الوجه الثاني: يكفي أن نقول: الطلاق ليس بواجب ولا مستحب في غالب الأحوال

9 paragraphs · vol. 2, p. 681

  1. الحاجة، وقد يُقَدَّرُ ذلك بثلاث؛ كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أَنْ تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوجٍ؛ فإنها تُحِدُّ عليه أربعة أشهر وعشرًا» (١) ، وكقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته: «لا يَحِلُّ لمسلمٍ أَنْ يهجر أخاه فوق ثلاثٍ؛ يلتقيان: فَيَصُدُّ هذا وَيَصُدُّ هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٢) ، وكما في الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أرخص للمهاجر أَنْ يُقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا (٣) .

    vol. 2, p. 681
  2. ونحن لم نثبت المنع من الطلاق بمجرد ما ذُكِرَ مِنْ قولِهِ: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» [١٨٩/ ب] ، بل بالأدلة الشرعية.

  3. الوجه الثاني: أَنْ يقال: نحن لا نحتاج إلى أن نجعل الطلاق محرمًا أو مكروهًا في حال من الأحوال، بل يكفينا أَنْ نقول: ليس بواجب ولا مستحب في غالب الأحوال، بل غايته أَنْ يكون مباحًا كالبيع والإجارة، وهذا مما لا يمكن فيه النزاع بين المسلمين، بل هذا هو الإجماع المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام.

  4. فإنه لا يقول من يؤمن بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -: أَنَّ كل متزوِّجٍ يجب عليه أو يستحب له أَنْ يُطَلِّق امرأته؛ وحينئذٍ فعامة الحالفين بالطلاق لا يكون الطلاق

    vol. 2, p. 682في حقهم لا واجبًا ولا مستحبًّا بخلاف الحالف بالعتق.

  5. فإنَّ العتق من القُرَبِ والطاعات، وقد يكون واجبًا كالعتق الواجب في الكفارة؛ كفارة اليمين أو كفارة الظهار أو القتل أو الجماع في رمضان والعتق الواجب بالنذر، وإِنْ لم يكن واجبًا كان مستحبًا مؤكد الاستحباب، حتى يقدمه كثيرٌ من العلماء إذا زاحم التبرعات في مرض الموت على غيره من التبرعات، وله نفوذ وسراية في ملك الغير؛ فإذا أعتق شقصًا له من عبد وهو موسرٌ = لزمه إعتاق باقيه، إما أَنْ يَعْتِقَ بإعتاقه لنصيبه (١) ويبقى منه نصيب الشريك دينًا في ذمته على أحد قولي العلماء، وإما أَنْ يتأخر العتق حتى يؤدي القيمة على القول الآخر لكن يجب عليه أداؤها، وهذان هما قولا الجمهور الآخرين في مذهب الشافعي وأحمد، والثاني قول مالك، وإما أَنْ يقال يجب هذا أو هذا واستسعاء العبد في كمال عتقه كقول أبي حنيفة.

  6. وبالجملة؛ فالعتق في الشرع: إما واجب وإما مستحب، ولكن قد يعرض أمر يمنَع أَنْ يكون مستحبًّا، كما لو كان عليه دين وهو يطالبه وله عبد فقضاء دينِهِ به أو قيمتِهِ خيرٌ له من أَنْ يعتقه، ولهذا لو أعتقه في هذه الحال كان في نفوذ عتقه قولان للعلماء، وكذلك في سائر التبرعات من المدين الذي لا فَضْلَ له يتبرع به، بل وكذلك فيمن هو محتاج إلى ما يتبرع به.

  7. وأما الطلاق؛ فالأصل فيه: أنه ليس بواجب [١٩٠/ أ] ولا مستحب، ولكن قد يَعرض له ما يجعله مستحبًّا أو واجبًا.

  8. فإنه في أحد القولين في مذهب أحمد يجب عليه أَنْ يطلقها إذا كانت مُصِرَّة على ترك الصلاة أو على فعل الفاحشة، ومذهب أحمد أنه لا يجوز له أن يتزوج الزانية حتى تتوب كما دل عليه الكتاب والسُنة، وضَعَّفَ حديث: إِنَّ امرأتي لا ترد يد لامس (١) ، ولم يُجَوِّز للرجل أَنْ يكون ديوثًا، مع أَنَّ بعض أهل الكلام كأبي علي الجُبَّائي (٢) ذكر الإجماع على جواز ذلك! وادَّعى أن آية النور (٣) منسوخة بمثل هذا الإجماع، سواء قيل الإجماع هو الناسخ أو هو دليل على الناسخ؛ ولبسط خطأ المُدَّعين لهذه الإجماعات المخالفة للكتاب والسُنة وآثار الصحابة موضع آخر.

    vol. 2, p. 683
  9. والمقصود هنا: أنه إذا كان الطلاق المحلوف به غيرَ واجب ولا مستحب، والعتق المحلوف به مستحب ولو نَذَرَهُ لصار واجبًا بالنذر، والطلاق لا يجب بالنذر، ثم الصحابة - رضي الله عنهم - المتقدمون أفتوا في تعليق العتق ونذر الطاعات إذا قُصِدَ به اليمين: أنه لا يلزم، لكونه يمينًا مكفَّرة،