فصل في الجواب عن اعتراض المعترض عن دعوى المجيب أن الصحابة أفتوا في العتق
8 paragraphs · vol. 2, p. 664
- vol. 2, p. 664
قال المعترض:
(ودعواه أَنَّ الصحابة أفتوا في العتق دعوى عريضة، فإنَّ الصحابة جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بالألف واللام يقتضي العموم، ولم يثبت له إلى الآن عن ثلاثة من المتأخرين منهم صريحًا؛ فكيف يسوغ هذا الإطلاق؟) (١) .
-
والجواب: أَنَّ مثل هذا السؤال لا يَستحق جوابًا، إذ غايته منازعة لفظية، ولو فُتِحَ هذا الباب على المعترض لكثرت الأسئلة المتوجهة عليه، ولكن هو يفتحه على المجيب مع أَنَّ ما يَقولُهُ معلومُ الخطأ، فإنه إنما تكون الدعوى عريضة إذا كان المجيب قد ادعى أَنَّ كُلَّ واحدٍ من الصحابة قال ذلك، والمعترض يَعلم ــ وكُلُّ من تدبر كلام المجيب ــ أنه لم يُرِدْ هذا، وإنما أراد جنس الصحابة، والمقصود هم الصحابة المذكورون في حديث ليلى بنت العجماء، وما نقل عن بعض الصحابة مما يوافق ذلك في قضايا أُخَر.
-
وحديث ليلى فيه: ابن عمر وحفصة وزينب، وقد روي فيه: عائشة وابن عباس وأبو هريرة، وروي: أم سلمة، وفي غيره عن ابن عباس وعائشة ما يوافق ذلك.
-
وحينئذٍ؛ فلامُ التعريف إما أنْ تنصرف إلى الصحابة وهم هؤلاء؛ ومعلومٌ أَنَّ أداة التعريف تفيد تعريف الاسم المذكور، فإنْ كان هناك عهد معروف انصرفت إليه، وإنْ لم يكن عهدٌ انصرفت إلى الجنس، لأنه هو العهد المعروف عند الصحابة.
- vol. 2, p. 665
وإما أَنْ تكون لتعريف الجنس؛ كما إذا قال: إنَّ الصحابة بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة، وفتحوا خيبر ومكة = لم يُرِد [١٨٤/ ب] أحدٌ بذلك جميع الصحابة؛ بل المراد: أن جنس الصحابة فعلوا ذلك، كما قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: ١٧٣] والمراد: أن جنس الناس قال لهم؛ أي: جِنْسُ الناسِ جَمَعَ لكم. {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: ٣٠] ولم يقله كل فرد فرد، وإنما قاله جنسهم، ومثل هذا كثير (١) .
-
وإذا كان سياق الكلام يدل على إرادة الجنس لم يكن للعموم ولم يمنع من الإطلاق، كما في القرآن من هذا كثير، كما ذكروا؛ كقوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن: ٧] وليس كل الكفار أنكر البعث، بل أكثر أهل الكتاب يُقرون به، ولكن جنس الكفار ينكرونه.
وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: ٧] ومعلومٌ أنه ليس كل واحد واحد من الكفار قال ذلك.
وقال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: ٧٣] ومعلومٌ أنه لم يقل ذلك كل كافر لكل مؤمن.
vol. 2, p. 666وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [التوبة: ٣٠] ومعلومٌ أنه لم يقل ذلك كل يهودي.
وقال تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} [الأنعام: ٦٦] ومعلومٌ أنه لم يكذب به كل فرد من أفراد قومه، والإنسان يقول لامرأته: أنت تكلمين الرجال وإنما كَلَّمَت بعضهم، وأنت تُضَيِّعين مالي وإنما أضاعت بعضه، ويقول الحالف: فلان يأكل الخبز واللحم والفاكهة ويشرب الماء الزلال؛ ومقصوده الجنس (١) .
-
ونحن الجمهور وإِنْ كُنَّا نقول بصيغ العموم، وأَنَّ العموم له صيغة موضوعة له في اللغة تدل عند تجردها عن القرائن على استغراق الجنس واستيعاب الطبقة= فلا نُنْكِرُ أن الصيغة مع بعض القرائن قد لا تفيد العموم، كما في الأمثلة المذكورة (٢) .
-
ومعلومٌ أَنَّ كلام المجيب من أوله إلى آخره فيه من القرائن الدالة على أنه لم يرد العموم، وإنما أراد جنس الصحابة ما يحسن معه هذا اللفظ، ومِنْ عَنَتِ المعترض الذي يضيع الزمان بمثل هذا الهذيان.