الوجه الرابع: أن النزاع في العتق منقول عن غير الحسن وطاووس وغير واحد من الصحابة والتابعين

26 paragraphs · vol. 2, p. 696

  1. والمقصود: أَنَّ العلماء نَقْلُهُم لِمَا ينقلونه من أقوال يَثْبُتُ بها النزاع أثبت من نقلهم لنفي النزاع.

    vol. 2, p. 696
  2. وأبو ثور ومحمد بن نصر ومحمد بن جرير وابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم وغيرهم قد نقلوا النزاع في الحلف بالعتق عن الصحابة والتابعين، وممن سَمَّوه طاووس، وبعضهم حكى إجماعًا في الطلاق كأبي ثور ومن تبعه، وبعضهم حكى النزاع في الطلاق ــ أيضًا ــ كابن حزم ومَنْ وافقه، فلو لم يُعلم النزاع في الطلاق والحلف به بنقول (١) أخرى، لكان من المعلوم قطعًا أَنَّ إثباتَ نقلهم كلهم للنزاع في العتق أولى من إثبات نقل بعضهم لنفي النزاع في الطلاق مع مخالفة بعضهم في ذلك لوجهين:

    أحدهما: أَنَّ نقلَ النزاعِ أقوى وأثبت.

  3. والثاني: أَنَّ مثبتَ النزاعِ مثبتٌ، ونافيه نافٍ؛ والمثبتُ مُقَدَّمٌ على النافي.

  4. فإذا جعل المعترض ونحوه عمدتهم نقلهم للإجماع، وطعنوا في نقلهم للنزاع = كان هذا من أظهر الخطأ وأفحش التناقض.

  5. الوجه الرابع: أَنَّ النزاع في العتق ليس هو قول طاووس والحسن فقط، بل منقولٌ عن غير واحد من التابعين غيرهما، وعن غير واحد من الصحابة مع ثبوت ذلك النقل.

  6. وقد تقدم اعتراف محمد بن جرير الطبري وأبي محمد بن حزم بقول مَنْ قال مِن الصحابة والتابعين: إنه إذا حلف بالعتق بقوله: (كل مملوك لي حر إِنْ فعلت كذا) = أنه يُكَفِّر يمينه ولا يلزمه العتق، وهذان مخالفان لهذا القول، يريان أنه لا يلزمه عتق ولا كفارة، كما لا يلزم ذلك عندهما في تعليق النذر إذا قُصِدَ بِهِ اليمين، وقولهما في ذلك كله قول داود [١٩٤/ أ] وأصحابه، وهو ثابت في الحلف بالنذر عن طائفة من التابعين، ويروى عن محمد بن الحسن، والطحاوي يميل إليه.

    vol. 2, p. 697
  7. فهؤلاء يختارون في الحلف بالعتق أنه لا يلزم ولا كفارة فيه، كما يُذْكَرُ ذلك عن: داود وَمَنْ وافقه، وأبلغُ من ذلك قول أبي عبد الرحمن الشافعي وَمَنْ وافقه كابن حزم من أهل السنة، وكالمفيد والطوسي والموسوي وغيرهم من شيوخ الشيعة، وهم ينقلون ذلك عن فقهاء أهل البيت، ومعلومٌ أَنَّ خلافَ أئمة أهل البيت ــ كأبي جعفر محمد الباقر وجعفر بن محمد ــ معتدٌّ به باتفاق المسلمين، فإنَّ هؤلاء مِنْ أكابر أئمة المسلمين، ومن سادات أهل العلم والدين، وإِنْ كانت الرافضة تغلوا فيهم غلوًّا باطلًا، فذلك لا يمنع من معرفة أقدارهم، كغلوهم في علي - رضي الله عنه -، وغلو النصارى في المسيح ــ عليه السلام ــ.

  8. والرافضة يجعلونهم معصومين كالرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويجعلون كل ما قالوه قالوه نقلًا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويجعلون إجماع طائفتهم حجة معصومة؛ وعلى هذه الأصول الثلاثة بنوا شرائع دينهم، لكن جمهور ما ينقلونه من الشريعة موافق لقول جمهور المسلمين، فيه ما هو من مواقع الإجماع، وفيه ما فيه

    vol. 2, p. 698نزاع بين أهل السنة، فليس الغالب فيما ينقلونه عن هؤلاء الأئمة من مسائل الشرع الكذب، بل الغالب عليه الصدق، وفيه ما هو كذب خطأ أو عمدًا بلا ريب، وأقوالهم كأقوال نظرائهم من أئمة المسلمين.

  9. لكن قد يقال: نقل هؤلاء عنهم لا يوثق به، وقد وقفت على النقل المأثور عنهم بالإسناد المتصل عندهم، فوجدته في التعليق للطلاق الذي يقصد به اليمين، أفتوا فيه: أنه لا يلزم به الطلاق.

  10. ولفظ بعضهم يقتضي أنه لا يلزمه طلاق ولا كفارة.

  11. ولفظ بعضهم إنما فيه نفي الطلاق لم يتعرض لنفي الكفارة.

  12. وأما التعليق الذي يقصد به الإيقاع؛ فلم أجد نقلًا متصلًا عنهم أنه لا يلزم.

  13. قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري لمَّا تكلمَ على مسألة الحلف بالعتق في [١٩٤/ ب] كتابه (اللطيف) (١) قال: (ويسألُ القائلونَ: إِنَّ العتق واقع بمملوكِ القائلِ: مملوكه فلان حر إِنْ كَلَّمَ اليوم فلانًا؛ إذا حنث في يمينه [أَتسقطون] (٢) عنه الكفارة؟).

  14. إلى أَنْ قال: (فإن ادعوا أَنَّ ذلك إجماع.

  15. قيل لهم: لا علم لكم باختلاف أهل العلم، وقد روي عن ابن عمر وعائشة وحفصة وأم سلمة وعطاء وطاووس والقاسم وسالم وجماعة يكثر عددهم من أئمة الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - = أَنَّ في ذلك كفارة يمين).

  16. فقد ذكر ابن جرير ــ وهو يرى أَنَّ قول الجمهور حجة، نقلته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يجعل مستند الإجماع اجتهادًا، ولا يعتد بخلاف الواحد والاثنين ــ أَنَّ القول بلزوم الكفارة فيما إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فكل مملوك لي حر = هو قولُ جماعةٍ يكثر عددهم من أئمة الصحابة والتابعين، وذكر منهم مَنْ ذكر مثل: ابن عمر وعائشة وحفصة وأم سلمة وعطاء وطاووس والقاسم وسالم.

    vol. 2, p. 699
  17. وطاووس واحد من جماعةٍ يكثر عددهم من أئمة الصحابة والتابعين، قالوا فيما إذا قال: إِنْ فعلت فكل مملوك لي حر: إِنَّ في ذلك كفارة يمين.

  18. وابن جرير أَحدُ مَن اعتمد المعترض وأمثاله على نقله للإجماع في الطلاق، مع أَنَّ ذلك لا ينفعهم؛ فإنَّ الإجماع عنده قولُ الجمهور، ليس هو الإجماع الذي يقولون هم وجمهور علماء المسلمين إنه الإجماع المعصوم.

  19. وأما نَقْلُهُ للنزاع في ذلك؛ فقد نقله عن جماعة يكثر عددهم من أئمة الصحابة والتابعين، ومثل هذا النقل يُرجع فيه إليه باتفاق العلماء؛ فقد احتجوا بنقله فيما لا يجوز الاحتجاج به عند جماهير العلماء، وتركوا نقله فيما يحتج بنقله فيه باتفاق العلماء.

  20. فإنه من أئمة المسلمين العالمين بأقوال الصحابة والتابعين، وهو أحد المجتهدين الذين لهم أتباع ومذهب، ولهذا ذكره أبو إسحاق في طبقات الفقهاء المجتهدين (١) .

    vol. 2, p. 700وقال أبو محمد بن حزم (١) : (صَحَّ عن عائشة وأم سلمة ــ أُمَّي المؤمنين ــ، وعن ابن عمر أنه جعل في قول ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية [١٩٥/ أ] إِنْ لم تطلق امرأتك = كفارة يمين واحدة.

  21. وعن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - فيمن قال في يمينٍ: مالي ضرائب في سبيل الله، أو قال: مالي كله في رتاج الكعبة = كفارة يمين.

  22. وعن عائشة وأم سلمة أُمَّي المؤمنين - رضي الله عنهما - فيمن قال: عليَّ المشي إلى بيت الله إِنْ لم يكن كذا = كفارة يمين؛ من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أشعث الحمراني، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع عنهما).

    قال: (وروينا عن جابر بن عبد الله: النذر كفارته كفارة يمين.

  23. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - مثل هذا.

  24. وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نحوه.

  25. وعن عكرمة والحسن فيمن قال: مالي كله في رتاج الكعبة = كفارة يمين).

    قال: (وَصَحَّ عن طاووس وعطاء؛ أما طاووس فقال: الحلف بالعتاق ومالي هدي وكل شيء لي في سبيل الله وهذا النحو = كفارة يمين.

  26. وأما عطاء فقال فيمن قال: عليَّ بدنة أو قال (٢): ألف حجة، أو قال: