاف في المذهبين، مذهب أبي حنيفة والشافعي - رضي الله عنهما - كما دَلَّ عليه سياقُ كلامِهِ، وهذه عادةٌ معروفة لمصنفي الخلاف.
- vol. 2, p. 616
والطرائق في الخلاف يحتجون على منازعهم بما يُسَلِّمُونَهُ، ويقول: ثبت بالإجماع؛ أَيْ: مِنَّا ومنكم، وكثيرٌ من أدلة المصنفين في الخلاف إنما يعتمدون فيها على النقليات الجدلية التي يُسَلِّمُهَا المنازع، إذ كان مقصودهم بيان أَنَّ قولهم أرجح مِنْ قول ذلك المنازع لهم؛ ولهذا لا يثبتون إلا ضعف قوله ورجحان قولهم على قوله، وهذا لا يفيد العلم ولا يفيد الاستدلال على حكم الله ورسوله.
-
ومما يُبَيِّنُ ذلك: أَنَّ أبا حامد قال: (الثاني: أنْ يعلِّق به عتقًا أو طلاقًا فيقع ذلك عند وجود الشرط بلا خلاف، لأنه طلاق وعتق معلق بصفة يقع عند وجودها) .
-
فقد نفى الخلاف في الحلف بالعتاق كما نفاه في الحلف بالطلاق، ومن هو دون أبي حامد يعلم النزاع في العتق، وهو مذكور في الكتب التي ينقل منها أبو حامد الخلاف، مثلُ كتب أبي بكر بن المنذر وغيره.
-
ولو قُدِّرَ أَنَّ أبا حامد نَفَى الخلاف في ذلك؛ فأبو ثور ومحمد بن نصر ومحمد بن جرير وأبو بكر بن المنذر وأبو عمر بن عبد البر وابن حزم وغيرهم = نقلوا النزاع في العتق عن الصحابة والتابعين، ومعلومٌ أَنَّ الواحدَ مِنْ هؤلاء أعلم بمذاهب الصحابة والتابعين وما بينهم من النزاع من أبي حامد، فكيف بمجموعهم؟!
-
وقد عُلِمَ أَنَّ نقل الناقل العالم مُقَدَّمٌ على نَقْلِ غيرِهِ لنفي النزاع، فإنَّ ذاك مثبتٌ والآخر نافٍ؛ هذا لو كان النافي للنزاع جازمًا بنفيه، والنفي مما يمكن العلم به؛ كنفي أسامة - رضي الله عنه - للصلاة في الكعبة (١) ، فإنه جَزَمَ بنفي ذلك،