الجواب الثاني على القول بتسليم دعوى المعترض: فالنقل الصريح للنزاع معلوم من طرق متعددة
17 paragraphs · vol. 2, p. 658
- vol. 2, p. 658
حجة، فلم لا يجوز لمن ينازعه في اعتقاده أَنْ يستدل على بطلان هذا الإجماع؟
-
وأيضًا؛ فالاستدلال تارة يكون على عدم علم الناقل للإجماع، وتارة يكون على ثبوت النزاع؛ وكلاهما يقدح في العلم بثبوت الإجماع.
-
فإذا كان الناقل ليس عالمًا بما ينقله، فَمَنْ تَلَقَّى ذلك عن نَقْلِهِ أولى ألا يكون عالمًا به، وإذا قام دليل على امتناع الإجماع المعين أو عدمه أو وجود النزاع = دَلَّ ذلك على بطلان نقله.
-
فإذا عرف أَنَّ الناقل للإجماع مراده ظَنُّ نفي النزاع وعدم العلم به لا الجزم بنفيه، وقد عُرِفَ أَنَّ كُلَّ من نقل إجماعًا في المسألة فقد نقل الإجماع في مسائل كثيرة وفيها نزاع ثابت = كان كثرة ما يقع من الخطأ في نقل ذلك مما يوجب ريبة قوية في نقله؛ كما إذا كثر خطأ المحدث، فإنه يبقى في نقله نوع ريبة، ولهذا لم يكن من عادة الصحابة والتابعين نقل الإجماعات.
قال الشافعي - رضي الله عنه - [ ... ] (١) .
-
الجواب (٢) الثاني: أنه إذا سُلِّمَ أنه لا يُصادَمُ نَقْلُ الإجماعِ إلا بنقلٍ صريحٍ للنزاع؛ فالنقل الصريح للنزاع معلومٌ من طرق متعددة ــ كما قد بُيِّنَ ــ تارةً بمن صَرَّحَ بنقل النزاع في الطلاق هل يقع أم لا يقع؟ وتارة بمن صَرَّحَ بنقل النزاع هل يكفر أم لا يكفر؟ وتارة بمن علم قولُهُ إنَّ الطلاق المعلق بالصفات لا يقع، وتارة بمن علم قوله أنه يفرق بين التعليق القسمي والتعليق
vol. 2, p. 659الإيقاعي وأنه لا يوقع المحلوف به ولا يوجب فيه كفارة، وتارة بمن علم من قوله أنه لا يوقعه ويأمر فيه [١٨٣/ أ] بالكفارة، وتارة بمن عرف قوله أنه لا يوقعه ولم يُدْرَ أيوجب الكفارة أم لا؟ وبواحدٍ من هذه النقول تَبْطُلُ حُجَّةُ من احتج بظنِّ ظانٍّ لعدم النزاع؛ فكيف إذا اجتمعت هذه كلها؟! وهذه النقول كلها موجودة في كتب أهل السنة.
-
وأيضًا؛ فالنزاع في الطلاق المحلوف به والطلاق المعلق مشهور في كتب الشيعة، وهم ينقلونه عن أئمة أهل البيت، كأبي جعفر الباقر وابنه أبي عبد الله جعفر بن محمد وغيرهما، فإنْ كانوا صادقين في هذا النقل عنهم = فلا يستريب مسلم في الاعتدادِ بنزاع هؤلاء، وأنه لا ينعقد إجماع التابعين مع مخالفة أبي جعفر الباقر وأمثاله، ولا إجماع تابعي التابعين مع مخالفة جعفر بن محمد وأمثاله، وفي ذلك نقول كثيرة متعددة بأسانيد مختلفة يمتنع (١) أن تكون كلها كذبًا، لكن يقع فيها غلط أو كذب متعمد في بعضها، فإنَّ هذا يقع كثيرًا.
-
وبتقدير أَنْ يكون كل ما نقل عن أهل البيت كذبًا، فهؤلاء عدد كثير ــ ولهم نظر واستدلال ــ يقولون: إنَّ الطلاق المعلق بالصفة لا يقع، والطلاق المحلوف به لا يقع، وليس ذلك مما انفردوا به عن أهل السنة، بل قد وافقهم طائفة من أهل السنة.
-
وقد تنازع الناس في أهل الأهواء والبدع هل يعتد بخلافهم؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد ومذهب أبي حنيفة وغيرهما، وهذا قول عامة أصحاب الشافعي، وهو اختيار أبي الخطاب وغيره من أصحاب أحمد،
vol. 2, p. 660وأكثر الناس يقولون: إنه يعتد بخلافهم إذا كانوا من أهل الملَّة، فإنهم داخلون في مسمى الأمة والمؤمنين (١) .
-
واختلفوا ــ أيضًا ــ في الاعتداد بأقوال أهل الفسق الذين يَعرفون فِسْقَ أنفسهم، لكن أكثرهم لا يَعتد بأقوال هؤلاء كما لا تُقبل شهادتهم باتفاق العلماء ولا فتياهم (٢) .
-
وأما المتأولون من أهل الأهواء؛ فأبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادتهم مطلقًا، وأما مالك وأحمد وغيرهما فيردُّونَ شهادتهم [١٨٣/ ب] .
-
لكنْ تحقيق مذهب أحمد وغيره من فقهاء الحديث أنهم يُفرِّقون بين الداعية وغير الداعية في الشهادة والحديث والهَجْر (٣) ؛ فَمَنْ كانَ داعيةً إلى البدعةِ هجروه فلم يحدثوا عنه ولم يستشهدوا به بخلاف غير الداعية، ولهذا لم يُخَرِّج أصحاب الصحيح والسنن عن الدعاة إلى البدع، وخَرَّجُوا عن عدد من الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة، والداعية هجروه لكونه أظهر المنكر فاستحق العقوبة وأدناها الهجر.
-
وأما مناظرتهم في الشريعة؛ فما زال السلف والخلف يتكلمون معهم، ولا يقولون لهم: أنتم خالفتم الإجماع فلا قول لكم، وكان ابن عباس
vol. 2, p. 661- رضي الله عنهما - يخاطب نَجْدَةَ الحروري (١) ونافع بن الأزرق (٢) وغيرهما.
-
وإذا نازعوا الناس في مسألة من مسائل الشرع لم يقولوا لهم: قد انعقد الإجماع على خلافكم في هذه المسألة، بل يحتجون عليهم بالكتاب والسنة، وذلك أنهم وإِنْ كانوا ضالين فيما خالفوا فيه أهل السنة والجماعة فلا يلزم ضلالهم في كل شيء، لا سيما إذا كان قد وافقهم بعض أهل السنة والجماعة في تلك المسائل، ولا يجوز أن يكون الله أقام عليهم الحجة بقول منازعيهم الذين لم يَقُمْ دليل شرعي على عصمتهم، فإنَّ أدلةَ الإجماع إنما دلت على عصمة المؤمنين بلفظ المؤمنين ولفظ الأمة؛ كقوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: ١١٥] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (٣) .
- vol. 2, p. 662
فإذا كان اسم المؤمنين وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يتناولهم، ولهم نظرٌ واستدلالٌ، ولهم دين يُوجب قصدهم الحق = لم يبقَ وَجْهٌ لمنع الاعتداد بهم.
-
فإنَّ المانع من الاعتداد بهم: إما عدم العلم، وإما سوء القصد؛ فَمَنْ لم يكن عارفًا بأدلة الشرع فهو عاصٍ بخلافهم (١) ، يجب عليه اتباع العلماء.
-
والعامة قد تُنُوزِعَ في الاعتداد بخلافهم؛ والأكثرون لا يعتدون بخلافهم (٢) .
-
وحقيقة الأمر: أَنَّ العامة مقلدة للعلماء، فيمتنع أن يجتمع العلماء على شيء ينازعهم فيه العامة، وإذا قُدِّرَ عاميٌّ يتكلم بلا حجة فهذا جاهل لا قول له، وإنْ تكلَّمَ بحجةٍ فهو من أهل الاجتهاد [١٨٤/ أ] في تلك المسألة، وإِنْ لم يكن من أهل الاجتهاد في غيرها، فإنَّ الاجتهاد مما يقبل التبعيض والتجزؤ؛ فأكثر العلماء يخفى عليهم بعض الشرع، فلو لم يكن المجتهد إلا مَنْ يَعرف جميعَ الأحكام أو يمكنه معرفة جميع الأحكام = لم يكن في الأمة مجتهد، اللهم إلا أن يكون مثل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - الذي لم يُعرف أنه أخطأ في مسألة من مسائل الشرع فاجتهد اجتهادًا يخالف نصًّا، بخلاف غيره فإنَّ
vol. 2, p. 663لهم اجتهادات توجد مخالفةً لبعض النصوص، ومسائل توقفوا فيها وعجزوا عن معرفة حكمها (١) .