الفروق بين العتق والطلاق

20 paragraphs · vol. 2, p. 684

  1. فجعلوا كونه يمينًا مانعًا من لزوم ما هو طاعة لله ورسوله، وهو محبوب إلى الله ورسوله، لأنَّ العتق والطاعات وإِنْ كانت محبوبةً لله ورسوله= فلا تلزم إلا من ألزمه الله بها، أو مَنْ ألزم نفسه بها، وهذا المعلِّق إذا قصد اليمين فلم يقصد بها إلزام نفسه بها، بل قصد اليمين = فَلَأَنْ يقولوا: إن المعلق للطلاق إذا كان قصده اليمين لا يلزمه الطلاق الذي ليس هو بمحبوبٍ لله ورسوله بطريق الأولى والأحرى، فإنَّ قصد اليمين المانع من اللزوم هناك موجود هنا، والشارع يحب ما ألزمه هناك ولا يحب ما جعله لازمًا هنا.

    vol. 2, p. 684
  2. ومما يبيِّن هذا: أن الشارع وَسَّعَ طريق العتق، وضَيَّقَ طُرُقَ الطلاق؛ فالعتق إذا كان من أهله في محلِّه = جاز في كل وقت، والطلاق لا يجوز في حال حيض المرأة، ولا يجوز إذا وطئها بعد الطهر حتى يتبين حملها، بل المنع من الطلاق في هاتين الحالين ثابت بالنص [١٩٠/ ب] والإجماع (١) .

  3. والطلاق لم يَزُلْ به الملك ابتداء، بل إذا أوقعه بعد الدخول كانَ أَحَقَّ برجعتها ما دامت في العِدَّةِ، وإذا مات أحدهما ورثه الآخر، وإنما يَزولُ ملكه إذا انقضت العدة، بخلاف الإعتاق فإنه يزيل الملك بنفسه، ولا يبقى بعده للسيد ملك على المملوك، ولا رجعة له بعد الإعتاق، كما له في المرأة رجعة بعد الطلاق.

  4. وأيضًا؛ فإذا زال ملكه عنها جاز له أَنْ يثبت له الملك ثانيًا بعقد ثانٍ، والعبد إذا عتق وهو مُسلم لم يَعُدْ إلى الرِّقِّ، ولو كان ذميًّا لم يَعد إلى الرق إلا أَنْ يُذنب الذنبَ الذي يبيح استرقاقه، وأما الإسلام السابق فهل يمنع

    vol. 2, p. 685استرقاق المرتد حيث لا يتحتَّم قتله؟ فيه نزاعٌ بين العلماء، وهذا لأنَّ الرق إنما سببه الكفر والمحاربة فأباح (١) الله ــ عز وجل ــ لعباده المؤمنين أَنْ يستعبدوا رقاب الكفار ويأخذوا أموالهم، لأنه ــ تعالى ــ خلقهم لعبادته، وخَلَقَ الأموال ليستعينوا بها على عبادته، فلما كفروا به وحاربوا أولياءه أباح لأوليائه تملك أنفسهم وأموالهم، وَجَعَلَ ذلك فيئًا يفيئه على عباده المؤمنين، لأنهم هم المستحقون له.

  5. أفاء إليهم؛ أي: أعاد إليهم ما هم المستحقون له شرعًا.

  6. ولهذا كان الإسلام مانعًا من الرقِّ الشرعي، فالحر المسلم لا يجوز استرقاقه بحال، وإذا ارتدَّ عن الإسلام تحتَّمَ قتلُهُ إِنْ لم يَعُدْ إلى الإسلام، فإن أسلم بعد الأسر فهل يسترق كما يسترق الكافر الأصلي؟ فيه نزاع.

  7. فقيل: يجوز استرقاقه، كما استرق الصحابة - رضي الله عنهم - من استرقوه من بني حنيفة (٢) ، ومنهم الحنفية التي تَسَرَّاهَا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - (٣) .

  8. وقيل: لا يجوز استرقاقه، فإنه إما أَنْ يُسلم وإما أَنْ يتحتم قتله؛ بخلاف الكافر الأصلي فإنه إذا لم يسلم لم يتحتم قتله.

  9. والمرتدة يتحتم قتلها عند الجمهور كمالك والشافعي وأحمد، كما قتل

    vol. 2, p. 686الصديق - رضي الله عنه - مرتدة (١) ، وأبو حنيفة مَنَعَ قتلها كما يمنع قتل الكافرة [١٩١/ أ] الأصلية، والجمهور يُفَرِّقُونَ بين الردة وبين الكفر الأصلي، فإنَّ الرِّدَّةَ موجبة لقتل المرتد، بخلاف الكافر الأصلي فإنه يجوز عقد الذمة له؛ ولهذا يجب في الردة قتل من ليس من أهل القتال كالشيخ الكبير والراهب وغيرهما، ولا يجوز قتل هؤلاء عند الجمهور كأبي حنيفة ومالك وأحمد.

  10. فإنَّ الكفر الأصلي إنما يُبيح القتل مع الحراب عند الجمهور (٢) ، والشافعي يجعل نفس الكفر هو المبيح، ويقول: إنما استثنى النساء والصبيان لكونهم يصيرون بالاستيلاء مالًا للمسلمين، ففي قتلهم تَفْوِيتُ تملك ذلك على المسلمين، فيجعل المانع كون القتل يفوت تملكهم على المسلمين، وأما الأكثرون فيقولون: بل المانع كونهم ليسوا من أهل القتال، كما عَلَّلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك لَمَّا مَرَّ في بعض مغازيه بامرأةٍ مقتولةٍ، فقال: «ما

    vol. 2, p. 687كانت هذه لتقاتل» (١) ، ونهى عن قتل النساء والصبيان (٢) ، وفي السنن أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل الشيخ الكبير والعسيف (٣) وغيرهما ممن ليس هو من أهل القتال؛ ولهذا لو قاتل النساء والصبيان قوتلوا وقتلوا باتفاق العلماء (٤) ، وبسط هذا له موضع آخر.

  11. والمقصود هنا: أَنَّ سبب الرق هو الكفر (٥) ، والإسلام يمنع ابتداءه ولا يمنع دوامه، فإذا أسلم بعد الاسترقاق لم يَصِرْ حرًّا، فإنه إنما تاب من الكفر بعد القدرة عليه، وذلك لا يمنع بقاء أثر العقوبة عليه ــ وهو الرق ــ، بخلافِ

    vol. 2, p. 688مَنْ أسلم قبل القدرة عليه، وذلك يرفع عنه العقوبة التي لله بالكلية؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأسير العقيلي لَمَّا قال: يا محمد، إني مسلم. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَمَا إِنَّكَ لو قُلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح» (١) .

  12. والإعتاق يعيد الإنسان إلى أصلِ حريته، وإِنْ كان المعتَق ذميًا فعتقه كالصدقة عليه، والصدقة عليهم جائزة بخلاف الطلاق والنكاح؛ فإنَّ النكاح هو سبب دوام الآدميين، فهو أمر طبيعي في بقائهم كما أَنَّ الأكل [١٩١/ ب] والشرب أمر طبيعي في بقاء الشخص، فلا بُدَّ منه من بقاء النوع؛ ولهذا يجب عند الضرورة إذا خاف الوقوع في الزنا.

  13. وإذا كانت له شهوة ولكن لا يخاف الوقوع في الزنا فهل هو واجب أو مستحب؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد.

  14. وإن اشتغل عنه بالصوم والصلاة، فهل هو أفضل أو الصلاة والصوم؟ فيه نزاع مشهور.

  15. وَمَنْ لم يوجبه مع أَنَّ الآدميين لا يبقون [إلا] (٢) به، فإنه يكتفي بالباعث الطبعي.

  16. كما اختلف العلماء في الصناعات التي لا بُدَّ للناس منها كالحراثة والبناية؛ هل يقال: إنها فرض على الكفاية أم لا؟ على قولين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.

  17. ففي الجملة؛ هو من أصول مصالح الآدميين طبعًا وشرعًا، بخلاف الرق فإنه ثابت على خلاف مقتضى الفطرة والشرعة، وإنما يُسْتَرق مَنْ خَرَجَ عن فطرة الله التي فطر الناس عليها، وعن دينه الذي شرعه.

    vol. 2, p. 689
  18. فالطلاق إزالة [النكاح] (١) الذي هو من مصالح العباد في المعاش والمعاد، والإعتاق إزالة الرِّقِّ الذي إزالته من تمام مصالح العباد في المعاش والمعاد.

  19. فالطلاق من جنس الرق الثابت على خلاف الأصل، والإعتاق من جنس النكاح الموافق لمقتضى الأصل؛ فلهذا جاءت الشريعة الكاملة بتوسيع طرق العتق والترغيب فيه، وتضييق طرق الطلاق والمنع منه، فمن عكس ذلك فقد بَدَّلَ فطرة الله التي فطر عباده عليها، وشرعة الله التي (٢) أرسل بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا سيما فيمن عَلَّقَ تعليقًا يقتضي لزوم العتق له، وجعل العتق لازمًا له عند وجود الشرط، كما جعل النذر لازمًا له عند وجود الشرط، لكن كان قصده اليمين وهو يكره لزوم ما عَلَّقَهُ سواء وجد الشرط أو لم يوجد= فإذا قيل لهذا: قَصْدُ اليمين مانعٌ لك من لزوم ما جعلته لازمًا لك ــ وإِنْ كان الله يحبه ويرضاه ــ، ولم يكن جعله لذلك لازمًا عند الشرط مع كون الله يحبه ويرضاه موجبًا للزومه، ثم يجعل جَعْلَ ما لا يحبه الله ويرضاه لازمًا له، لكونه جعله لازمًا له، فيجعل مجرد جعله لازمًا موجبًا للزومه مع أَنَّ الله لا يحبه ولا يرضاه، والذي [١٩٢/ أ] يحبه ويرضاه لا يجعل جعله لازمًا موجبًا للزومه= فَمَنْ قال هذا؛ هل أبقى في الخطأ غاية؟!

  20. ولو قيل لشخص: اجتهد في الخطأ؛ هل كان يقول إلا ما هو من هذا الجنس؟! فأيُّ القولين أولى أَنْ يُظَنَّ بخيار الأمة وأفضل القرون أنهم قالوا؟! هذا القول المتناقض وليس معه عنهم نقل بذلك، بل كلامهم يدل على نقيض ذلك، أو أنهم قالوا قولًا معروفًا يوافق الفطرة والشرعة، ويقبله العقل، ويدل عليه الكتاب والسُنة، ويكون قولهم به مطردًا متناسبًا سالمًا من التناقض، وكلامهم يدل عليه من جهة العموم المعنوي تارة، ومن جهة العموم اللفظي تارة.

    فإنهم إذا جعلوا كونه قاصدًا للحلف [ ... ] (١) إلا (٢) للزوم المعلق مانعًا من أَنْ يَلزمه ما يحبه الله ويرضاه من العتق والنذر، فَلَأَنْ يجعلوا هذا القصد مانعًا من أَنْ يلزمه ما لا يحبه الله ويرضاه بطريق الأولى والأحرى.

    vol. 2, p. 690