الوجه الثالث: أن نقل العلماء للنزاع أثبت وأقوى من نقلهم للإجماع وعدم النزاع
13 paragraphs · vol. 2, p. 692
- vol. 2, p. 692
النزاع في العتق المحلوف به، وهذا الذي قال فيه المجيب: (وبالجملة فالنزاع في هذه المسألة ثابت بين السلف كطاووس والحسن) . لم يذكر [١٩٢/ ب] هنا النزاع في الطلاق، والاحتمالات التي تقدم إبداء المعترض لها مع فسادها = إنما هي فيما نقل عنه في الطلاق؛ فكيف يصلح أن يذكر هذا جوابًا فيما نقل عنه في العتق؟
-
الوجه الثاني: أَنْ يقال: قول طاووس: التسوية بين العتق والحلف بالنذر أنه فيه كفارة يمين، كما هو قول أبي ثور= قد نقله عامة من صنف في الخلاف مثل: محمد بن نصر، ومثل محمد بن جرير، ومثل أبي بكر بن المنذر، ومثل أبي عمر بن عبد البر، ومثل أبي محمد بن حزم وغير هؤلاء، وبعض هؤلاء هو الذي نقله، وقبل هؤلاء ذكر النزاع أبو ثور وغيره من علماء المسلمين.
-
وأيضًا؛ فهذا النقل موجود في الكتب التي يُذْكَرُ فيها نزاع السلف من المصنفات في مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، فالطاعن في نقل ذلك عن طاووس مخالفٌ لإجماع العلماء الذين ينقلون النزاع.
-
والمعترض معترفٌ بأنه ليس معه نقل عن طاووس يخالف ذلك؛ فكيف يسوغ رَدُّ ما نقله جميع العلماء عن طاووس بلا شيء أصلًا؟ وإنما رَدَّ ذلك بمثل ما رَدَّ بِهِ قولَهُ في الطلاق المحلوف به من التأويلات القرمطية، التي هي من باب تحريف الكلم عن مواضعه.
-
الثالث: أَنْ يقال لمثل هؤلاء: عمدتكم في المسألة على نقل بعض هؤلاء للإجماع، ومعلومٌ أَنَّ نقلهم للنزاع أثبتُ وأقوى من نقلهم للإجماع
vol. 2, p. 693وعدم النزاع، فإنَّ نقلَ النزاع هو نقل عن عالم قالَ قولًا في مسألة يمكن معرفته؛ إما بسماعه منه وإما بإسناد ثابت عنه؛ وأما نقل الإجماع وعدم النزاع فلا يكون علمًا إلا مع العلم بعدم النزاع؛ وهذا إِنْ كان ممكنًا فهو متعسر، وإِنْ كان غير ممكن فمتعذر؛ فالأول أيسر منه، وما كان أيسر كان العلم به أيسر.
-
ولهذا يقبل من نقل النزاع ما يقبل من رواية العدل، فإذا روى العدل الضابط عن بعض العلماء قولًا يقبل منه كما يقبل إخبار أمثاله من العدول الضابطين، وأما نقل الإجماع وعدم النزاع فلا ينتهض به إلا الأفراد من العلماء [١٩٣/ أ] المطلعين.
-
ومع هذا؛ فالغلط فيه كثير جدًا، حتى إني لا أعرف أحدًا ينقل الإجماعات إلا وقد وجد فيما ينقله من الإجماعات ما فيه نزاع لم يطلع عليه (١) .
-
وأيضًا؛ فالغلط فيه كبير جدًّا بخلاف مَنْ ينقل الأقوال عن قائل معيَّن يثبت به النزاع، فإنَّ من الحفاظ مَنْ لم يُعرف له غلط كالزهري والثوري وغيرهما، ومنهم مَنْ يَندر غلطه كشعبة وزائدة وقتادة وزهير وغيرهم، وهؤلاء وأمثالهم أحفظ الأئمة للمنقولات من أقوال العلماء وغيرهم، وهم وغيرهم كابن جريج ومالك بن أنس وحماد بن زيد وحماد بن سلمة
vol. 2, p. 694وسفيان بن عيينة وسعيد بن أبي عروبة وسليمان التيمي والأوزاعي والليث بن سعد وعمرو بن الحارث، وَمِنْ قَبْلِ هؤلاء مِنْ صغار التابعين وكبارهم كالفقهاء السبعة وكالحسن وابن سيرين ومُطَرِّفِ بن الشِّخير وكعلقمة والأسود وعَبيدة وإبراهيم التيمي وإبراهيم النخعي وأمثالهم = هم دائمًا ينقلون المنقولات المثبتة للنزاع كما ينقلون أقوال الصحابة والتابعين بعدهم مما فيه نزاع، وذلك النقل مقبول منهم، كما يقبل منهم ما ينقلونه من أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - (١) .
-
وعامة هؤلاء لا ينقلون إجماعًا، اللهم إلا أَنْ ينقلَ أَحدُهم إجماعَ الصحابة - رضي الله عنهم -؛ كما روي عن عَبيدة السلماني أنه قال: لم يجمع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - على شيء كإجماعهم على أَنَّ الأخت لا تنكح في عدة أختها، وأَنَّ الخامسة لا تنكح في عدة الرابعة (٢) ، وهذا أراد به العدة الرجعية، فالناس يسلمون الإجماع فيه، وأما الطلاق البائن فلا يُسَلِّمُون الإجماع فيه، بل ومالك والشافعي وغيرهما يقولون: إنها تباح في العدة من الطلاق البائن.
- vol. 2, p. 695
وأما مَنْ يَنقل الإجماعات بعد التابعين؛ كالليث والثوري ومالك فيوجد في إجماعهم نزاع لم يَطَّلِعُوا عليه، بخلاف ما ينقلونه من النزاع، فإنَّ نقلهم له ثابت.
-
فالليث حكى الإجماع على أنه لا تقصر الصلاة في أقل من يومين [١٩٣/ ب] ، وكذلك الشافعي تبعه على ذلك؛ وقد علم النزاع في ذلك بين الصحابة والتابعين (١) .
-
والثوري حكى الإجماع على أَنَّ المطلقة الرجعية إذا ارتجعها ثم طلقها فإنها تستأنف العدة، والنزاع ثابت في ذلك معروف حتى في مذهب الشافعي وأحمد.
-
ومالك بن أنس ذَكَرَ الإجماعَ على الحكم بِرَدِّ اليمين (٢) ،
وعلى القسامة (٣) ؛ والنزاع في ذلك معروف.