الوجه السادس: نقل المعترض لكلام محمد بن نصر حجة عليه، وبيان وجه ذلك
15 paragraphs · vol. 2, p. 703
- vol. 2, p. 703
وتحريمًا، وينشئ الحلف بأيمان البيعة وأيمان المسلمين، كما إذا قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ الحجُّ، إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحج، إِنْ فعلتُ كذا فقد لزمني الحج = فإنَّ هذا يقصد إذا فَعَلَ لزومَ إنشاءِ حَجٍّ له بعد ذلك [١٩٦/ أ] ، وأما هناك فإنما يقصد إذا حنث أنه قد لزمه الطلاق والعتاق، ولزمه ما يلزم الحالف الحانث إذا حلف بأيمان المسلمين وأيمان البيعة.
-
[الوجه السادس] : قوله: (وتقدم قول محمد بن نصر: إنه روي عن الحسن وطاووس مثل قول أبي ثور (١) ؛ فيحتمل أَنْ يريد مثل قوله في التفرقة بين الطلاق والعتاق، ويحتمل أَنْ يريد مثل قول أبي ثور في العتق خاصة) (٢) .
-
فيقال له: وعلى كلا التقديرين؛ فيكون قد نقل عن طاووس أَنَّ الحالف بالعتق إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فكل مملوك لي حر = أَنْ يُكَفِّرَ يمينه، والكلام هنا إنما هو في قول طاووس في العتق.
-
فقد تبين أَنَّ نقل محمد بن نصر حجةٌ عليك في إثبات قول طاووس كنقل ابن حزم، وقد انضم إلى ذلك نقل ابن المنذر، ونقل الطبري، ونقل أبي عمر بن عبد البر، وغيرهم من العلماء.
-
وترديدك الاحتمال في هذا المقام لا ينفعك في نفي هذا النقل، بل ذكر هذا الاحتمال هنا من باب التغليط والمغالطة (٣) ؛ كذلك الاحتمالات
vol. 2, p. 704التي ذكرتها في قول طاووس في الطلاق، فهاتيك لو قُدِّرَ أنها تنفعك لم تنفعك.
-
فهذه الاحتمالات القرمطية التي تذكرها في قول طاووس، وفي نقل محمد بن نصر عنه، لو نفعتك لن تنفعك فيما قصدته هنا من نفي قول طاووس في العتق، بل هي حجةٌ صريحةٌ على كلا الاحتمالين على نفي مقصودك هنا.
-
ولا عجب أَنْ يحتج (١) الشخص بحجة وتكون عليه لا له إذا كان ذلك في سياقِ رَدِّ الحق الذي لا يمكن رَدُّه، فإنَّ هؤلاء المجادلين في هذه المسألة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، أخرجهم الجدل بالباطل إلى أن جحدوا ما عُلم بالحس وبالعقل وبالسمع وبالشرع وبالخبر، فصاروا يقولون: كُلُّ مَنْ عَلَّقَ شيئًا بقصد اليمين فلا بُدَّ أَنْ يريد وقوع ما عَلَّقَهُ عند وجود الشرط وإنْ كان كارهًا له وللشرط إذا لم يوجد الشرط، بل إذا وجد الشرط فقد أراده كما يريده المعلِّق غيرُ الحالف.
-
فصاروا يَدَّعون على مَنْ أراد أَنْ يمنع نفسه، فقال: إِنْ سافرتُ معكم [١٩٦/ ب] إِنْ كلمتُ فلانًا فنسائي طوالق وعبيدي أحرار ومالي صدقة وعليَّ ثلاثون حجة وصوم الدهر ولا أماتني الله على الإسلام وقطع الله يدي وذبح أولادي على صدري ونحو ذلك من الأمور التي يشتد كراهة الإنسان لها وامتناعه من إرادة وقوعها.
-
ومعلومٌ بالاضطرار أنه لا يريد وقوعه سواء وجد الشرط أو لم يوجد
vol. 2, p. 705الشرط (١) فيقولون: بل هذا قاصد لوجودها إذا وجد الشرط، كما يقصد غير الحالف (٢) الطلاق إذا قال: إِنْ أعطتني ألفًا فهي طالق، أو إذا طَلَعَ الهلال فهي طالق، أو إذا أَدَّيْتَ لي ألفًا فأنت حر، أو إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ الحج وعليَّ الصدقة بألف؛ فيجعلون كلَّ مُعَلِّقٍ مريدًا لوقوع الجزاء عند الشرط سواء كان الشرط مرادًا أو غير مراد، وسواء كان الجزاء مكروهًا دون الشرط أو لم يكن مكروهًا، لكنْ إذا عَلَّقَه فلا بُدَّ أَنْ يقصد وجوده عند الشرط.
-
ومعلومٌ أَنَّ قولهم هذا خلاف لما يعلمه الناس علمًا يقينيًّا ضروريًّا من أنفسهم، بل ولما يعلمه بعضهم من حال بعض، فإنهم يعلمون أَنَّ أحدًا لا يقصد أَنْ تلزمه هذه اللوازم التي تزيل عنه نعم الله عليه في دينه ودنياه، وتجعله قد وُتِرَ أهلَه وماله ودينه وآخرته، فإنَّ أحدًا لا يقصد أَنْ يلزمه هذا بحال، فضلًا عن أَنْ يقصد إذا فعل فعلًا من الأفعال مثل سفره إلى بلد أو يُكَلِّم بعض الناس أو تزويج بنته أو إعطاء عشرة دراهم يقدر عليها، بل كل عاقل يعلم أَنَّ بَذْلَ هذه الأمور أيسر على كل عاقل من لزوم تلك المكاره، وأنه إذا خُيِّرَ بينَ أَنْ يفعل هذه الأفعال وبينَ أَنْ تلزمه تلك اللوازم = اختار أَنْ يفعلها وأضعافها، ولا تلزمه بعض تلك المصائب العظيمة في دينه ودنياه؛ فضلًا عن أَنْ تلزمه كلها.
-
وإذا كان معلومًا بالاضطرار أَنَّ هذه الأفعال أحب إليه من لزوم تلك المصائب، فلا يختار إذا فعل هذا الفعل أَنْ تلزمه تلك المصائب العظيمة،
vol. 2, p. 706فيجتمع عليه إِنْ فعلَ ما كان يكرهه وإن لزومه (١) [١٩٧/ أ] تلك المصائب، وكان حين اليمين كارهًا للفعل، وكارهًا لتلك المصائب، ثم ندم فيما بعد على التزام الفعل، فصار يختار الفعل ولا يختار أَنْ تلزمه تلك المصائب.
-
وأما كونه يختار أن تلزمه تلك الصفات إذا فعل الفعل؛ فهذا ممتنع منه، ومن سائر (٢) العقلاء لا سيما وهو حين اليمين كان كارهًا للفعل؛ فكيف يختار إذا وجد المكروه الأدنى أَنْ يوجد هو والمكروه الأعلى؟! فهو كاره لكلٍ منهما إذا انفرد، وكراهته للمصائب أعظم؛ فكيف يختار إذا وجد هذا أَنْ يوجد هذا؟! فيكون قد اختار اجتماع هذا مع هذا، وهو قط لم يختر أن تكون تلك المصائب وحدها؛ فكيف يختارها إذا قرنت بما هو مكروه عنده؟! وقد زاده اقترانها به كراهة لها، ولم يتجدد له عند الاجتماع معنىً يزيل كراهة هذه المصائب.
-
وأما إذا قُدِّرَ أنه عند الاجتماع يُحْدِثُ معنًى يوجب إرادةَ ما عَلَّقه؛ فهذا ليس بحالف، وهذا يكون في مثل تعليق الطلاق.
-
فإنَّ الطلاق يريده الإنسان تارة ويكرهه أخرى، فإذا عَلَّقَهُ على فعلٍ مكروهٍ فقد يقع مع كراهته له وإِنْ وجد الفعل فيكون حالفًا، وقد يكون مع إرادته له عند الفعل فلا يكون حالفًا.
-
ولهذا لَمَّا كان تعليق الطلاق على وجه الحض والمنع: يكون تارةً مع كراهته [له] (٣) عند الشرط فيكون حالفًا، وتارة مع إرادته فلا يكون حالفًا = وقعتِ الشبهةُ لكثيرٍ من الناس في هذا الباب، كالمعترض وأمثاله، بخلاف