الوجه الثاني: أن العلماء اختلفوا في المجتهد إذا قال في المسألة قولين؛ هل يذكر الأول عنه؟
15 paragraphs · vol. 2, p. 736
- vol. 2, p. 736
(واعلم أنه لو صح النقلان عنه، ولم يمكن الجمع بينهما، وفرضنا أنه أفتى بأحدهما في وقت ثم بالآخر في وقت آخر، فيكون الثاني رجوعًا عن الأول، ولا يعلم الثاني منهما، فلا يثبت الخلاف بالشك ولا الإجماع بالشك؛ بل نتوقف، فإن اتفق إجماع من بعده اعتبر) (١) .
- والجوابُ من وجوهٍ:
-
أحدها: أَنَّ الخلاف في ذلك ليس هو قول الحسن وحده، بل قول عددٍ من أئمة الصحابة [٢٠٦/ ب] والتابعين ــ كما تقدم ــ، فلو فرض أَنَّ الحسن خالفهم قولًا واحدًا= لم يوجب ذلك رفع نزاعهم؛ فكيف إذا كان أثبتُ الروايتين عنه موافقتَهُم؟!
-
الثاني: أنه لو قُدِّرَ أنه لم يعلم آخر الروايتين، وكلاهما قاله في وقت؛ فقد (٢) تنازع الناس في المجتهد إذا قال في المسألة قولين، هل يذكر الأول عنه؟
-
والصحيح الذي عليه الجمهور: أنه يحكى عنه كلا القولين، لأنَّ العلماء ليسوا كالأنبياء ــ عليهم الصلاة والسلام ــ الذين يكون آخر قوليهم ناسخًا للأول، بل هم قالوا بالاجتهاد ليبينوا ما هو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد يكون قوله الأول هو الصواب دون الثاني، فلا يمكن الجزم بأنَّ آخر قوليه هو الصواب.
- vol. 2, p. 737
نعم؛ قد يقال: المُقَلِّدُ لَهُ تَقْلِيدُ آخِرِ قوليه؛ فإنَّ الأول قوله (١) ، وأما المجتهد الذي يَحكي أقوال العلماء؛ فيحكي كُلَّ واحدٍ من قوليه كما يَحكي أقوال سائر العلماء، لجواز أَنْ يكون الصوابُ هو الأول دون الثاني (٢) .
-
ولهذا اتفق العلماء على حكاية الخلاف المنقول عن الصحابة والتابعين والعلماء بعدهم وإِنْ نُقِلَ عن أحدهم في المسألة روايتان وأكثر. ولو لم يكن قوله إلا القول الثاني وهو لا يُعلم = لم يَجُز أَنْ يُحكى قولٌ عمن اختلفت الرواية عنه، لأنَّ قوله هو الآخر، وهو غير معلوم، فلم يُعلم له قول في المسألة، وَمَنْ لا يُعلم قوله لا يُحكى له قول ولا يُقَلَّد له قول.
-
فلما اتفق الناس على نقل الأقوال والروايات المختلفة عن الصحابة والتابعين وَمَنْ بعدهم من العلماء، والاعتداد بذلك في الإجماع والنزاع = دَلَّ ذلك على أَنَّ هؤلاء يَعتدُّون في الإجماع والنزاع بالروايات الثابتة المنقولةِ عن السلف، وَإِنْ كان عن أحدهم روايتان. وفي إجماع أهل العلم قاطبةً على ذلك إبطالٌ لقولِ هذا المعترض: (إذا لم نعلم الثانية لا يثبت الخلاف بالشك ولا الإجماع بالشك، بل نتوقف) .
-
والعلماء قاطبة يذكرون ما عن الصحابة وغيرهم من الروايات المختلفة
vol. 2, p. 738حتى مع علمهم بالأول، كما يذكرون عن عمر - رضي الله عنه - في مسألة [٢٠٧/ أ] الحمارية الملقَّبَة بالمشرَّكة روايتين (١) ، فيذكرون أَنَّ عامة الصحابة اختلف عنهم فيها إلا عن علي وزيد - رضي الله عنهما - (٢) .
-
وأيضًا؛ فالقول الأول من المجتهد الذي وافق فيه سائر أهل العلم مُقَدَّمٌ على الثاني عند كثير من الناس أو أكثرهم، فإنهم متنازعون في انقراض العصر هل هو شرط في الإجماع (٣) أم لا؟ فَمَنْ جعله شرطًا يُجَوِّزُ للعالم
vol. 2, p. 739أَنْ يرجع عن قوله الأول الذي وافق فيه الباقين، ومن لم يجعله شرطًا لم يجوِّز له الرجوع، وأشهر الروايتين عن أحمد أنه (١) يشترط انقراض العصر، بل يجوز له الرجوع عن القول الذي وافق فيه الباقين، وهذا قول كثيرٍ من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره.
-
والقول الثاني: إنه ليس بشرط؛ فلا يجوز له الرجوع، وهو الذي ذكره أبو سفيان (٢) عن أصحاب أبي حنيفة، وهو قول كثيرٍ من المتكلمين، وبعض أصحاب الشافعي، وهو القول الآخر في مذهب أحمد، اختاره أبو الخطاب وغيره (٣) .
-
وقد قال أحمد في رواية عبد الله: الحجةُ على مَنْ زَعَمَ أنه إذا كان أمرًا مجمعًا عليه ثم افترقوا: أَنَّا نقفُ على ما أجمعوا عليه حتى يكون إجماعًا= أَنَّ أُمَّ الولدِ كان حكمها حكم الأَمَةِ بإجماع، ثم أعتقهنَّ عمر، وخالفه عليٌّ بعد موته، فرأى أَنْ تُسترق (٤) ؛ فكان الإجماع في الأصل أنها أمة.
vol. 2, p. 740قال: وَحَدُّ الخمر؛ ضَرَبَ أبو بكرٍ أربعين، ثم ضرب عمر ثمانين، وضرب علي في خلافة عثمان أربعين. وقال: ضَرَبَ أبو بكر أربعين وكَمَّلَهَا عمرُ ثمانين، وَكُلٌّ سنة (١) .
-
فالحجةُ عليه في الإجماع في الضرب أربعين، ثم عمر خالفه فزاد أربعين، ثم ضَرَبَ عليٌّ أربعين (٢) .
قال القاضي (٣) : (فظاهر هذا: أنه اعتبر انقراض العصر، لأنه اعتد بخلاف عليٍّ بعد عمر في أم الولد، وكذلك اعتد بخلاف عمر بعد أبي بكر في حد الخمر) ، وبسط هذا له موضع آخر (٤) .
-
والمقصود: أنَّ قول العالم الأول عند كثيرٍ من الناس يجب اعتباره إذا وافق الباقين دون الثاني؛ فكيف يقال: قوله الثاني هو قوله مطلقًا؟
-
فإنْ قيل: فهذا حجة عليكم في مسألة [٢٠٧/ ب] الحلف بالعتق، فإنَّ قول الحسن بالكفارة إِنْ كان هو الأول فقد رجع عنه، وإِنْ كان هو الثاني فقد خالف الإجماع.